دولمـــــــــة


 

لم تقو سنواتي الخمس على احتمال ما أصابني من جوع ليلتذاك .. كنتُ أشعر أن معدتي تطوى كورقة العنب التي لفت بها أمي قطع (الدولمة) قبل أن تهرسها نار (البريمز) الذي كان يعوي فصمت بغتة .. تتسلل رائحة (الدولمة) إلى أنفي فأغدو غمامة من جوع تتبع آثار الرائحة حتى تذوي .. تهطل مطراً من هباء أشعر بقسوته وجلافته على وجنتي فأمسح بكمي المتسخ دوماً قطرات البلور …

قال جدي ذات بريق :
ـ في داخلك فيض من البلور .. حاذر يا ولدي .. فان بَعثَرتَهُ ستغدو دواخلك مجرد خواء .. وان أسأت احتوائه سيغدو سخاماً لا أكثر ..
​كثر ما عاندت غرغرةَ الدموعِ في عيني خشية أن أفقد بلورات دواخلي .. لكنها ـ الدموع ـ.. أكثر نزقاً من سنواتي الخمس .. فسرعان ما تنهمر وتفشل جميع محاولاتي لجمع قطيرات عيني في أقداح وكؤوس سرعان ما تتجاذبها أكف أشقائي فانشغل بمتابعة مساراتها المتشابكة حتى تستسلم أخيراً لحوض غسيل الصحون فلا أجد ثمة أثر لبلوراتي .. وأفضل ما أعثر عليه بقايا سكر جف على حافات الكأس فتجمهر حوله الذباب .. أو شئ من بقع زلقة تثير رائحة دسمها شهيتي .. لكنها وقد امتزجت ببلورات عيني غدت عصية على اجتياز أحشائي..
ـ ما غادرك لن يعود إليك .. وان عاد فاعلم انه غادرك بهياً ليعود منكسرا..
​قال جدي ذات محاق ..
​كانت أمي ليلتذاك قد لاكت دزينة من الأحزان .. أعلم أن أمي بلا بلور .. فضمن حدود سنواتي الخمس التي أطرت لدونتي .. نزفت أمي من بلور عينيها ما يغرق قبيلة..
​قال جدي ذات رحيل ..
ـ حزنك أوراق العنب الخضراء .. تزهر فتضحك .. تغوي ضحكتها النساء فينحرنها..
​تنحرها أمي كذلك لتلتف الأوراق الخضراء على خليط بقايا فُتاتِ الجارة والجار وبعض ممن يقر لهم جدي انحدارهم من صلبه..
ـ صدقة القريب سيف مثلوم .. يحز الرقبة فيقطعها عشرات المرات قبل أن تتدلى اسطوانتها المدماة ..
​قال جدي ذات عيد ..
​تلألأت أسنان أمي للمرة الأولى مذ شهدتُ بعينَيْ سنواتي الخمس .. جميع ما يحيط بي .. والقليل مما في داخلي .. ليلتذاك كنتُ غائصاً في الجوع .. وأفقدت رائحة (الدولمة) أنفي صوابه .. شعرت بأني أخلع معدتي كما أخلع سروالي الصغير المبتل اثر ليلة صقيعية.. لن يخجلني هذا الأمر الآن فقد كنت في الخامسة من عمري آنذاك ..
ـ تدثر بقلب يحبك .. ذاك فقط ما يفتت حول غضاضة جسدك زمهرير الشتاء..
​قال جدي ذات وحل ..
​وضعت أمي صحن (الدولمة) على رف حجرتنا الوحيدة .. أمام عيني تماماً.. اندلق الجوع من مسامات معدتي وفاضت عيناي ما تبقى من بلورها .. ولم تذعن أمي فطغى صحن (الدولمة) على الرف ..
ـ حين يأتي أبوك سنأكل معاً..
​قالت أمي .. ورجوت أبي في سري أن يأتي فوراً.. لكنه وكما في جميع رجاءاتي الخائبة لم يأت .. انتظرت طويلاً حتى جف جوعي .. تكسر .. تقشر .. خشخش نثاره أمام عيني فارتبك الانتظار فيهما ………………. بعد حين فتحت باب الحجرة.. رأيته .. طويلاً.. غاضباً .. استقبلته أمي بما شف من ثيابها .. وددتُأن أنهض إلا إني كنت أثقل من جبل.. رمقني أبي بنظرة ساخنة اكتوى خدي اثر لسعتها.. تمتم :
ـ سنأكل معاً ذات يوم..
​كنت صاحٍ بما يكفي لأن أراه وأسمعه ..
ـ لن تصحو وعيناك لم يغادرهما النهم وأذنك تتنشق الأصداء.. ستصحو حين يكشف لك الليل أردية العتمة ليبدو ما خلفها فيض من النور..
​قال جدي قبل أن يغفو بقليل اغفاءته التي لم أره بعدها..
​التهم والدي ـ ليلتذاك ـ معظم الصحن ولم تنج إلا قطعتي (دولمة ) بورق البصل .. رفعهما والدي حين رفع الصحن ليضعه في رف الحجرة .. تناوبت نظرات أبي وأمي على رشق وجوه أشقائي ووجهي .. ومكث اتساع ابتسامتيهما حتى غاصا تحت أوسع دثاراتنا .. حين نجحت بلملمة فتات يقظة مرتبكة كان الصحن بقطعتي (الدولمة) يبكي بلاهة استكانته وأوراق البصل الخرقاء أمام قطعان من النمل الأحمر .. استفزت سنواتي الخمس ما ارتعش في أطرافي من نشاط منحني عينان مفغورتان لفرط الدهشة.. النمل الأحمر يتجمع ليغدو سرباً اختار قطعتي (الدولمة) هدفاً له .. وجوعي استنفر صرخات كل الحواس فعاثت في جوفي فسادا .. وتحت صحن (الدولمة) المتكئ ببلاهة فوق رف الحجرة.. يمتد أكبر دثاراتنا وتحته جسدا أبي وأمي اللذان أثارا غرابة سنواتي الخمس .. فقد ارتفع الدثار لينحت أشكالاً سرعان ما كانت تتغير قبل أن تتمكن يقظتي من التقاطها إلا أنشيئاً منها ما زال عالقاً في قعر ذاكرتي.. فقد غدا الدثار جبلا تارة .. ونخلة تارة أخرى.. وبيتاً ثالثة .. إلا انه كان في كل التارات مسكوناً بالجنون .. جبل هاج وماج مهتزاً تحت وطأة إعصار نشر فحيحه في أرجاء الحجرة التي تمطى فوق رفها العنيد صحن قطعتي (الدولمة) الغافل عن تسرب النمل الأحمر قرب حدودانحنائه المثلوم .. وحين تحفزت لُدُونةُ جسدي للاستحواذ على الصحن كان عليّ أن أجتاز جنون الدثار الذي ترتج تحته نخلة لم يتركها الإعصار سامقة بل دار حولها فارتعشت لتنثني كقلب مهشم .. ارتشفتْ فحيح عاصفتها الليلية فغدت سرباً من القطا سرعان ما هب ليرتج الدثار محيلاً فجأة عيني إلى كتلة صلدة من خشية غامضة .. لم يعد صحن (الدولمة) هو ما أرجو فقد تسرب اليأس إلى معدتي حين شهدت تمطي قطيع النمل الأحمر فوق انحناءات أوراق البصل .. إلا إن ما استيقظ صخبها دهشتي التي شهدت جنون الدثار الذي نحت هذه المرة بيتاً لم تمكث أستاره طويلاً .. ليست سوى برهة أَرَقّ كثيراً من ورقة العنب الأخيرة التي احتضنت جوعي ليتخم به والدي.. تهرأت أستار حين ارتجت جدران بيت الدثار المجنون وانهار السطح ليفضح أشلاء نافرة من خلف حوافه .. لم يبذل أي منهما جهداً للملمة أشلائه فتركاها لتمتزج بنفور غريب جعل من العَصّي على سنواتي الخمس اللدنة .. أن تعرف أي العريين لأبي وأيهما لأمي .. لن يهمهما الأمر كثيراً على أية حال.. فقد استسلما لغفوة قاسية دون أن يدركا أن دثارهما تكور تحت أشلاء البيت.. تغلغل قطيع النمل الأحمر في بقايا (الدولمة) …
​بعد العديد من الصباحات بكيت كثيراً كي تصنع لي أمي صحناً من (الدولمة) ، فقالت : حين يعود أبوك ..
​ازددت بكاءً .. فقد أيقنت بأني لن أتذوق طعمها الشهي.. فان عاد أبي ستحتاج أمي جميع لفافاتها ليلتهمها والدي فيعيد لأمي مخاريطها جبالاً ونخيلاً وبيوتاً سريعة التهشم .. وحول رف الحجرة تنتشر أسراب النمل الأحمر منتظرة بقايا (الدولمة) ..

• الدولمة : أكلة عراقية .. يطلق عليها الملفوف في بعض البلدان العربية ..

لا تعليقات

اترك رد