همسات الشمس والقمر


 

حين تكون الشمس عاشقة تتغنج بظفائرها الذهبية تغازل القمر .. سنكون أمام علاقة كونية خارج اطر المتعارف .. علينا أن نطلق أعنّة الخيال ونبحر في اللامعقول حتى ترسو عوالم خيالاتنا في تلك العلاقة المجنونة في العشق، حيث يتقاسم العاشق والمعشوق يوم واحد، تشرق المعشوقة في نهارها وعند الأفول يسطع القمر عاشقا ثملا بين نجومه، وهكذا سيرة العاشقيّن بأرواحهمالمتصوفة وعبثهما الطفولي عبر جدلية الكون.

وقفت الشمس عند حدود الغسق ترسل للقمر رسائل عشق تدعو للقاء بينهما، يفيض حبا ويتعاشق روحا .. حينها وقف القمر حائرا يحدث روحه .. اذا ذهبت اليها سوف تلغي وجودي وحضوري .. فشعاع نورها الذهبي الساطع يخفي شعاعي الفضي الذي أرسله في الليل الحالك الظلام ..عادت الشمس تنادي القمر ..أنا هنا أنتظرك في وقت الغسق .حيث ألملم جدائلي الذهبية استعدادا لارسالها الى مكان آخر يشرق فيه يوم جديد .وها أنت تستعد لارسال نورك الفضي .إننا في منطقة محايدة .استمع القمر للشمس ووجد في حديثها مايسر القلب ويفرحه .ذهب إليها مسرعا وهو يتحرق شوق اللقاء .. جلسا على حافة الغسق عاشقين جميلين يمتزج نورهما ليشعان نورا ملونا بكل ألوان الطيف والشفق والغسق رسما لوحة ساحرة الجمال .تحشرج القمر خجلا ومندهشا من جمال الشمس حبيبته البعيدة .وجمال قلبها الدافىء الذي يعكس على وجهها جمالا يلغي جمال الوجه الخارجي ليظهر جمالا ثابتا دائما في القلب والروح.

سألها من أنت ؟
أجابت :أنا الشمس حاضنة الأرض أنا نورها ونهارها ..انا سبب عيش البشر على سطحها .. أنا من يدق نوافذ البشر في الصباح لينهضوا إلى أعمالهم يسعون للرزق وموارد العيش .. أنا من يصبغ زنود الفلاحين بسمرة الأرض وأنضح من جباههم قطرات العرق المحملة بالجهد والتعب لتمتزج بتراب الأرض كي تنبت مكان كل قطرة عرق شجرة باسقة وارفة الاوراق والعطاء تصنع الظل لتلك الجباه .. والزنود السمراء .. أنا من تلوّن وجوه الصبايا اللواتي يخفن حرارتي في الصيف .ألونه بلون الورود الجورية .. ويهربون من حرارتي خوفا من تحول الوردي إلى الأسمر .. ويهرعون لي في الشتاء ..هاربين من البرد طلبا للدفء والنور .. أنا من أستمع وأراقب وأشاهد .أبناء النور والظلمة من البشر على وجه الأرض أسمعهم ،أراهم ،أعرف كل حكاياتهم وقصصهم في النهار ،سواء كانت في الظل او النور ، تحت السقوف أم خارجها ..الشاعر يتغزل بجدائلي الذهبية ونورها في الصباح والمساء وأول شعرة من جدائلي توقظ الديك بصياح مغرور ..وتنبه الفلاح والعامل لبدء يوم جديد في رحلة الكد والعناء.
أما من يسدلون الستائر الفاخرة على نوافذهم .ويغلقون نوافذهم لحجب اشعتي .. أستطيع أن أخترق افكارهم وأحلامهم وهم في النوم غارقين من ترف السهر وعربدة الليل وأوراحهم القلقة ،وصخب قلوبهم اللاهادئة .. ومن جعلت الثروة منهم بشرأ لايفتحون نوافذهم كي لا يعرفوا آلام وقصص المعذبين والمشردين والفقراء.
حين ذاك قاطعها القمر .. ألم تلاحظي أنك تكلمت كثيرا وأنا أصغي إليك ولم تهتمي لوجودي .
قالت :أنت حبيبي وصديقي وخزنة أسراري وآمالي وآلامي لا أبوح لغيرك بك في الكون الواسع المليئة بالنجوم والاقمار .والآن حان وقت رحيلي لتحل محلي وفي الغد ألقاك في نفس المكان والموعد ..لتحدثني عنك وعن أسرارك ..فنحن عاشقان ..يتبادلان كل الأشياء.. وانت سوف تحدثني عن نفسك وعن حكايات الناس في ليالي الصيف والشتاء.. وعلى موعد آخر التقيا وقتا قصيرا من الزمن .. تيقنت أن الأوقات الجميلة قصيرة الامد .. هي هنيهات الزمن والمسافة بين بداية الليل ونهاية النهار ..ابتسمت الشس للقمر ابتسامة عريضة .. يدق قلبها فرحا للقاء وحزنا على وقتهما القصير.
قال القمر: لاتحزني فاللقاءات القصيرة السعيدة أجمل من لقاء طويل لايترك للشوق مكان. ابتسمت ابتسامة الرضا وتابعت .. هيا حدثني عنك.
قال:أنا القمر رفيق العشاق وسميرهم في لياليهم الطويلة ..أسمع تنهداتهم وأحس باشواقهم وحنينيهم ، من كانا بعيدين وفي القرب اسمع وشوشاتهم وهمساتهم بالحب والعشق، حين تتأجج في قلوبهم نشوة وفرح .. أنا من أضيء عتمة الليل الحالكة وأجعل منها ليلا جميلا هادئا لطيفا خاصة على هؤلاء المشردين والبؤساء .. الذين يفترشون الارض ويتوسدون حجرا وعيونهم تنظر إلى نوافذ من ينامون على أسرة مريحة ودافئة ويمارسون طقوس الحب والغرام ويحلمون بأحلام وردية، وهؤلاء البؤساء تراهم عيون وكأن لا تراهم، قد يحقدون عليهم .. وقد لا يحسون لانهم فقدوا أشياء كثيرة في تكونيهم البشري كأحاسيسهم .. قلوبهم تحولت مضخة دم فقط للبقاء في الحياة .. آذانهم لاتسمع سوى صوت المدافع والقذائف واالانفجارات .. أنوفهم لا تشم إلا رائحة ضحايا الحروب والحرائق والقمامة في كل مكان.
قاطعته الشمس :كنت سأسالك عن أبنائي فكانت إجابتك قبل السؤال أحزنت قلبي عليهم وأنا أعرف عنهم كل ذلك، ولكن كنت أظن أن ليلهم قد يكون أكثر هدوءا وراحة من النهار التي أراهم فيه وأتألم عليهم.
قال القمر :إنها الحرب ياحبيبتي لا الليل ليل وولا النهار إنها آلة تفرم وتخلط كل الاشياء وتعيد صناعة الإنسان.
قالت الشمس :ها أنت نسيت نفسك ولم تحدثني عن مشاعرك وحبك كعاشق واسترسلت في الحديث عن أولئك المعذبون وكنت سأخصص لقاءنا الآخر لهذه النمنمات عن الآلام.التي يعيشها أبناء النور والظلمة أيضا
قال القمر :أنت أيضا بدأت بأحاديث الروح عنك وانتقلت للحديث عن هموم البشر وأنواعهم. قالت:الحب ياحبيبي بين قلبينا .. اذا جعلنا ننسى أبناءنا وإخوتنا ومعاناتهم.
كيف يكون حب صدوق؟؟؟؟.

شارك
المقال السابقالأمن الغذائي ألمفقود في بلدنا
المقال التالىهسيس وجد / تجلى القلب
سناء نصر مواليد 1970اخريجة كلية التربية مدرسة في التعليم الاساسي ، تقيم في سورية .. كانت كتابات محدودة محلية كتبت عن الطبيعة والوطن والمرأة ومحاولات في كتابة مسرحيات للأطفال ضمن إطار العمل والدراسة ..لها هوايات في كتابة الشعر نشرت بعضها ،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد