هل تعد مبادرة ماكرون تسوية للأزمة الليبية أم منطلقا للتقسيم الفعلي لليبيا ؟


 

لاشك أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون نجح عمليا في استضاف طرفي الصراع في ليبيا لاجراء محادثات , حيث جمع بين الخصمين الكبيرين في ليبيا , وهما الجينرال خليفة حفتر , الذي يسيطر على جزء كبير من شرق ليبيا وعاصمته بنغازي وعلى أهم الموانئ النفطية , ورئيس الوزراء المعترف به أمميا فايز السراج والذي تسيطر قواته على العاصمة الليبية طرابلس وعلى غرب البلاد , والذي حققت انتصارا على ” تنظيم الدولة الاسلامية ” في مدينة سرت . وها قد حققت هذه المبادرة اتفاقا مشروطا لوقف اطلاق النار بين قوات الطرفين ولاجراء انتخابات في ربيع العام المقبل . وبالتالي تمخضت عن ذلك , عقد مصالحة بين الطرفين واتفاق يعطي الأولوية للحل السياسي . فما هي حسابات الرئيس الفرنسي من وراء هذه المبادرة ؟ هل يبحث عن دور قيادي لفرنسا في ليبيا أم عن نصيبه من ” الكعكة ” ؟ بمعنى هل لماكرون حسابات أخرى غير عقد المصالحة بين الليبيين وهي كعكة الاستفادة من البترول الليبي ومن صفقات اعادة اعمار ليبيا ؟ وهل ننتظر في الأيام القادمة بداية الخارطة الراهنة وانطلاق التقسيم الفعلي لهذا البلد؟

من الثابت أن الرئيس الفرنسي ماكرون يسعى الى لعب دور بعد سنوات من انخراط محدود لفرنسا في ليبيا , ففتح الاليزية لاستضافة أطراف النزاع في هذا البلد , وعليها أن تعود من جديد , خاصة وانها لعبت أدوارا بارزة خلال ” الثورة الليبية ” ومنذ بدأ الأحداث في بنغازي , حيث كانت حاضرة وبقوة في عهد ” ساركوزي ” من خلال الدور الكبير في حصول أغلبية مجلس الأمن لقرار 1970 , وفي القيام بالضربات الأولى على ليبيا واعترافها الرسمي كأول دولة بالمجلس الانتقالي . ورغم تراجع دورها مع الرئيس السابق “هولاند” ,

الا أنه وقع احياء الملف الليبي من طرف الرئيس الجديد “ماكرون ” وادخال حيوية خاصة لا تخلومن انتهازية والقفز على شركائه الكبار , الذين كشف أهدافهم الحقيقية الوزير الخارجية الفرنسي السابق “آلان جوبيه” في تصريح لجريدة “لوباريزيان ” حين أعترف بأن الدوافع الحقيقية للتدخل بقوة في ليبيا لهذه الدول , ليست لنصرة المعارضة واسقاط نظام القذافي التي تعاملت معه طيلة عقود , بل طمعا في اقتسام ثروات ليبيا والتموقع لنيل حصة الأسد من النفط الليبي , باعتبار أن الثروات الليبية تمثل متنفسا للبلدان الأوروبية في ظل الأزمة الخانقة والركود الاقتصادي الكبير الذي يهددها , لهذا أغلب الشركات النفطية الأوروبية تحاول الفوز بأكبر عدد من صفقات التنقيب عن النفط , وبالخصوص التنافس الشديد بين مجمع “ايني” الايطالي ومجمع “توتال” الفرنسي , حيث يسعى كل منهما الى الفوز بموقع أكبر في صفقات النفط واعادة الاعمار .

لهذا أعربت ايطاليا عن استيائها لهذه المبادرة الفرنسية وعدم استشارة روما بشأنها , التي كانت حتى الأمس القريب تعتبر نفسها المنسق الرئيسي للجهود الدبلوماسية الأوروبية والولايات المتحدة في الملف الليبي , وذلك يعود جزئيا الى ماضيها الاستعماري في ليبيا والى مصالحها النفطية الحالية الكبيرة , فضلا عن كونها الأقرب جغرافيا الى ليبيا وما تعانيه من الهجرة الآتية من هذا البلد الى شواطئها . فهل انطلقت بينها الحرب الاقتصادية على ليبيا والتنافس على كعكة صفقات اعادة الاعمار ؟؟

