ثلاثية الشهوة .. العري الصوفي


 

ثلاثية الشهوة .. العري الصوفي
بازوليني ، فساد الذات ونقاء الآخر

نطلاقاً من رؤية التغاير التي صارت اقسى ما تكون واصرح في خاتمة افلام بازوليني (سالو) لتنهي أي امل في الاصلاح في ضوء قتل الحب و الجنس في مشهد (سالو) الاخير، انطلاقاً منها يفتح بازوليني نافذة التغاير في ذكاء بارع عندما يبدو مجرد حكاء يرغب في استعادة حياة الحكايات الشهيرة في ثلاثيته التي اعطاها اسماً ملهماً (ثلاثية الشهوة) التي اسس فيها ، تصورا عن التغاير الحضاري الايروتيكي لم يسبق له مثيل،كما لم يلحق أحد به من بعده.

ان ثمة حنيناً صوفياً في ثلاثية الشهوة عبر عنه بازوليني بالقول ((الجنس في تلك الافلام كان يمثل صورة من صور التحرير والانفراج و السعادة والفرح، وبهذا فقد كان تعبيراً عن حسرتي على حقب مضت وانصرمت)). وبناءً على هذا الحنين جاءت افلام (الديكامرون وحكايات كانتربري والف ليلة وليلة) لتقدم ((فكرة عن جمال العلاقات الجنسية وشاعريتها واصالتها لدى الانسان في الماضي وذلك لشرح او للدلالة على زيف هذه العلاقات وسطحيتها في الزمن الحاضر)) . غير ان تاملاً متمعناً في بنية هذه الثلاثية يكشف لنا عن رؤية اخرى تتضمن هذه الفكرة ولكنها تتجاوزها لتقديم تصور حضاري عن الايروتيكا. من خلال الاختيار والاسلوب اللذين عامل بهما بازوليني التراث الحكائي العالمي الذي انتقى منه اشهر ثلاث كتب.

وهذه الرواية الحضارية ليست حنيناً للماضي كما يبدو ظاهرياً، كما انها ليست اظهاراً لـ(اهتمام بازوليني بالمجتمعات البدائية وافتتانه بها) .وانما هي تاصيل لموقف حضاري فيه الكثير من المثالية، ولكنه بحسب وعي بازوليني الحل الاوحد لازمة الانسان والبديل الامثل للوهم الحضاري الاوربي.مع التنبيه إلى ان بازوليني لم يكن هروبياً في وعيه ولا منكفئاً صوب الماضي السعيد قبل الخطيئة، بل هو معاصر دفع راسه ثمناً لهذه الرؤية التي عضدها بالنقيض في (سالو).

ان الديكاميرون وحكايات كانتر بري، ينتميان إلى الهوة الحضارية نفسها التي يرفضها بازوليني بل هما من بوادر تكوين الذات الاوربية المعاصرة. ولذا فقد اختار بازوليني منهما ما يعضد هذا الانتماء. فقد تأسست ايروتيكية (الديكامرون)على ركيزتين: الخيانة والخديعة والموت. فليست ثمة جنس الا اذا كانت مقدمته خيانة او خديعة، كما ان ماينجو من هذه المقدمة تلحقه اثارها في وقت اخر، فمشهد الدخول إلى الكنيسة بني على خديعة وممارسة الجنس بنيت ضمنياً على خيانة الذات، على الرغم من جمالية الفعل وعلى الرغم من رغبة بازوليني في صدم متلقيه عندما قال (اذا نظرتم إلى فلم الانجيل وفلم الديكاميرون بعين ناقدة فانكم سترون ان الفلمين يتشابهان كثيراً وفكرة الفلم واحدة كل ما هناك ان الجنس قد حل محل المسيح وهذا هو كل شيء، ولكنه ليس بالفارق الكبير).وتستمر الخيانة اينما وجد الجنس في هذا الفلم، فيما كانت الخديعة بانتظار الجنس البريء، عندما خدع الاب عشيق ابنته تحت تهديد الفضيحة ليزوجها اياه طمعاً باملاكه، وكان القتل بانتظار الحب غير الايروتيكي عندما اغتال اخوة الحبيبة حبيبها ووضعت رأسه في زهرية في نافذتها.ومبنى الخديعة والخيانة والجنس مدفوع الثمن وهو اكثر الاشياء احتقاراً عند بازوليني سنجده ايضاً في حكايات (كانتربري) التي تبدو اضعف اجزاء الثلاثية وعياً واداءً، ويبدو ان لها نسخة غير مترابطة افقدت الرؤية الكثير من مقوماتها.فالجنس في حكايات (كانتربري) غائم، ويفتقد الحوارية وهو متجه دائماً نحو رغبة احادية، فضلاً عن بنائه على الخيانة ايضاً. والقتل حرقاً بالنار هو عقاب الاختلاف الجنسي كما ان القتل والخديعة قائمان في محاور غير ايروتيكية من الفلم ـ فهو اذاً مبنى حضاري اوربي ايضاً.

