ايقظته تكات مطر


 

ذات مساء ممطر ايقظته تكتكة قطرات مطر على زجاجة النافذة المطلة على حديقة غناء .. بعد ان حاول الاطباء جاهدين وكانت كل محاولة تبوء بالفشل .. واخيرا استسلموا للقدر كتب على الطبلة خاصته( كوما) اي غيبوبة..

دخل في غيبوبة حال وصوله الى المشفى العسكري بعد ان فقد الكثير من دمه ، مع اصابة في رأسه افقدته الوعي، وعدة كسور في اضلعه وساقه التي بترت اثر لغم لم ينتبه لوجوده في الطريق حينها كان يحمل صديقه الجريح الذي انقذه .. ربما أراد له القدر ان يحيا .. التفت يمينا وشمالا لم يجد بجانبه سوى بضع علب دواء وقليل من الماء ووردة بيضاء برية ذَبلت حوافها…

منذ سنين وهو يصرخ : أين انا.. لا يقوى على النهوض .. حاول عبثا أغمض عينيه ثانية حاول ان يتذكر ..!انه يوم اجازته… الذي كان ينتظره بلهفة منذ اسابيع ليلتقي بتلك الحبيبة المجنونة التي لطالما كانت كل عائلته… تذكر بانه حاول الاستحمام خلسة حيث كان يلتزم بواجب وعليه ان يبقى مستيقظا … إلا انه اتفق ورفيقه ان يحل محله ليهيء نفسه للقاء حبيبته .. حلق ذقنه مطالعا بقايا مرآة وكان يدندن باغنية احبتها ، كان فرحا رغم القذائف وصفارات الانذار لكنه كان بعيدا عنهم ، تخيل نفسه وكانه في غرفة استحمام في فندق خمس نجوم… رغم ان الماء لم يكن نظيفا .. لا يهم .. يخاطب نفسه : دلوا واحدا يكفي لاتخلص من رائحة الموت هنا ورائحة البارود.. لا بأس والا كيف ساعانقها…؟ استحم وارتدى بزته العسكرية التي باتت كجلد حيوان تم سلخة قبل قليل… خمسة دقائق واخرج من الساتر تهيأ للخروج كانت الساعة الثالثة فجرا ويبدو كل شىء هادئا عليه ان يلتحق بقطار السابعة بعد ان يقطع مسافة بضع كيلو مترات للوصول الى الطريق العام… وبلحظة لم يتوقعها ولم تك بالبال ولا اعرف من اين اتى بهذه الثقة العمياء .. باغتهم العدو …عدو بالنسبة لهم… لكنه قد يكون صديقا لكاتبة السطور وسواها… ممكن ان يكون عدوك صديقي والعكس صحيح .. حاول ان يختبىء ويسير خلف السواتر باتجاه القطعات الخلفية .. كانت السماء تمطر قنابل تتراقص جوا وتسقط خلبا.. وما بين خطوة وجثة يدعو ربه ان يصل الى الطريق العام بسلام.. كانت السماء تصرخ برقا وتتعالى اصوات الحشود ما بين جريح يئن وضابط يأمر جنوده بالانسحاب ودوي المدافع .. كيف ساكمل الطريق والعدو يمتلك تلك القوة الجبارة ..هل سانجو يا الهي .. حاول ان يسرع خطواته باقدام ترتجف من هول الهجوم وما شاهده من انصاف الجثث المتناثرة هنا وهناك وعشرات الافكار التي راودته اثناء مسيرته المظلمة كانها مائة عام .. لم يبق الا القليل ليصل الى الطريق العام وفي خضم كل ما يدور في رأسه من خوف وارتباك ولهفة وشوق سمع احدهم يطلب الاغاثة فركض مسرعا اليه، تردد في ان يحمله وهو في عجلة من امره وبأنتظار ذاك القطار الذي يتاخر كعادته … لم تكن مواعيده دقيقة كما هو الزمن يتأخر علينا باشياء نتوق لها وحين تاتي تذهب رغبتنا بها وكاننا لم ننتظرها يوما.. تركه راكضا والتفت الى الوراء وبكى حينها … انسانيتي تحتم علي انقاذه… حمله على كتفه ولحسن حظه كان ليس ثقيلا …

وقرابة المستوصف العسكري سقطت قنبلة … لم يعي بعدها ماذا حصل .. هذا كل ما اتذكره الان… يخاطب نفسه..في اي يوم نحن..؟ في اي سنة؟ اين انا…؟ لم تسعفه ذاكرته وعاد للنوم بعد ان زغللت عيناه … لم يرى النور …منذ متى ياترى…؟ بعد سويعات استيقظ على وقع اقدام الممرضة التي كانت تعنى به هي الاخرى كانت تدندن وكلما التفتت اليه تنهمر دموعها.. أمسك بيدها حيث كانت تبدل له الشراشف.. من انت..؟ صرخت … افزعتني انا .. انا… حمدا لله على سلامتك –

– من انت ولُمَ انا هنا في اي يوم واي سنه …؟ وهذه الزهرة البيضاء …؟!

