الملاك “مروان” بين المطرقة والسندان


 

_ “رسول بابل”، أو “الصهر”، أو “جاسوس القرن”، أو “هاملاش”بالعبرية وتعنى “الملاك” بالعربية..
هكذا لقبوه فى إسرائيل.
_ ومنذ أيام طالعتنا الصحف العالمية والعربية بخبر شراء شركة “نيتفليكس” الأمريكية حقوق عرض فيلم “الملاك” الإسرائيلي قبل إنتاجه، فى سابقة لها هى الأولى من حيث شراءها حقوق العرض قبل الإنتاج، والذي تدور أحداثه حول قصة حياته،
_ هذا وقد لاقى خبر شراء تلك الشركة العملاقة لإنتاج الأفلام والمسلسلات حقوق الفيلم الإسرائيلي المقتبس عن كتاب “الملاك” الذى يتحدث عن حياته أيضاً احتفاءاً واهتماماً كبيرين في الأوساط الإعلامية والصحفية الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء، وقد بدأ تصويره في لندن وتبلغ تكلفة إنتاجه 12 مليون دولار،

_ أقدِر اندهاشك عزيزى القارئ بعد أن تعلم أن كل هذا القدر من الإهتمام والإحتفاء الإسرائيلى كان بالمِصرى”أشرف مروان” الذى ولد عام 1944 لأب ضابط بالجيش المصري، والذى تزوج من السيدة منى ابنة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والحاصل على بكالوريوس العلوم عام 1965. وتم تعيينه في المعامل المركزية للقوات المسلحة المصرية، ثم مساعداً لجمال عبد الناصر، ليصبح بعد رحيله في العام 1970 المستشار السياسي والأمني للرئيس الراحل أنور السادات، كما ترأس الهيئة العربية للتصنيع بين عامي 1974 و1979 ، والذى توجه إلى بريطانيا بعد تقاعده وتوفي هناك، في 27 يونيو 2007

_ أعلم عزيزى القارئ أنك تشعر بالحيرة أمام هذا الكم من التناقض.. فبينما يراه الإسرائيليون جاسوساً مخلصاً قدم لإسرائيل كنزاً من المعلومات..
_ نجد الواقع الرسمى والسياسى المصرى على الجانب الآخر يعامله كبطلٍ إستراتيجىٍ لعب دوراً إيجابياً وخطيراً فى واحدة من أخطر مراحل تاريخ مصر الحديث، فهل هو حقاً هكذا؟
_ مزيد من التفاصيل وبعدها ستتكشف أمامك الحقيقة،

_ “أشرف مروان هو أكثر الجواسيس المتفوقين للإستخبارات الإسرائيلية”..
كان هذا ما انتهت له ورشة استخباراتية في تل أبيب مؤخرا بعنوان “مروان .. كبير عملاء إسرائيل أم جاسوس للسادات”، وضمت عدداً من المسؤولين الأمنيين بتل أبيب، من بينهم إيلي دقل رئيس الشعبة الميدانية سابقاً بالمخابرات الحربية الإسرائيلية، وفقاً لموقع “نيوز وان” الإخباري العبري. ونقل الموقع عن “دقل” قوله خلال مشاركته بالورشة إن”مروان كان المساعد الأبرز للرئيس الأسبق أنور السادات، ما يثير تساؤلات: هل قال مروان كل ما يعرفه من معلومات لتل أبيب؟، والتي كان يمكن لرجل في مركزه أن يحصل عليها؟،
فعلى سبيل المثال لم يبلغ مروان شيئا لإستخبارات تل أبيب العسكرية عن معاقل القيادة العليا للجيش المصري، كما لم يعط معلومات عن أماكن تخزين المصريين للعتاد المخصص لعبور قناة السويس، ويمكننا الافتراض أن الرجل الذي كان موجودا بمكتب الرئاسة، كان لديه إمكانية الوصول لمعلومات تتعلق بالموضوعات المذكورة”.
_ثم يستطرد دقل مناقضا نفسه: أشرف مروان خدم إسرائيل،
ويضيف “دقل” لقد ناقشت هذه التساؤلات مع شخص التقي بأشرف مروان في الماضي، واتضح لي أن المشكلة كانت في استخباراتنا العسكرية التي لم تكلف نفسها عناء مساءلة هذا العميل – (يقصد مروان)- وكذلك عملاء آخرين، أسئلة من هذا النوع الذي أطرحه الآن”، مضيفا ” موقفي هو أن مروان كان أحد أكبر الجواسيس الذين عملوا في خدمة دولة إسرائيل”.

_ونقلت عن مشارك آخر بالورشة، ميخال برونشتاين -خبير في تشغيل العملاء المزودجين- قوله: “يتم تزويد العميل المزدوج بمعلومات حقيقية، وذلك لكي يكسب ثقة الطرف الآخر ويصبح جاسوساً له، لذلك لو مدنا مروان بمعلومات حقيقية عالية القيمة عن مصر، لا يعني هذا أنه لم يعمل لصالح القاهرة، والمعيار هنا هو إلى أي درجة كان من شأن هذه المعلومات أن تسبب ضرراً مقابل النفع منها الذي سيأتي بمرور الوقت، من المعلومات الكاذبة التي يتم زرعها لدى العدو”.
_ويضيف برونشتاين “في حالة مروان فإن السؤال هو: هل نجح مروان في تخدير إسرائيل، لدرجة أن قيادات تل أبيب لم تعرف بنشوب حرب 1973 حتى قبلها بساعات، هل نجح في ذلك مقابل جبال المعلومات الحقيقية التي مد بها الإسرائيليين عن مصر؟”.

_ مشارك آخر بالورشة هو المؤرخ العسكري الإسرائيلي، أوري ميلشتاين، قال إن “مروان كان أكثر جواسيس الموساد الإسرائيلي تفوقا ونجاحا، لقد كان الساعي بين وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر والرئيس المصري السادات وقيادات إسرائيل جولدا مائير رئيسة الحكومة وموشي ديان وزير الدفاع”. وأضاف ميلشتاين “مهمة مروان كانت نقل رسائل بين الأطراف الثلاثة، وعشية حرب 1973 بعث برسالة عبر رئيس الموساد الأسبق عن قرب الحرب.

_ أما الإحصاءات الصادرة عن لجنة «أجرانات» التي تشكلت لبحث أسباب هزيمة إسرائيل فقد أشارت في نهاية تحقيقاتها أن أكثر المعلومات والأسئلة والأسماء التي ترددت خلال جلسات تقديم الشهادات والاستماع دارت حول العميل أشرف مروان تحديدا ودوره في مد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بالمعلومات في الفترة من عام 1969 وحتى عام 1973.

كما أكد تقرير لـ«المجموعة 73 مؤخرين» أن إسم أشرف مروان كان من أكثر الأسماء تكرارا في صفحات مجلدات اللجنة الرسمية خاصة التحقيقات وجلسات الاستماع المحظورة التي باشرتها اللجنة مع كل من رئيسة الوزراء جولدا مائير ومدير الإستخبارات الحربية «أمان» اللواء إيلى زاعيرا ومع مساعده للبحوث العميد أريه شاليف ومع اللواء تسفى زامير، رئيس جهاز الموساد الإسرائيلى.. إلى أن محاضر التحقيق مع العميد أريه شاليف، مساعد مدير الاستخبارات الحربية الإسرائيلية «أمان» للبحوث والتقدير قبل وخلال حرب أكتوبر 1973 يبرز فيها بوضوح (حجم الضرر) الذي تسببت فيه (معلومات أشرف مروان المغلوطة) التي “زرعت بإتقان في نظام المعلومات الإسرائيلى” لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وأفرع البحوث والتقدير المعنية برصد وتوقع حالة الحرب بين مصر وإسرائيل قبل أكتوبر 1973.

وأكد التقرير أن أوارق التحقيقات كلها تخفى اسم أشرف مروان كلما ورد ذكره، وقد حدث ذلك عشرات المرات كما لو كانت جلسات التحقيقات للجنة أجرانات قامت فقط للتحقيق حول عملية أشرف مروان والضرر الذي تسبب فيه لدولة إسرائيل، لافتا إلى أن معلومات أشرف مروان كانت مضللة لدرجة أن ذلك القسم شُلت تقديراته بالكامل قبل الحرب.

_ وفى مصر.. كان تكريم الرئيس الراحل أنور السادات، لأشرف مروان ، ومنحه أكبر وسام عسكرى مصرى لـ«دوره فى حرب أكتوبر».
_ ثم بعد وفاة «مروان» فى لندن يوم 27 يونيو 2007، أصدر الرئيس الأسبق مبارك بياناً رسمياً أكد فيه أن مروان «كان وطنيا مخلصاً وأدى العديد من الأعمال الوطنية، وأنه لم يحن الوقت للكشف عنها»،
_ وفى جنازته كان كبار رجال الدولة وعدد من قيادات المخابرات المصرية فى مقدمة الصفوف، وشيعت الجنازة من مسجد عمر مكرم، حيث أقيمت صلاة الجنازة التى أمها الدكتور محمد سيد طنطاوى، شيخ الأزهر السابق.
_ وقد إعتُبر هذا التكريم فى الحياة وبعد الوفاة طوق النجاة لسيرة وسمعة بطل قدم لوطنه الكثير ورضى من أجل المصلحة العليا لبلاده ولمقتضيات الأمن القومى أن يبقى طواعية بين مِطرقة التزييف الإسرائيلية وسندان الصمت الإستراتيجى المصرى، فكان هذا التكريم بمثابة إقرار رسمى ببراءة «مروان» من تهم الجاسوسية لصالح إسرائيل التى ترفض بكبرها المعهود الإعتراف بالهزيمة وتغالب شعورها الدائم بالضآلة أمام المصريين بتلك المحاولة البائسة لطمس الحقائق وزرع الشكوك قى قلوب المنتصريين،
_ فَمِن محاولة تزييف جزء من تاريخنا القديم والحديث، إلى تزوير سيرة أحد أبطال الظل، تمضى إسرائيل كالقراصنة للسطو على حضارةٍ لم تبنها ونصرٍ لم تحققه وبطلٍ لم تنجبه.

لا تعليقات

اترك رد