الوطن المواطن السلطة -ج9


 

إن الفرد في تعاملاته اليومية تابع للوجودين المادي والثقافي-الاجتماعي، وتحرره من هذه التبعية إنما هو بالعقل المرتكز على مرجعية ثابتة. وحين يتخذ المواقف الحاضرة فإنما يتخذها من خلال ذاكرته الفردية التي هي بالنسبة إلى الأمة التاريخ بثقافتيه المباشرة وغير المباشرة. والعودة إلى ذاكرة الفرد هي بالضرورة عودة إلى تاريخ الأمة التي ينتمي إليها.

وإذا كان الفرد العربي اليوم يعاني من شرخ في ذاته وانفصام في هُوِيّته فهو نتيجة ابتعاده عن ذاكرته من خلال سعي النظريات الثقافية والسياسية والاقتصادية التي فُرِضِت عليه إلى خلخلة ذاكرته الثقافية المباشرة وغير المباشرة، وجعله بلا هُوِّية، تمهيداً للسيطرة عليه واحتوائه.

وهو في بحثه عن هُوِيّته لابد له من العودة إلى التراث الذي يعد ذاكرة الأمة التي ينتمي إليها، فيرى فيها كيف كان مفهوم الإنسان الذي أبدع تلك الحضارة، ويتخذ من هذا المفهوم مرجعاً له ومقياساً لإعادة صياغة هُوِيّته التي شُوّهت وتعرضت للكثير من التحريف، وهو ما أدى به إلى الجمود منذ قرون عديدة.

أرى أن الفكر العربي الإسلامي هو نتيجة مصدرين: الأول هو العقيدة والثاني هو نِتَاج العقل الإنساني من خلال علاقته بالعقيدة في الزمان والمكان. فالعقيدة فكر غيبي إلهي لا دخل للإنسان في صياغته، أما الفكر العربي الإسلامي فهو نتاج العقل الإنساني في تعامله مع الواقع في إطار العقيدة ومن خلال التجارب والاحتكاك باللغات والأعراق الأخرى.

تتأسس الحضارات على ثلاثة مفاهيم ،أراها أساسية لقيامها ونهضتها: العقيدة والكون والإنسان. وتستمد كل حضارة هُوِيَّتَها الذاتية وسماتَها الخاصة التي تميزها عن باقي الحضارات، وكل حضارة تقوم بالاهتمام بمفهوم على باقي المفاهيم . فالحضارة الدينية هي التي يسود فيها الفكر الغيبي العقائدي، و الحضارة المادية يسود فيها الفكر الطبيعي، أما التي يطغى فيها مفهوم الإنسان، فهي حضارة بشرية يسودها الفكر الإنساني.

إلا أن هذا التقسيم ليس قطعيا في تصنيف الحضارات لأن هذه المفاهيم تختلط بعضها ببعض بنسب متفاوتة، إلا أن بعض المفاهيم تسود أكثر من غيرها داخل بعض المجتمعات البشرية. وعندما يغلِّب مفهوم ما في حضارةٌ ما فإن المفهومين الباقيين يفسران انطلاقا من المفهوم الغالب.

إن أي محاولة لفهم حضارة ما من خلال دراسة نتاجها الثقافي والعلمي لا تعتمد على إدراك هذه المفاهيم وطبيعة العلاقة بينها، وغلبة أحدها على الآخَريْن في تلك الحضارة، سوف تكون قاصرة، وستؤدي بالضرورة إلى نتائج خاطئة. كما أن مفهوم الإنسان في الحضارة العربية الإسلامية تابع ونتيجة منطقية لمفهوم الله، فهو يرتبط معه بعلاقة وجودية. ولعل هذه الحقيقة هي ما يجب أن يرسخ في أذهان الباحثين في تراث الأمة العربية والإسلامية اليوم سواء أكانوا عربا أم أجانب، وذلك إذا ما أراد هؤلاء فعلاً الإنصافَ في نتائجهم والموضوعيةَ في أحكامهم.

إن كثرة شرح تلك الأسماء والاختلاف في تعريفها يجعلنا نشير إلى أهمية التنبيه على مدى تقصير الدراسات العربية المعاصرة في هذا المجال الحيوي من التراث العربي الإسلامي، والذي يتصل بمحور هذا التراث الذي هو الإنسان الذي أبدع هذا التراث، وعلى ضرورة قيام أبحاث واسعة ودراسات معمقة في هذا المحور العام الذي مازلنا إلى اليوم، نبني وجودنا الثقافي في معظمه على مفهوم للإنسان أخذناه عن الغرب من خلال ما أخذنا عنهم من نظريات فلسفية أو مدارس فنية وأدبية.

لا تعليقات

اترك رد