لاغرو في ذلك , أن ايطاليا اليوم وقع خطف الورقة الليبية من يدها بعد الوساطة الفرنسية , وباتت غير قادرة على ادارة الملف الليبي كما كانت تديره سابقا . لكن السؤال الذي يطرح نفسه , هل ستنجح هذه المبادرة وخاصة أنه يوجد الكثير من الوسطاء والكثير من المبادرات في هذا الملف ؟؟ . من المؤكد أن هناك لاعبين آخرين ونجاح هذه المبادرة مرهونة بعوامل واعتبارات عدة , وما اشارة السراج على أن هذا الاتفاق مطروح للنقاش والتفاوض مع باقي الأطراف العملية السياسية في ليبيا , الا دليل على وجود أطراف أخرى تجسد النفوذ السياسي التركي والايطالي العسكري والأمني وكذلك النفوذ القطري المعنوي والمالي , قد يكون بيدها مفتاح تسهيل أو عرقلة هذا الاتفاق !!! . لكن أين واشنطن من كل هذا ؟؟؟

لا يخفى على أحد اليوم, أن الأيام القليلة الماضية حملت مؤشرات على موقف ترامب, الذي يبدو أنه تراجع بعدما أكد في الماضي أن الولايات المتحدة طوت الصفحة الأمريكية في ليبيا عقب رحيل أوباما , وأدرك أخيرا الأهمية الحاسمة لليبيا في الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي , وعلى حلفائها في جنوب البحر المتوسط ! . لذا يبدو أن الادارة الجديدة تدرس في وضع خطة لسياسة جديدة في ليبيا , تقتضي توسيع التواجد الأمريكي في ليبيا ودعم المصالحة بين الفصائل المتنازعة في الشرق والغرب , ورفع مستوى انخراطها الدبلوماسي والعسكري في هذا البلد . وبالتالي من السذاجة أن يكون تحرك الرئيس الفرنسي ماكرون , لا يقف وراءه أمريكا , بل من المؤكد أن هذه المبادرة تحظى بدعم أمريكي وحتى روسي , وهذا من شأنه أن يخلط كل الأوراق المحلية والاقليمية والدولية , وخاصة من عزل الجزائر وحرمانها من أوراقها السياسية بوصفها لاعبا أساسيا في المنطقة , دون أن ننسى اقصاء الاتحاد الافريقي وايطاليا وكل الأطراف الأخرى المعنية بالأزمة الليبية , بما فيها تونس ! فهل فعلا تسعى فرنسا من أجل التسوية واحلال السلام في المنطقة , أم ستكرر نفس الأخطاء الماضي وتخفي هذه المبادرة لعبة الكبار في تحديد مصير ليبيا ؟

وهل الأوضاع في ليبيا مهيأة لاجراء انتخابات مع انتشار المليشيات في المدن وفوضى السلاح , قد تتحول الحملات الانتخابية فيها الى كارثة ؟؟؟وهل المجلس الرئاسي , في وضعه الراهن , قادر على فرض هيبته على الجماعات المسلحة ,وهو الذي لا يسيطر الا على جزء ضئيل من العاصمة ؟ كما أن العمق الجنوبي خارج سيطرة الدولة ويعد مصدرا لأخطار قد تحبط المسار الانتخابي نفسه , لاسيما أن الحدود الليبية مع كل من الجزائر وتونس غير مضمونة , بالاضافة لحدود كل من النيجر وتشاد والسودان , والخشية من أن يقع اعادة تنظيم صفوف “الدواعش ” الذين نعم , انهزموا في سرت لكن لا يعني وقع القضاء عليهم , بل حسب بعض التقارير , أن هؤلاء شكلوا خلايا نائمة لتنفيذ اعتداءات دموية أو يخططون لاعادة تنظيم صفوفهم , خاصة في المناطق الصحراوية الشاسعة والمهمة , حيث تغيب سلطة الدولة , وبالتالي هل يمكن ضمان الانتخابات في ظل هذه الجماعات التي تعتبرها كفرا ؟ سيقع حتما احباطها !!! .

لا تخلو هذه المبادرة الفرنسية من صعوبات بالنظر الى الوضع الليبي المعقد والفوضى التي تسود البلاد , وسط تنازع السلطة وضمن مشهدا متفجرا جدا على الصعيد السياسي والعسكري , فضلا عن فتحها لصدع أوروبي بين باريس وروما ورفضها من طرف اخوان ليبيا , باعتبارهم ستقصيهم من المشهد وتنسف كل ما عملوا على ترسيخه منذ 2011 وبالتالي من السذاجة ان نتصور نجاح هذه المبادرة في ظل تعدد اللاعبين والمتصارعين بين القوى الكبرى على الأرض والموقع والنفط ! ربما هي بداية للتقسيم الفعلي لليبيا ولتغييرات سريعة في المنطقة تحت راية مكافحة الارهاب , خاصة وأن تنظيم داعش المطرود من العراق وسوريا يعيد التجمع في ليبيا !!!.

لا تعليقات

اترك رد