هذيان بنكهة الياسمين


 
(اللوحة للفنان كمال أبو حلاوة)

أشكر الله لأنّه خلق الزّهور بأنواعها، كي تكون منبعًا تتدفّق منه الأحاسيس والذّكريات. قد تكون برعمًا لكنها رغم صغر حجمها، تأخذك إلى حيث لا تدري، تصل بك إلى حيث انتعاش الرّوح، بعد أن تكون طويّة روح مضت في مفكّرة صغيرة، حلّ ما حلّ بها، تبحث بين صفحاتها عن كلمات تعيدك إلى زمان يرفض إلاّ أن يعود عابرًا للزمان، الجبال، الوديان، كلّ المسافات”.

وأشكر الله الذي خلق لنا الرّوح التي تتحسّس الجمال وبوح الياسمين وعبقه، فتحلّق بنا الأرواح إلى فضاءات بعيدة، إلى مجرّات لم نكن نحلم بها، هناك حيث يمكن أن تتلاقى مجرّتان تحملان روحين، تشدّهما إلى ياسمينة قمريّة، إلى ظلال واحة بالقرب من شاطئ مهجور، ينيره قمر ليلي، فتخرج حوريّات البحر يرقصن على نيران مشتعلة، وقودها القارب الذي حمل الغريب إلى الواحة، فقاتل أمراءها ليفوز بقلب المليكة التي رحلت. وحرق مركبه، ولم يعد يجيد السّفر في أعالي البحار،لم يعد يرى أنّ بإمكانه أن يبحر إلى واحات أخرى.

عاد الهذيان يسيل جارفًا في طريقه كلّ السّدود والحواجز، يأتي بكلّ الجنون المتراكم في صفحات الزّمان، يفجّر البراكين دفعة واحدة، فتزلزل القلوب زلزالها. هو القدر ما زال يلعب لعبته، جنونه.. فيجن بنا؛ الماضي الذي ينبثق فجأة بعد أن كان قد استقرّ في تلافيف الذّاكرة ولم يغادرها، فكيف لبرعم الياسمين النّاعم أن يحافظ على رونقه وعبيره، يبوح بالشّذى من جديد، فأعود أهتف لروحي، أستعيد ذكرى وذاكرة، عصفورة تقف في نافذتها وحيدة، ترقب الدّرب تبحث عيناها عن الهوى.

الخامسة مساء من كلّ يوم، تتسلّل نفحات الهوى، طفل يقدّم لطفلته باقات ياسمين، هواء طلق يعصف بنا، جنون اللحظة، جمالها، ماضٍ يتسلّل عبر الزّمان، وحين همس لي الهدهد أنّ مليكة سبأ في جزيرة في قلب نجمة من الكون، فتّشتها ورقة ورقة، شجرة شجرة، عبثت بكلّ الصنوبرات، نزعت لحاءها، بحثت في أزهار كلّ الياسمينات المتعربشة على جدران الدّروب، لم أعثر على صاحبة العرش، لأنّ الهدهد أحمق والعجوز ذا النّظارة السّميكة الذي كان يراقبنا من النّافذة.. وقد كنّا نختبئ وراء الجدران باحثين عن الهوى. بحثت عنك كثيرًا عبر رحلة الزّمان والمكان، ربّما كان جنونًا، من يدري لماذا يصرّ مجنون أن يبحث في تلافيف الذّاكرة وثناياها، لماذا يعود للمكان الذي كان يعلم أنّه لن يجد فيه ما كان، ويعود يرقب نافذة كانت ولم تعد كما كانت، هجرتها العصافير ورحلت إلى المجهول.

ظَلّ الحلم والرّغبة في أن نلتقي ذات يوم تتعربش فيه الياسمينات على الجدران، وتتكوّم فيه الأزهار في الطّرقات.. لا تحرميني من همسات الياسمين وبوحه، ومن حروف تضيء ليل عاشق مجنون. كنتِ إلهام الياسمين، كما كُنت نسغ السّنديان، أبوح بهمّي في )يوميّات فنجان قهوة(، فأنقشها )حروفًا من سيمفونيّة ليل(، ليكن كلّ صباح يحمل لك الأجمل، مع إشراقة كلّ فجر، حين يبدأ ينـزع عن كتفيه عباءة الليل. براعم الورود تكبر وتتفتّح وتعبق شذى يبقى دومًا أجمل، هو العطر البكر على طبيعته، كما الماضي الذي يصرّ أن يعود ولو بشكل آخر، منبعثًا من مبسم نسرينة، من بوح ياسمينة.

إنّه الزّمان المختبئ في صفحات دفتر صغير، يفتح حروفه للشّمس، بعد أن ملّ الأسر والعتمة. إنّه الماضي المفقود يقفز في فضائي حروفًا وهمسات، كمشاعر طفلة بريئة لم تلوَّث بعد، رغم رحيل المليكة عن عرشها.. ماضٍ أبى المغادرة، بقي
ينتظر اللحظة/ تفتّح الزّنابق، فأصبح “نزفًا ليليًا” ينبعث من جديد. ”

* من كتاب أطياف متمردة للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات/ الأردن

شارك
المقال السابقهسيس وجد / تجلى القلب
المقال التالىلم الخوف منهم؟!
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد