عندما تكون الديمقراطية بلا ثقافة ديمقراطية..!!

 

ما نلاحظه اليوم في وطننا العربي الكثير ممن لا ينتمون الى حزب او جماعة ، ولكنهم اصحاب مواقف سياسية واضحة لالبس فيها ،ويؤثرون بشكل وبأخر في تأييد كفة على كفة اخرى في بلدانهم التي تشهد انتخابات ، وقد تتباين هذه المجموعة في مرجعيتها ونظرتها للأمور، لكنها في نهاية المطاف انها تلتقي في موقف ، بانها تريد العدل، والانصاف ،والحرية ،والامن ، والعيش الرغيد، وكل هذه الاماني لا تتحقق اليوم الا في ظل نظام قائم على فكرة الديمقراطية. هؤلاء هم الديمقراطيون الحقيقيون، وهم الامل الكبير في تحقيق نظام ديمقراطي حقيقي.
من هنا نفهم بأن الديمقراطية، لا تنحصر بعدد الانتخابات التي تحصل في البلاد، لان صناديق الاقتراع هي احد تجليات الديمقراطية وليس هي فقط المعبرة عنها ، وليس بعدد المرشحين لها وبعدد الحكومات التي تنتجها، لان الكثير من الاشخاص يتسلقون للسلطة عبر صناديق الاقتراع وهم لا يحصلوا الا على اصوات عوائلهم ومن المقربين لهم، ولا يفهمون دورهم بأنهم ممثلون لكل الشعب وليس لطائفة او قومية او منطقة، منحازون للحزب الذي ينتمون له اكثر من انحيازهم للشعب.
وان الديمقراطية ليست هبة او منه من الحاكم، وانما تنتزع بتكاتف جميع فئات الشعب.
والديمقراطية هي ليست ثوب نلبسه اليوم ونخلعه غدا، وليست وسيلة نستخدمها للإقصاء والتسلط، كما انها ليست فوضى واقتتال.
والديمقراطية ليست بعدد الصحف التي تصدر في البلاد والتي اغلبها هي لسان حال الاحزاب والكيانات التي تصدرها.
والديمقراطية ليس بتزوير صناديق الاقتراع وتزوير لإرادة الناخب. كما انها ليست بالمفخخات، ولا بالكواتم ولا بعدد الشهداء والجرحى من جراء الاعمال الاجرامية الارهابية.
الديمقراطية هي ليست بتخلفنا في جميع البنى التحتية كالعمران والإسكان ومياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء فضلا عن البنى الفوقية كالاقتصاد والثقافة والتربية.
الديمقراطية ليست بتكميم الافواه ، وقمع الحريات، ولا اللجوء الى مستويات غير معهودة من استخدام القوة والعنف ضد المواطنين،ولا بتزايد حالات الاختطاف والنزاعات العشائرية.
والديمقراطية ليس باتهام الناس والحديث عن المخططات الخارجية ،والايادي الخفية، والخونة والعملاء ،ضد كل من يتظاهر ويعارض سياسة الحكومة ونهب ثروات البلاد والعباد.
الديمقراطية ليست بأعداد مساكن الفقراء بين المقابر وتحت الجسور وفي العشوائيات.
والديمقراطية ليس بتزايد عدد المتسولين، ولا بعدد العاطلين وبعدد الاميين.
الديمقراطية ان لا يدرس ابنائنا في مدارس من الطين.
الديمقراطية لا تعني التمسك بكرسي السلطة لأي كان اذا اراد الشعب تغييره.
الديمقراطية هو ان لايستغل العديد من المرشحين نفوذ الاجهزة الحكومية والامنية والباشوات من التجار واصحاب رؤوس الاموال الحرام وبعض الشيوخ ورجال الدين واموال الدولة للتأثير على الناخبين واستمالة أصواتهم.
و لا ديمقراطية إلا بالديمقراطيين، الذين يؤمنون بالديمقراطية ويدعون لها بقوة ووعي ولايقف اهتمامهم الديمقراطي عند مسألة صناديق الاقتراع والعملية الانتخابية فقط . بل التداول وفق ثوابت لايمكن تجاوزها او جهلها والمتمثلة بالحريات العامة والخاصة وصولا الى حقوق المواطن الكاملة بعيدا عن أي تمييز للدين او العرق او المذهب ومن يتقدم للسلطة يتقدم لها وفق المبادئ الثابتة التي لايمكن ان تتغير وفق قاعدة الاكثرية العددية.
الديمقراطية نظام اجتماعي يؤكد قيمة الفرد وكرامته الشخصية الانسانية، ويكون الشعب فيها مصدر السلطة وتقر الحقوق لجميع المواطنين على اساس من الحرية والمساواة من دون تمييز بين الناس بسبب الاصل، والجنس، الدين او اللغة.
والديمقراطية هو ان نفهم التخطيط الصائب السليم في استغلال ثرواتنا الطبيعية والبشرية، و المحاسبة الدقيقة الصارمة في هدر المال العام .
وليس الديمقراطية هذه التي تعطي الناس الحرية كل الحرية وتحرمهم من بعض العدل.
في الديمقراطية تبقى العلاقة قائمة بين جمهور الناخبين وبين الشخص الذي انتخبوه، ويستطيع الناخبون ازالة النائب واجراء انتخاب اخر للنيابة عنهم، وهذا النوع مطبق في دول اوربية . لا ان يبقى النائب او الوزير( محصن) بالحصانة وهو قاتل او سارق او مرتشي وناخبيه يرمونه بالمخلفات عند محاولته عرض نفسه على ناخبيه.
ومن هنا فأن الديمقراطية هي ثقافة ووعي وممارسة، والتأسيس لنظام ديمقراطي حقيقي يقود البلاد الى بر الامان.

المقال السابقخارج عجاج الأهازيج
المقال التالىاَلْأْسْوَدُ في عِصْيانٍ أبْيَضَ
شاكر كريم عبد القيسي - ولد في بغداد 1949 - دكتور علوم سياسية - عمل في الدوائر العدلية اخرها مدير عام قبل عام 2003 - صدر له كتاب " تدرج التحريم في القران الكريم" وكتاب "العولمة واثرها على التنمية الاقتصادية في الدول النامية" - كاتب قصصي وباحث له نحو 600 بحث ودراسة وقصة ومقال منشورة في صحف ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد