شكل العلاقة بين السلطة والمجتمع


 

تختلف العلاقة بين السلطة والمجتمع في نموذج الدول بحسب اسلوب الحكم فيها ، ولا اعني هنا نظام الحكم الذي يتوزع في اغلبه بين ملكي وجمهوري ، ولكن نوع التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يفرزها النظام السياسي ومدى ارتباطها بالجماهير وتفاعلها معها . هذه التحولات بمجملها قد تسهم ببناء مجتمع رصين تتعزز فيه مكانة الفرد ويحظى بحقوقه الثقافية والاقتصادية وفق مبدأ تقاسم الثروات واختيار الشخص المناسب للمكان المناسب . الا انها قد تنحى منحى اخر لتصب في مصلحة النخب على حساب الجماهير ، إما من اجل ضمان الحفاظ على المناصب والامتيازات ، او من اجل الوصول الى الثراء المنشود وفِي بعض الأحيان يحصل الاثنان معا .

وفِي شكل العلاقة غير السليمة بين السلطة والمجتمع ، تتحول النخب الحاكمة تدريجيا وبحسب طول بقاءها في سدة الحكم من نموذج ثوري مصلح الى اخر نفعي يتوق للسلطة والثروة ، وشهد تاريخ العراق الحديث منذ عام ١٩٦٣ تكرارا لنموذج الحكم الذي يسعى لتثبيت أركانه عبر إيجاد تحولات مجتمعية واقتصادية وسياسية تحقق أهدافه ، ويسخر الحاكم فيها حزبه لتنفيذ سياسات تضمن تلك التحولات التي تخدم حكم الحزب او الفرد او العائلة

وتنفذ السياسات التي ترسمها السلطة عادة عبر أدوات تمد أذرعها الى مفاصل الدولة واجهزتها فإذا ما أحكمت قبضتها ، سعت في مرحلة لاحقة للتغلغل في مفاصل الاقتصاد ليتحول ثوار الامس الى رجال اعمال تذوب معهم الحدود الفاصلة بين الطبقتين الاقتصادية والسياسية . وبدت هذه التجربة واضحة بعد العام ٢٠٠٣ من خلال اللجان الاقتصادية للأحزاب في الوزارات التابعة لها كجزء من نظام المحاصصة السياسية في البلاد . وحظيت الأحزاب بمنافع مادية لم تكن لتحلم بها عن طريق تلك اللجان ، غير انها فتحت بابا للفساد وهدر أموال الدولة باعتراف هيئة النزاهة وهي اعلى سلطة لمكافحة الفساد في العراق ، وما زالت تبعاتها تمثل عبئا كبيرا على الحكومة التي تحاول جاهدة القضاء على مظاهر الفساد في مؤسسات الدولة .

الهيمنة الاقتصادية كشكل من أشكال العلاقة غير السليمة بين السلطة والمجتمع تعد أيضا سلاحا فعالا لاستمالة فئات المجتمع وصهرها ضمن إطار سياسي يخدم مصالح السلطة بالدرجة الأساس . ويتجسد هذا المثال بشكل جلي أيضا في ممارسات الأحزاب عموما ، ومن بينها الحزبين الكرديين الكبيرين في اقليم كردستان العراق ، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني . حيث بينت دراسة نشرها مركز كارنيغي للشرق الأوسط عام ٢٠١٥ ان حكومة الإقليم درجت على توفير الرواتب العالية والمعاشات التقاعدية والأراضي والوظائف والقبول في الجامعات لمسؤولي الفئة الخاصة وأبنائهم وأقاربهم، وآولئك ممن لهم علاقات مع الحزبين .

السلطة تستخدم الأموال كذلك للترويج لشكل العلاقة التي تربطها بالمجتمع ، وهنا يأتي دور الاعلام الذي يتولى مهمة الاقناع وتلقين رؤى السلطة ومفاهيمها لقواعدها داخل المجتمع ، ونسوق هنا أيضا التجربة العراقية بعد العام ٢٠٠٣ مثالا ، فكل حزب بات يمتلك العديد من وسائل الاعلام تنوعت بين القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية والمواقع الالكترونية وبات سوق الاعلام رائجا كل يحاول ان يسوق متبنياته ليرسم اطارا خاصا لشكل التحولات في العلاقة بين السلطة والمجتمع .

شكل العلاقة غير السليمة بين السلطة والمجتمع وتوجهاتها من شأنه ان يحول دون إعادة توزيع السلطة الاقتصادية والسياسية ، وسيؤدي إلى تفاوت اجتماعي شديد، وانتشار الفساد في أعلى مستوياته ، وسيقود حتما الى زيادة في الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية .

لا تعليقات

اترك رد