السعودية .. الانفتاح والحداثة .. والخداع الامريكي ..


 

غادر الملك سلمان الذي يعاني من امراض التقدم في السن، قبل ايام الى قصره في طنجة المغربية والتى اعتاد في كل صيف ان يمضي فيه بعضا من الوقت للراحة والاستجمام منذ كان اميرا. لكن هذه السنة او هذا الصيف حط ركابه في قصره بعد ان ترك المملكة وهي تضج بجميع الاحتمالات، تلك الاحتمالات او واحد من اخطر واكثر تلك الاحتمالات تاثيرا في الوضع في المملكة وعلى سياستها الخارجية وعلى وجه الخصوص الاقليمية بالاضافة الى السياسة الاقتصادية وسياسة الانفتاح وهذا الاحتمال والذي هو الاهم والاخطر سوف ناتي اليه في التالي من هذه السطور. والذي سوف يتحول الى حقيقة في الاشهر القادمة وربما لاتطول تلك الاشهر. منذ اكثر من سنة،

منذ توليه العرش اصدر الملك جملة من القرارات احدثت تحول في البنية الهيكلية لأهم وأخطر مفاصل الدولة باستحداث مؤسسات افرغت اخرى قرينة لها من فاعليتها وتاثيرها الامني وارتبطت بالامير محمد بن سلمان؛ وكان من اهمها وحتى تكتمل الرؤية الجديدة، تم تنحية الامير محمد بن نايف من ولاية العهد ووزارة الداخلية اي نزع كافة مسؤولياته في ادارة الدولة، وتولية ولى ولى العهد الامير محمد بن سلمان النجل الاكبر للملك على ولاية العهد بالاضافة الى مراسيم اخرى كثيرة جميعها وضعت بيد الامير الشاب اعقد واخطر مفاصل الدولة الامنية وغيرها. في حزيران الماضي نشرت النيويورك تايمز تقرير على لسان مسؤولين امريكيين حاليين وسابقين بان الامير محمد بن نايف موضوع تحت الاقامة الجبرية في قصره المطل على البحر في جده وممنوع من السفر. وفي تموز طالبت منظمة هويمن رايتس ووتش وهي منظمة امريكية تعني بحقوق الانسان؛ الخارجية السعودية بالاجابة على استفساراتها عن وضع الامير وهل فعلا موضوع تحت الاقامة الجبرية وممنوع من السفر واذا كان هذا الامر صحيح والكلام للمنظمة حسب ما نقلته صحيفة رأي اليوم اللندنية؛ نريد توضيح الاسس القانونية التي استندت عليها السلطات السعودية بأجراءتها هذه. والي الان لم نتلق جواب من الخارجية السعودية والحديث لايزال للمنظمة. ربما لن تنتهي هذه السنة الا والامير الشاب قد تربع على عرش المال والارض والانسان في السعودية وهذا الاحتمال مرجح الى حد اليقين. في ذلك الوقت تكون السعودية قد دخلت في التحول بصورة واسعة وفي جميع الحقول، فهي قد دخلت في هذا الانفتاح، دخول خجول قبل حين من الان،

وهي بالاضافة الى هذا، دخلت او ادخلت نفسها في صراعات كانت في غنى عنها منذ تولي الملك سلمان العرش. وهي التى كانت في سابق عهدها قد تعاملت مع الاحداث المحيطة بها او القريبة منها او البعيدة بتعقل وروية وحكمة ونأت بنفسها في الظاهر الخادع وهذا هو حقيقة واقعها؛ لأنها كانت تتدخل من وراء الاستار وبصورة مستترة، كي تؤدي ما مطلوب منها من قبل الادارات الامريكية المتعاقبة على مر السنوات، حالها، حال بقية دول الخليج وعلى وجه الخصوص الكويت والامارات والاخيرة لها دور واسع النطاق في الحقل المخابراتي..ولم تزل. نعود الى ملك السعودية القادم الامير محمد بن سلمان والذي سوف يواجه مشاكل ومعضلات الكثير منها غير قابلة للحل او ان حلها يستوجب منه النزول من ربوة العنجهية والغطرسة الفارغة؛ وفي مقدمة هذه المعضلات هي الحرب في اليمن التى مضى عليها اكثر من سنتين ولا يلوح اي مؤشر على قرب حسمها و نهايتها، وهي حرب عدوانية تحت مختلف التفسيرات للقانون الدولي. على الرغم من وجود تسريبات في الفترة الاخيرة عن اتفاقات تجري بالسر، تحت الخيمة العُمانية لوضع حد للحرب في اليمن. والتى تتمحور هذه التفاهمات او الاتفاقات بين هادي وعلي عبد الله صالح واحمد على عبد الله صالح بمعزل عن الحوثيين، مما يرفع درجة الشك في صدقية هذه التسريبات التى اوردها موقع جست سيكيوري الامريكي. الوضع في اليمن ما هو الامستنقع كبير جدا، فيه الكثير من القوى المتصارعة ولكل منها افكارها واجندتها وقواتها المسلحة الفاعلة على الارض وليس تحالف الحوثيون مع قوات الحرس الجمهوري السابق والذي يأتمر بامر الرئيس اليمني السابق على عبد الله صالح، هي الوحيدة العاملة على الارض بل هناك الكثير غيرها كما اسلفنا قبل القليل من الجمل السابقة. تلك الحرب والمقصود حرب السعودية على اليمن، شكلت نزيف يومي كبير ومستمر للتراكم المالي السعودي مما انعكس سلبا على الرفاه الاقتصادي للفرد السعودي والذي شكل في السابق اي هذا الرفاه، صمام الامان للعرش. نعود مرة اخرى، الى ماسوف يواجه الملك القادم من اشكالات معقدة جدا ومشتبكة الى حد التداخل مع بعضها البعض حتى يصعب في حالتها هذه معرفة رؤوس خيوطها. من المعروف ان الدخول الى عالم التنوير والحداثة لاياتي بجرة قلم او باهواء شخصية بل يجب ان يتم الدخول اليها بصورة طبيعية وبسلاسة بعد تهيأت البنية التحتية من مؤسسات حداثوية وما اليها وما يتصل بها من حراك مجتمعي.

على الرغم من انه في السنتين الاخيرتين حدث تحول نوعي الى حد ما في الخطاب الاعلامي السعودي وجوهر القول فيه هو الانفتاح على اللبرالية الغربية. واعتبارها هي الاختيار الامثل لوضع المجتمع السعودي على درب الحداثة. وهناك اصوات اعلامية وفكرية وادبية دعت الى فك الارتباط والاشتباك مع المؤسسة الدينية وانهاء هيمنتها على الشارع السعودي. ومنح الحرية للناس ذكور واناث في الملبس والاختلاط وغير ذلك من السلوك الانساني المدني والمتحضر. من الجانب الثاني هناك معرضون شديدون وشرسون لهذا التوجه. وهم القاعدة المجتمعية الاكبر. جميع هذه الطروحات لم تتجاوز فضاءات الاقوال في الخطابات الاعلامية المرئية والمقرؤة والمواقع الالكترونية والحسابات الشخصية. هنا نسأل هل المجتمع السعودي له القدرة على اعادة انتاج نفسه والمقصود المجتمع وليس النخبة الاعلامية والفكرية والادبية، وهل العرش وتفرعاته قادر على انتاج نفسه حداثويا ومغادرة الراسخ والمتجذر في النظام وفي نفوس رأس النظام وبقية رؤوسه الثانوية؛ نشك شكا عميقا في ذلك بل نعتقد جازمين، ان هذه الرؤية لن يكتب لها النجاح. وانها سوف تواجه معضلات من بينها وليس جميعها. وبأختصار هي:

1-الاشتباك مع المؤسسة الدينية والتى كانت العمود الفقري الذي قامت به وعلى مرتكزاته الدينية، المملكة بجغرافيتها الحالية. وكانت تلك المؤسسة الموجه للسياسة الداخلية في الصياغة المجتمعية للبنية الذهنية والنفسية للفرد السعودي في الجل الاعظم من الافراد في المجتمع السعودية…

2- قانون جاستا، هذا القانون الذي شرعه الكونكرس الامريكي قبل ما يقارب السنة. ورغم الحلب الذي قام به ترامب من ضروع النفط السعودي وهو حلب كارثي. في محاولة من الملك القادم الامير محمد بن سلمان على تهيئة الاجواء لتحسين العلاقة الامريكية السعودية وتشغيل مراجل المال لتسخين الاجواء بين البلدين، لم يلغ قانون جاستا بل على العكس تماما؛ تفعيله وتفاعلاته مستمرة بخطوات هادئة ومدروسة ومستترة وخارج تغطية الاعلام، وعدد طلبات المتضررين من تفجير برجي التجارة الدولية في ازدياد مستمر. وقد اضيفت بالاضافة الى السعودية، قطر والامارات. وقد استند القانون على اسانيد قانونية من لقاءات الى تحويلات مالية وليس اخرها الاستضافة والتهريب، جميعها كانت مع منفذي احداث سبتمبر ومع مهندسها…خبراء المال العالميين يخمنون المبالغ الواجب دفعها، حين يحين الحين وتحل ساعة الحساب، الى المتضررين بالآف المليارات من الدولارات الامريكية….ان افقار المملكة في ذلك الوقت حين يحل؛ سوف يؤثر تاثيرا وجوديا على الانفتاح والحداثة…

3- ان تلك الرؤية، رؤية عام 2030 بجانبها الاحداثوي الانساني، اذا لم تكن مبنية على اعطاء فضاء كامل من الحرية وفي مقدمة ذلك حرية الرأي والكلمة والحرية الشخصية، تصبح مجرد اطار فارغ من المحتوى وبالتالي تولد ميتة وفي مهدها. واذا تم انتاجها بصروة تلبي جميع حاجات الناس الى الحرية بجميع تفرعاتها وقواعد انطلاقها سواء على الصعد الشخصية او المجتمعية؛ حكما تنتج الاتي:

– مطالبة الاقلية الدينية في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، بحق ممارسة طقوسها وعباداتها وما تنتجه من مؤسسات تابعة لها، وربما تطالب بامور واوضاع ابعد من ذلك؛ اي ان تكون لها شخصيتها المعنوية والاعتبارية في المجتمع السعودي..
– مطالبة الناس في المجتمع السعودي بالتبادل السلمي للسلطة وانهاء سيطرة العائلة الحاكمة والمتحكمة بالارض والحكم والناس. المطالبة باقامة نظام ملكي دستوري..
.
ان السعودية تواجه الان مشاكل عويصة وفي المستقبل وعلى ضوء التوجه الجديد بملك شاب جديد بَّشرَ برؤية جديدة اخذنا منها الجانب الحداثوي التنويري وليس الجانب الصناعي والاقتصادي فهذا موضوع اخر يحتاج الى الكثير من البحث والفحص، هذه السطور المتواضعة لا تتسع له؛ سوف تواجه في السنوات التى من المؤكد، تجيء راكضة على درب الزمن، لتتواجه المملكة مع مشاكل بنوية لا مخرج لها، منها.

وهي وكما وضحت، في الذي سبق من الجمل، لا تسطيع ان تنقلب على ذاتها وهنا نقصد المؤسسة الدينية وسلطة العرش. واللذان سوف يواجهان حراك مجتمعي، احدثته او ساهمة في صناعته، رؤية الاطار الحداثوي، الفارغ من المضون الحداثوي، مضمون الحرية الحقة. لذا سوف يتعرض النظام الملكي الى هزة عنيفة تهزه من الجذور. الملك محمد بن سلمان، الملك القادم لحكم المملكة،وهو دكتاتور متفرد ومن نوع جديد من الدكتاتوريات، فهو دكتاتور آل سعود بالاضافة الى كونه ملك كلي الصلاحية في التشريع والتنفيذ. والمدعوم بقوة من الادارة الامريكية ومن الحكومة الامريكية العميقة في توجهه هذا او هي اي امريكا من تدفعه الى هذا الاتجاه بطريقة حرق المراحل، من غير متبنى مؤسسي حداثوي وتدريجي وسلس وطبيعي. وفي الوقت عينه تحتفظ امريكا باوراق ضغط هائلة وكبيرة التاثير على المملكة ومن بينها وليس وحدها، قانون جاستا الذي لم يلغ حتى هذه اللحظة ولا ولم ولن يلغى. وهذا ما يدفع الى الشك والريبة في الموقف الامريكي من المملكة في المستقبل بعد ان تحّول جميع ما تريد من تحولات في دول المنطقة. هذا الاتجاه في السياسة الامريكية معروف وهي لم تغيره ابدا منذ دخلت الى الساحة الدولية كلاعب محوري واساسي في العالم. ان الشيء الذي يثير الاستغراب والألم في آن؛ الحكام العرب السابقون منهم والحاليون لم يتعظوا من التجارب ويكرروا انتاج ذات الاخطاء الكارثية والتى تطحن شعوبهم او تدفعهم الى المنافي. ويكونوا مشغلون للسياسة الامريكية الاسرائيلية في دول المنطقة. السعوديون لم يتعرضوا الى دوائر الموت والهجرة والدم المراق وكذلك بقية دول الخليج بفعل الوفرة المالية التى وفرت الامن. لكن وبالذات السعودية هل يستمر وضعهم على ما هم عليه الان؛ لست قاريء طالع، لكن وفي ذات الوقت، تعتقد هذه الجمل المتواضعة؛ في الذي ياتي من الزمن وهو ليس ببعيد، سوف تتعرض الى ما هو اكثر من هذا الذي تعاني منه، الآن وقبل الآن، شعوب دول المنطقة.. في مشروع امريكي اسرائيلي محكم المدخلات ومسيطر على مخرجاته.. خلاصة القول ان لا ملجيء الا الشعب والوطن والسيادة الحقة والحداثة التى ينتجها التطور الطبيعي كما ينتج هذا التطور بعوامل صيرورته وحاجة هذه الصيرورة الضرورية للحداثة…كما ان التوق الشعبي بمجساته الحسية، الى الحداثة عامل من العوامل الاولية لهذه الصيرورة.. والشجاعة المستندة على التخلي التدريجي عن امتلاك الملك للارض والناس والحكم…للتخليق السلس للفضاءات الديمقراطية..وعلى الحب والاحترام والغيرة على الوطن والاوطان العربية وفلسطين الشعب والدين والتاريخ .. نسأل، هل ما ورد في جمل الخلاصة؛ تتوافر في القيادة السعودية الشابة؛ تجيبنا الحقائق والوقائع على الارض: كلا، غير متوافرة وغير موجودة اصلا…

لا تعليقات

اترك رد