– انت هنا منذ عشرين عاما…

-عشرون عاما…؟ !حقا ؟؟ ركضت وكأن الغرفة تدور بها لم تصدق صحوته يوما .. نذرت نفسها له…ساخبر الطبيب حالا، ذهبت مسرعة والفرح يملأ قلبها .. تعثرت قدماها بحافة السرير وجرحت… لا يهم … لا يهم.. المهم انك عدت للحياة ، خرجت والدموع تنهمر من تلك العينين العسليتين التي ذبُلت … انتظار… حمدا لله على سلامتك انتظرتك كثيرا كثيرا تخاطب نفسها بنيت آمالا.. هل نسيتني..؟ هل ما زلت تتذكرني .. ام ملامح وجهي لم تعد كما هي …؟ هل خدعتك تلك الملامح …!ايعقل ان لا تعرفني حقا وان تغيرت ملامحي وهل ينسى الحبيب ملامح من أحب …!ماذا يخبرك قلبك عني… هل تقاعدت لهفتك …!

حضر الطبيب ومساعده وهي تنظر اليه من بعيد وتذكرت الماضي وجميله وحقول القمح وكيف كانت تتدحرج بين احضانه وكيف كانت تختبىء حين يراها احد من اهل القرية …!!كان جسدها حاضرا لكن روحها وفكرها كان هناك بانتظار القطار الذي سيقل حبيبها… بعد ان تاكد الطبيب من سلامته طلب باجراء بعض الفحوصات اللازمة ليخرج متعافيا… حمد لله على سلامتك انت محظوظ شكرا لله وتلك المرأة التي لم تبرح هذه الغرفة منذ سنين وخرج مبتسما… ماذا يقول ؟ من هي تلك المرأة…؟ نظر اليها متسائلا مستغربا ..من انت. .؟

– أنا … أنا هي تلك الحبيبة التي كانت بانتظارك عند محطة القطار .. هل تذكرتني الان ..؟؟

نظر اليها وكانه يتفحصها لاول مرة.. ماذا تقولين .. نعم انا هي ما زلت انتظر.. تهلل وجهه فرحا .. اعطني مرآة لارى وجهي… نظر الى المرآة مستغربا من هذا أنا… انهمرت الدموع من عينه وامسك بيدها وقبلها الف قبلة وقبلة… يبدو ان الزمن كان عادلا حين تقاسمنا تلك التجاعيد… نهض من فراشه مسكت يده… اتكأ على كَتفي حبيبي.. سافعل حبيبتي … آه منذ عقدين لم اسمع هذه الكلمة قلها ثانية املأ الغرفة صداها خطوة خطوتين ثلاثة … لم اعد اقوى على المشي ربما احتاج لوقت لكي اقف ونسير معا… ماذا قلت … وقت لنسير معا ..!كنا معا وما زلنا معا تتبسم تارة واخرى تنهمر دموعها شكرا للرب الذي اعادك لي… لم يبق لي في هذا العالم سواك قتلوا امي وابي في غارة اثناء الحرب.. كنا واخي خلف التلة اختبأنا حينها و لا نعرف الى اين نذهب … مكثنا في الدير سنوات وتعلمت التمريض هناك حاولت العمل في احدى المستوصفات العسكرية لعلني أعثر عليك حين يئست من عودتك وانتظار طويل وخيبة امل لم تكن بالحسبان.. سلمت أمري للرب، كنا نسعف الجرحى كنت ابتسم واركض مسرعة

حين ارى سيارات الاسعاف تاتي واكلم نفسي رغم يأسي علني أجده بينهم كانت تختلط مشاعري بين ألم وفرح.. أتألم لما يصيب هؤلاء الشباب من مأساة وما ذنبهم كيف يموتون وتموت أحلامهم … ومن الرابح الأكبر في هذه الحروب اللعينة ، وما تنهال علينا من مآس كبيرة، كان الليل طويلا جدا نصحو وننام بغفوة حتى الفوانيس اعيت.. دعك من هذا الكلام ساجلب لك بعض الطعام لتاكل وتنام … سنتكلم كثيرا عانقته عناق عشرون عاما وقبلة والف خيبة… وتنهدت آااااه أشتاق لك عادت ولم تجده ..

ربما لم يستوعب كيف ضاع العمر والدمار الذي لحق به وتذكر الاحداث المأساوية حينها وكيف يقتل ويذبح رفاقه في ساحة القتال ومن اجل من تقتل الالاف …هل هناك قضية… ماذا سيتذكر الاولاد الصغار وكم من امرأة ترملت وكم من اطفال تيتم …!حقا لنا مستقبل زاهر يضج بالمنحرفين … وتلك الخنادق والبرد القارس ووجبة طعام بائس واصحاب القرار ينعمون بما لذ وطاب وحرب خرج منها بساق واحدة وعكاز… وسنوات ضاعت .. وفقدان الأحبة والعوائل وتجاعيد الزمن التي جعلتهم لا يميزون حتى الحبيبات اللواتي كن في يوما ما .. هن الامل في الحياة…

كلها كانت بأمر تجار الحروب ..

لا تعليقات

اترك رد