شوارع وأسماء


 

لا ترتبط أسماء الشوارع بوظيفة إداريّة تخص توزيع الأماكن وتمييزها فقط ، وإنّما هي تسميات تحمل الكثير من القيم الروحيّة .تحفظ إرث شعب ما أو تذكّر برموزه أو انتصاراته أو انتمائه أو علاقاته بالبلدان وثيقة الصلة به… تتداخل كلّ تلك الوظائف . ولذلك تعدّ تلك التسميات معيارا يقول الكثير عن أيّ شعب بمجرّد قراءة أسماء شوارعه .

والتسميات ليست هامشا ،إنّها البصمة التي تُعطى للأرض ولتفاصيلها والتي قد ترافق وعينا وتؤثّر فيه ،وقد نقضي نحن ويبقى الاسم ليرافق أبناءنا وأحفادنا . فنادرا ما يتغيّر اسم شارع إلاّ لسبب وجيه . أسماء الشوارع إذن أطول عمرا منّا .
مرورنا بشارع ما ،إن كناّ نحسن التواصل مع الأمكنة، قد يجعل بعض الاسم يعلق بنا .لم يحصل مثلا وأن مررت بمكان يحمل اسم فلسطين دون أن يرنّالاسم في عقلي ويذكّرني بشئ ما من تلك الأرض ومن تلك القضية . فالأسماء لا يمكن أن تمرّ بردا وسلاما إن كنّا نحسن الالتفات إلى العالم وتفاصيله .لذلك تخيّرُ اسم الشارع محدّدٌ فيما سيتركه فينا من أثر أو ما يرسّخه من قيم أو يحيل عليه من وقائع التاريخ .

ذلك الدفق الشعوري الذي يصلنا من أسماء الأمكنة ليس واضحا دائما ، غائم الملامح أحيانا ،بلا معنى أحيانا أخرى .
في تونس العاصمة مثالا ، لا يسع من يزورها ولو لمرّة ألا ّ يدهش من تلك الخارطة العجيبة للأسماء.وقد التقى فيها ما لم يلتق من قبل . وما لم تسعه أرض….أسماء الشوارع والأنهج والساحات هناك يمكن أحيانا أن نفهم بعض المنطق الذي بنيت عليه. وأحيانا لا نفهم .
في تونس بعض الأسماء بلا مرجعية تاريخية ولا إحالة على زمن ما أومكانما . كأنها تُقال استشرافا للممكنات وتطلّعا للأفاق . من ذلك تسمية الشوارع والمناطق بأسماء من قبيل شارع الحرية ، حي النصر، حي الزهور،حيالتحرير، حي الانطلاقة .. تسميات تغرس الأمل وإن لم تملك بعض الأماكن من الاسم شيئا…مجموعة شوارع وأنهج أخرى تحمل أسماء بلدان عربية أومسلمة مثل نهج ليبيا ،نهج اليمن ، نهج سوريا ،نهج العراق،نهج فلسطين،نهج موريطانيا ، نهج إيران،نهج تركيا ،نهج غانا …وهذا طبيعي قياسا لانتماء تونس . أوتحمل أسماء بلدان أجنبية مثل نهج فرنسا ،نهج انغلترا ،نهج لندرة ،نهج اسبانيا ،نهج إيطاليا ..تسميات ليست غريبة أيضا عن تونس مع ما عرفت به دائما من سياسة انفتاح خاصّة في صلتها بأوروبا .

بعض الأسماء لا تنتسب للمكان والدول وإنما تنتسب إلى الرموز التاريخية أو السياسية . لذلك لا تخلو شوارع العاصمة من أسماء لزعماء سياسيين ونقابيين أسهموا في ترك أثر في تاريخها.لا تكاد العاصمة أو غيرها تخلو من شارع يحمل اسم الحبيب بورقيبة وفرحات حشاد ومحمد علي الحامي والهادي شاكر والمنجي سليم…. بعض الرموز التي حملتها أسماء الشوارع أحيانا أخرى تاريخية .تحمل اسم قادة وأعلام ومفكرين .يطالعنا اسم ابن خلدون يتصدر اسم نهج أوحيّ سكني معا .يطالعنا اسم عقبة ابن نافع …وحتى عبد القاهر الجرجاني الأديب والكاتب الذي وضع أسس النقد القديم يجد له موطئ قدم إذ يتخذ له اسم نهج صغير في أحد أحياء العاصمة .

أحيانا تكون الرموز عالمية . و قد يكون الرمز علميا .ساحة باستور مثالا .وقديكون سياسيا من الشرق والغرب.من الكتلة الاشتراكية والرأسمالية على حد سواء. وهنا تبدأ الغرابة. في تونس يطلق اسم لينين على أحد الأنهج . كما يطلق اسم جواهر لال نهرو وجوزيف بروز تيتو وأنديرا غاندي على أنهج أخرى .ليس بعيدا عنها يوجد نهج جمال عبد الناصر …كل هذا متجانس إلى حد كبير. ولكن بالتوازي مع نهج جمال عبد الناصر وفي قلب العاصمة وشريانها الحيوي،يطلق اسم شارل ديغول على أكبر شوارعها التجارية حيث تصطفّ المحلاّت من الجانبين ويصطفّ الباعة على الرصيف.شارع كبير بحركة دؤوب هي أضعاف مضاعفة لشارع جمال عبد الناصر الذي يوازيه حيث ينزوي ذلك الشارع الضيق في هدوء نسبيّ قياسا لنظيره العملاق . شارل ديغول لمن لا يعرف الاسم هو أحد قادة فرنسا العتاة وأحد رمزوها السياسييّن التاريخيّين وأحد قادتها العسكرييّن وأوّل رئيس في جمهوريتها الخامسة .وهو من كانت له صولات في تونس والجزائر خلال فترة الاحتلال … صولات مازال تاريخ الثورة الجزائريّة يذكر تفاصيلها وقد ضاقت السبل أمام شارل ديغول عندما استحكمت الثورة فإذا هو يخبط حينا هنا وحينا هناك أملا أن يقضي عليها قضاء ناعما .

ليس بعيدا عن هذا الشارع العتيد توجد منطقة لافيات (1) ذات التسمية الفرنسية .ونهج جون جوريس(2) ذي التسمية الفرنسية .وفي قلب المدينة العتيقة توجد منطقة منفلوري(3)، ذات التسمية الفرنسيّة أيضا .أسماء لرموز سياسيين وعسكريّين فرنسيين . بسطت حكوماتهم هيمنتها على تونس وفرضت عليها الاحتلال ومع ذلك بقي الاسم قائما .

ولا تخلو العاصمة من أسماء كثيرة أخرى بقيت بأسمائها الأجنبية مثل لاكانيا(4) أو باب بحر الذي مازال يعرف باسمه أكثر ممّا يعرف باسمه العربي. Port deFrance

يضيق المجال دون أن نأتي على كل تلك التسميات التي تشكل شوارع العاصمة وأنهجها.فهي كثيرة متنوّعة وإلى حد كبير متناقضة .ويعزى ذلك إلى الحكومات والأنظمة التي تداولت الحكم على تونس والتي اختلفت توجّهاتها وولاءاتها ورموزها وتحالفاتها وانعكس ذلك على شوارعها .كل هذا طبيعي ولا يخلو منه بلد في العالم. ولكن لا بد من التذكير أن تلك الأسماء محمّلة بدلالات وقيم وهوية وتاريخ ينبغي أن يُقرأ . ومحمّلة بقيم أثيرة إلى الوجدان اقتضت إطلاق تلك الأسماء على الشوارع والأمكنة ,
.أيّ رسائل ترسلها إذن مع ذلك الخليط الذي يُقرأ في كل اتّجاه والذي مازال اسم بعض رموز الاحتلال فيه تتصدّر قلب العاصمة .

1ـ Lafayette
2ـ jean Jaurès
3-Montfleury
4- La Cagne

لا تعليقات

اترك رد