ان توجيه القراءة الحضارية لهذه الافلام ينبني على الاختيار، فقد عمد بازوليني إلى اختيار قصدي من هذه الحكايات متجاهلاًً ما هو مخالف لقصده. وهنا بالذات تكمن بذرة وعيه الحضاري ايروتيكياً فعلى النقيض من (حكايات كانتربري والديكاميرون)يبدو الجنس في (الف ليلة وليلة) نقياً ومدهشاً. بل هو اول ما يفعله كل اثنين يلتقيان في هذا الفلم، وكأنه لغة الحوار الوحيدة التي تؤسس لهذه الحضارة. واول ما يلحظ في هذه الحكايات الجنسية انها بريئة من الخيانة والخديعة وانما هي تعبير حر من كلا الطرفين.وثاني ما يلحظ فيها ان القتل والجريمة كانتا مختفيتين من الفلم الا في ثلاثة مشاهد:-

الاول معاقبة دليلة لعزيز بأخصائه لأنه تزوج عليها وغادرها ناسيا الوفاء بوعده وهو عنف مبرر بعد التفصيل الجنسي الاختباري الذي تعرض له عزيز قبل قبول دليلة بمواصلته والثاني والثالث غير بشريين، حيث يقوم الجني في حكاية الحطاب بقتل الفتاة لرفضها قتل الحطاب ويقوم الفتى بقتل الصبي وهو تحت تأثير السحر اما ما سوى ذلك فلا خيانة ولا قتل.

ولو اننا اجرينا مقارنة في الوعي في افلام الثلاثية لتبدى لنا قصدية بازوليني في اخفاء صفة العنف والخديعة على كل ما هو اوربي على الرغم من ان الحكايات الاصلية ليست كلها على هذه الشاكلة كما انه اختار من (الف ليلة وليلة) كل ما هو حالم ونقي وانساني على الرغم من احتوائها على ابواب كاملة حول الخداع والمكائد والجرائم ولا سيما ذات الطابع الايروتيكي لقد راهن بازوليني على مستوى الاداء، على نقاء الاخر وفساد الذات وكان تعبيره الفني عن ذلك يتمثل في ذلك العري الصوفي الذي يملا أركان الف ليلة وليلة على غير ما اعتاده في الديكاميرون وحكايات كانتر بري مؤسسا بذلك لوعيه الحضاري الخاص ايروتيكياً، على المستوى النصي وعلى المستوى البصري، ومحققاً بذلك فرادته الخاصة التي لها ملامح تكوينية متميزة وعياً واداءً

شارك
المقال السابققياس وتقييم الأداء على مستوى المنظمة
المقال التالىاعتقال الماضي القديم وسجنه

فراس عبد الجليل الشاروط مخرج من مواليد بغداد 1967*خريج كلية الفنون الجميلة/ بغداد 1996*ماجستير بالإخراج السينمائي عام 2002 عن رسالته (توظيف الوعي الايروتيكي في بنية الفلم الروائي ودلالاته السينمائية).*له تحت الطبع (سينمة النص القرآني).*له مخطوطة: (السينما العراقية: الذاكرة والتاريخ الـ (99) فلماً....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد