كلانا يرقص أيها الكاتب


 

على الرخام البراق كان يتكئ ريثما تنتهي موظفةالاستقبال من إنهاء المكالمة؛ ليسألها عن نزيل في الفندق،اقتربت منه امرأة يتأرجح عمرها على حيطان الثلاثين. وجهها يمطر بزخات الألوان الفاقعة، وعلى شفتيها تتدلىابتسامة تحمل طعم الإغواء والغنج. غمزت له ثم سألته:

• هل تساعدني في ملء البيانات بالإنكليزي؟
لم تتوقف تابعت كلامها وهي تضحك وقالت:

• لا تضحك علي فأنا بالكاد أكتب عربي!
اتكأت على “الكوانتر” ثم أرخت جدائل نهديها ليستريحا معها على طرف الرخام البارد. تتكلم بصخب، تلوكالحروف مع شيء آخر في فمها. ابتسم لها بلطفٍ وسحبالأوراق ليملأ المعلومات، فتحت حقيبة اليد وناولته جوازسفرها، صعق حين رأى صورتها في جواز السفر دون أنيُشعرها بأنه ينظر بها، راح يقارن ما بين الصورة وما بينالوجه الذي يقف أمامه. بائسة صورتها في جواز السفر فقيرة ملامحها من أسباب الترف والذوق، كقروية بسيطةتلفها الكآبة. بينما المرأة التي تقف بجواره باذخة الفتنة والإثارة. بالجينز الضيق وسفح الصدر الممشوق. دوّن ماكان مطلوباً واستكمل منها بعض البيانات، أمطرت عليهبكلمات سخية بالامتنان وايحاءات أنثوية مفتوحة المعنىوتركت له الباب موارباً لو راودته رغبة الدخول.

جلس في البهو ينتظر صديقه، وهو منشغل بتصفح جرائد الوطن باغتت اسماعه طقطقة الكعب المحترف بإثارة الضجيج ولفت الانتباه، رفع وجهه المغموس ما بين السطور وترك الوطن وحيداً يئن بلا شريك. دون مقدمات طويلة دعته ليرتشف معها القهوة كرد للجميل الذي فعله معها. اعتذر لها وبرر اعتذاره أنه ينتظر صديق ليخرجا معاً. بكل عفوية وجرأة محببة تناولت أطراف أصابعه وهي تضحك قالت له:

• لا عليك سوف نخبر موظفة الاستقبال بأن تدل صديقكأين تكون!
وهي تأخذ الرشفة الأولى من فنجانها، سألته:

• ماذا تعمل في هذه الحياة؟
• أكتب عنها!
• من هي؟
• الحياة!
• وهل تعطيك الحياة ثمن ما تكتب عنها؟
• ليس كثيراً!
• ولماذا تتعب نفسك إذن؟
• لا أجيد شيئاً آخر سوى الكتابة!
تناول سيجارة وهو يقرّب النار منها، سألها:

• وأنت ماذا تعملين مع الحياة؟
• أراقصها!
• تراقصين الحياة أم ترقصين لها؟
• أرقص لأولئك الذين يملكون الحياة.
• وهل تعطيك الحياة ثمن الرقص؟
• هي تعطيني كثيراً وتأخذ مني كثيراً. تعطيني الكثيرمن الأوراق النقدية وبالعملة الصعبة؛ لكنها بالوقتنفسه تأخذ مني حرية الاختيار، أنا لا أختار لمنسأرقص، أرقص لمن يرش النقود حتى لو كان سفاحاً ومصاص دماء، كما لا تختار أنت اسمك ولا دينك.
• وهي تدّور بالفنجان ما بين أصابعها سألته:
• هل استطاعت الكتابة أن تطعمك رغيف خبز مدعوم؟هل أسكنتك في شقة فارهة؟ أنا جالست شعراءبمعاطف طويلة ولفحات ملونة، وشربت مع كتّاب لميتمكنوا من سداد الفاتورة! ربما لا أعرف كيف أكتببالإنكليزي، ولا اقرأ الكتب والروايات لكن الرقصجعلني أفهم الحياة، وعلمني على أي إيقاع أراقصها.
وهو يمتص سيجارته التي شارفت على النهاية سألها:

• وهل أنت سعيدة بما أنت عليه؟
• قد لا أكون بالمستوى اللائق بالنسبة لك وأنت حتماًتنظر لي على أنني أتاجر بجسدي؛ لكنني لا أقف أمام واجهات المحلات الشاهقة أبتلع ريقي منالحرمان، ولا استعطف الأطباء حين أمرض ليدخلوني قسم الطوارئ، لا أتهرب من صاحب البيت حين يحينموعد الإيجار. أنتم تكتبون الكلام الجميل، وتسهرونالليالي في كتابة المقالات والأشعار، تصابون بالسكّر والضغط وانسداد الشرايين من فساد الواقع وما يحدث لأوطاننا، وأخيراً تموتون ولا تملكون ثمن أكفانكم. يا صديقي الكاتب، أنت في زمن أن لم تراقصه وتهز خصرك سوف يأتي من يرقص فوق جثتك، نحن في زمن الفوضى والايقاع البلدي السريع. اليوم لن تجد من يملك الوقت والصبر ليكمل قراءة مقالتك، ولن تعثر على من يغامر بحفنة نقود ليدفع ثمن ديوان شعر. أنت في زمن الحرب والكل يلهث ولا يدري إلى أين يذهب. عذراً منك صديقي الكاتب كان من المفترض وحسب السيناريو العربي القديم أن اضع يدي على خدي مشدوهة تائهة في بحر حروفك الشفافة، واندهش لعباراتك الآسرة والتي لن أفهم اغلبها وإلى ماذا ترمي. أعلم أنه زمن العجب أن يجلس الكاتب مندهشاً يصغي إلى حديث راقصة تختزل له الواقع بكلماتها البسيطة. لكنه الواقع.
جاء صديقه وهو يهم للرحيل قالت له:

• لا تحزن يا صديقي الكاتب هذا الزمن ليس زمنك، هو زمن الرقص على طبول الحرب وليس زمن الأدب، أرجوك لا تحاول أن تدفع ثمن الفاتورة أعرف حرارة كبرياءك ومدى احراجك؛ لكن دعني لمرة واحدة أدفع عن رجل يستحق؛ عادة كل الذين اجالسهم هم من يدفعون ولا اكترث ولا أشعر بالأسى عليهم لأنني على يقين أنهم قد سرقوا تلك الأموال من جيوب الوطن، لكن أنت بائس لا تعرف حتى كيف تسرق من الوطن، ولا يوجد في محفظتك الكثير لتدفعه ثمن فنجان قهوة في ركن باذخ مع راقصة التقيت بها صدفة. تأكد أن كلانا يرقص أنت تهز خصر الحروف على خشبة السطور، وانا اهز خصري على خشبة المسرح.
ابتسم صديقه وقال له:

• خذ الحكمة من أفواه الراقصات أيها الكاتب!!!

شارك
المقال السابقلا تحمِّلوا الله أوزاركم
المقال التالىالولاية لمن ؟!

الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح.
الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد