إنتهى داعش .. فهل إنتهت افكاره ؟


 

انتهى داعش على الارض، وكان متوقعاً ان ينتهي فأنتصار البداوة والتخلف والظلام على الحضارة والتقدم والنور مؤقت كما في كل زمان ومكان . لكن السؤال الذي يلح علينا جميعاً هل انتهى وذاب رصيده في الافكار والفتاوى والخطب والتبريرات والذرائع المستنسخة من الماضي ؟ وهل اختفى المتواطئون معه خلسةً والداعين اليه والى نسخة شبيهة له منطلقين من الحقب المظلمة في التاريخ ؟.
هنا يكمن التحدي الكبير والا فأن موت تنظيم لايعني سوى ميلاد تشكيل اخر على انقاضه اكثر وحشية ورداءةً من سابقه اذا لم تقطع الجذور ، ويمزق النسغ ، وينطفيء كل رأي موارب او متحايل او مبرر اومتعلق بأذيال الدين والدين منه براء . تاريخ المنطقة يقول انه كلما زاد التنوير والترجمة من اللغات الاخرى ، والتفكير المنطقي ، وانتشار الفلسفة والعقلانية ، فأن جبهة النصوص المقدسة ، وتصنيم الافكار ، والتعلق بالمقولات البالية ، والنقل العشوائي من التراث يختفي ويموت .

لكن واقع الحال يقول ان اكثر من 200 مثقف كبير في البلدان العربية في الوقت الراهن جرى تكفيرهم ومحاكمتهم او قتلهم او منع كتبهم او سحب الجوائز منهم لمجرد انهم يقفون على ضفة العقل ورفض نقل واستنساخ التراث بكل ماله وماعليه دون غربلة وتنقية ، والاحتكام عوضاً عن ذلك الى شروط العصر وموجبات التطور في شرح النصوص والاحاديث والمقولات والمرويات القادمة من التأريخ . ان مثقفين كبارا مثل (محمد عابد الجابري) وسلسلة كتبه في نقد العقل العربي ، و(محمد ارگون) في مشروع انسنة النص القراني ، و(نصر ابو زيد) وكتاباته حول فكر المعتزلة وموضوع الدولة الدينية ، و(فرج فوده) وفكره حول الدولة المدنية والتي اغتيل بسببها ، نقول ان كل هذه الافكار وافكار غيرهم من المفكرين والمبدعين التي يجري امام انظارنا تكفيرها وتخوينها انما هي غيمة سوداء مكفهرة تلقي بظلالها على الساحة الثقافية والفكرية التي مازال الحاكم والملك والسلطان والامير ورجل الدين حارسها وحامل مفاتيحها وحاجبها مما يعني ان اي تطور لن يحصل دون تمزيق عباءة هؤلاء .

ان الذي يمعن النظر فيما يحصل لكتاب كبار مثل (سيد قمني) و(احمد القبنچي) و(غالب الشابندر) وغيره مئات المثقفين سيعرف لماذا اضطهد المفكر الكبير وعالم الاجتماع (علي الوردي) والعالم الكبير (عبد الجبار عبدالله) وقبلهما الشاعر الكوردي العراقي (جميل صدقي الزهاوي) على خلفية دعوته لتحرير المرأة ، و(نجيب محفوظ) عميد الرواية العربية حامل جائزة نوبل الذي ظل حتى رحيله يعاني من الجرح الغائر في جسمه بعد محاولة اغتياله من قبل ارهابي متوحش امي لم يقرأ اياً من رواياته بدعوى التكفير .وسيعرف ايضاً لماذا اغتيل في الازمنة الغابرة المتصوف والمفكر الكبير (الحلاج) بشكل بشع ، والشاعر (بشار بن برد) ، والكاتب (ابن المقفع) واغلب الفلاسفة وفكر المعتزلة واخوان الصفا. ان هذا الفكر الجهنمي العدمي القادم من دهاليز ابن تيمية مازال يتصدر الواجهة ويتحكم بالارضية الفكرية لكل التنظيمات الارهابية التي لاتتوانى عن قتل البشرية جمعاء لهدف عدمي وعبثي مستقر في عقولهم المريضة.اما (ابن رشد) العظيم فقد شكل في زمنه بارقة امل تجتاز عصره بعقود لكن الوأد والحرق كان نصيب فكره وكتبه وادخل السجن بذريعة ان من تمنطق تزندق مايعني ان التفكير العقلاني التجديدي حورب منذ ذلك الزمان ومازال يقمع ويكمم ويكفر في ايامنا هذه فما اشبه اليوم بالبارحة .ان حواضن الارهاب ومصادر فكره وزاده المعرفي مازال باقياً ، بل ويدرس في المؤسسات التعليمية دون ان نشعر ، وهذا مكمن الخطر .ولعلنا لانعدم الامثلة فهي كثيرة بقدر ماتطرح علينا من افكار وبرامج وخطابات نارية ، ودروس تلقينية وعظية وبرامج تلفزيونية واذاعية تزكي الطائفة على حساب الدين وتزكي الدين الواحد على حساب كل الاديان الاخرى ، وتلجأ الى انتقائية الاستفادة من التراث وتجارب الماضي ،

بل ان الكثير من دعاة الاسلام السياسي يلجأ الى تحميل النصوص شروحاً وهوامش ورتوش وتأويلات بقدر حجم وفكر وتصور حزب بعينه ، مايعني ان نسخ الدين المصدرة الينا هي بقدر عدد الاحزاب المتلبسة بالدين . وحين يكون لهذه الاحزاب اجنحة عسكرية وقوة ضاربة فالامر يخرج من حوار الرأي الى حوار الرصاص والبنادق ، والمحصلة النهائية ان كل حزب يصادر الحقيقة ويزعم النطق بأسم الله ، ولعل شيوع موضة احزاب الله تعطينا مثالاً صارخاً على تكريس الالوهية لصالح حزب ومن ثم اختزالها في شخص واحد او رئيس حزب بعينه .واذا فهمنا ان كل حزب وفئة تبيح القتل والسلب والنهب والخطف بأسم الله سنعرف اي مأزق نحن فيه خاصةً ان كل حزب يملك عدداً وافراً من فقهاء الجهل والامية الفكرية يشكلون غطاء لأفعاله . وقد يسأل سائل وما المخرج :وهل الكتابة تكفي اذا كان الاخر مثل”الاطرش بالزفة”كما يقول العراقيون فهو لايسمع وان سمع فهو ينكر وان لم ينكر يتنكر ويتهجم ويحاول المناورة واختلاق وتلفيق ادلة واهية واوهى من بيت العنكبوت. ان الخروج من الازمة و إشعال شمعة في نهاية النفق لايكون الا بالتحاور والانسجام مع الحضارة الانسانية ، وتقمص الثقافة الحديثة والتربية المعاصرة بعيداً عن مزاعم التغريب والاصالة الكاذبة ، فالحضارة الحالية كانت ذات يوم في الشرق ولم يتوانى الغرب في اطلاق مشروع الاستشراق والاستفادة من كل التجليات الخظراء لحضارتنا التي مزجت في الحضارتين الرومانية واليوناية لتكون حصيلتها الحضارة الراهنة ، فما العيب ان نأخذ من الغرب كل اسباب التقدم والتطور والتنمية والفكر المعاصر ومنظومة حقوق الانسان والديموقراطية لتطعيمها بالمحطات المضيئة في تراثنا على امل النهوض من انتكاستنا الحضارية الحالية . لقد نجحت في ذلك تجارب كثيرة ابرزها التجارب اليابانية والصينية والكورية الجنوبية والماليزية والسنغافورية وغيرها فكانت النتيجة تقدماً مذهلاً في زمن قياسي وعلى طريقة حرق المراحل للوصول الى الهدف.

اما في اوطاننا فمازلنا نائمين على افكار هي جثث هادمة مثل تقديس النصوص والزعامات ، وعدم الاعتراف بتغيير الاحكام وفق تغير الظروف والاحوال ، ورفض الخروج من شرنقة الماضي ومقولاته البائسة ، ورفض كل جديد بأسم الدين . وذلك ادى الى تحنيط وتجميد افكارنا ومجتمعاتنا وجعل عقارب الساعة عندنا تدور الى الوراء . ان التحدي الكبير كما قلنا بالبداية ان نستنفر كل قوانا نحو الحداثة والتصالح مع العالم ومع الحضارة ، ومعانقة كل ابتكار تقني وفكري وتربوي وابداعي وحقوقي واجتماعي واقتصادي دون حجاب او نقاب ، وبخلاف ذلك علينا ان نتوقع ميلاد نسخة اخرى اكثر عدوانية و وحشية من داعش لان تربتنا مازالت صالحة لنمو هكذا افكار .

لا تعليقات

اترك رد