رويدة – قصة قصيرة


 

ضجرٌ ورتابةّ وعدمُ ورودِ جديد.. كانَ هذا حدسُها قبل أن تضغط زر الحاسوب لتدخل الى العالم الافتراضي. رفل ابنة السابعة والعشرون من العمرِ. مُتزوجة وأم لطفلين. تُشارك أَهلَ زوجِها كُل تفاصيل حياتِها حتى الخصوصية منها، التي كانت تنال من احترامها ولو بالشيء القليل حين كانت ابنة ببيت أبيها.
نافذة محادثة تنبثق من بين منشورات الفيس بوك. رسالة ترحيب وشُكر على قبول طلب الإضافة لقائمة الأصدقاء الافتراضيين.
– مرحباً.. شُكراً على الإضافة. رويدة.
تذيل نهاية الرسالة بهذا الاسم.
أكملت رفل غوصها بثنايا الوهم الرقمي كأنها تبحثُ عن ضالةٍ ما. أغلقت الحاسوب وكأنها تستأنف الضجر قائلةً:
– عن ماذا أبحث؟! عن الصدق، أم عن صديق، أو عن الحب مثلاً (هه)؟
ابتسمت بسخرية وأردفت قائلةً:
– نُعاشر أصدقاءً ليصبحوا أقرب من الأهل. وبموقفٍ ما نكتشف مدى غباء ثقتنا بالناس. وأنا أبحث في عالمٍ رقمي عن صديقٍ صدُوق.. اي جنون هذا؟!
واصلت التواصل الواقعي في بيت أهل الزوج الذي كان يضيقُ عليها كلما رأت سبابة التقصير والتنكيل تتجه نحوها وكأنَّ لا أحد في البيت يقوم بأعمالهِ غيرها.
في يومٍ ما وكأن القدر أبى إلّا أنْ يتركَ المعتاد من الأمور في حياة الفتاة، ليدخل أهل زوجِها وأهلها في شجارٍ كبير، لسببٍ ما.. وتضيع هي ضحية طرفين كلٌ منهما يُلقي اللائمة عليها. وهي ما بين نارين: إنْ وقفتْ مع زوجها فكفَّة الأهل قد خفَّتْ، وإنْ وقفتْ مع أهلِها فكفَّة زوجِها وأهلهِ قد تنفيها.
حين رجَّحَتْ كفَّة زوجها لاقتناعها بأنَّ الحق معه، ضاقت الأرضُ عليها بما رحُبت حين انقلب الكلُ عدواً كاسراً لها حتى الذين اختارتهم.
انزوتْ بين شجرتين صغيرتين عند زاوية حديقة المنزل تُناجي من يُكلمُها أو يفهمها أو حتى يسمعها.
بعد وحدةٍ بين الأهل وبعد بُكاءٍ مرير تناولتْ هاتفها الذكي بين كفيها لعلَّها تُبصر مهرباً من واقعها المرير.
إشعار ينزلُ من أعلى الشاشة يعلن عن كلماتٍ تملأ مُحادثةً ما:
– مرحباً. كيف حالُكِ؟ أردتُ الاطمئنان عليكِ. فَغيابُكِ ملحوظ منذُ مدة عن (الفيس بوك). أتمنى أنْ تكوني بخير.. رويدة.
شعرتْ رفل بأنها بحاجة إلى أن تتكلم مع أحد حتى وإنْ كانت رويدة، التي لا ترتجي منها صداقة حقيقية كما هم الأغلب في حياتها.
– أهلاً رويدة. أنا هُنا. غبتُ لأنني متعبة، ولدي من المشاكل ما يكفي لسد شهية طفلٍ للحياة.
– ما بكِ؟ لما كل هذا التشاؤم؟ هل استطيع مساعدتك ولو بكلمة؟؟
– لا أعتقد يا عزيزتي. فلقد سمعتُ، الذي لا يخطرُ على بالكِ من وعود وكلام جميل، لم يفِ بهِ الذين طالهم عطاؤنا ووقتنا. هل ستقولين شيئاً يقلب الميزان؟! لا أعتقد ذلك. لكن إنْ أردتِ أنْ تترُكي ذكرى جميلة لمن لا ثقة لديها بكل شيء، فاسمعيني.
وراحت رويدة تسمعُ شكوى رفل إلى يومنا هذا.

شارك
المقال السابقجارية بلا قيود
المقال التالىسهرة بغدادية

هند العميد: خريجة بكلوريوس هندسة صيانة وبرمجة حاسبات.مُقدمة برامج ومذيعة أخبارسياسية سابقة،
عملت في قناة السومرية الفضائية وقناة العراقية الفضائية وقناة المسار الفضائية وراديو نوى/ القسم العربي
من مؤلفاتها: رواية فرح، كتاب شعر ونصوص (رسائل امرأة ثلاثينية) ومجموعة قصصية تحمل عنوان (الب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد