خارج عجاج الأهازيج


 

في مناسباتهم السعيدة و الحزينة وفي استعداداتهم للقتال ، عندما يزوجون شبابهم وعندما يقطعون قلفة اطفالهم ، عند تشييع قتلاهم و عن احتفائهم بمواليدهم ، في سورات الفخر و عند التوعد بالثأر إعتاد رجال العشائر العراقية على ان يصدحوا بأهازيج حماسية بعد أن يهزج بهم مهوالهم ( شاعرهم ) و هو يفتح خطواته و يضمها ملوحاً بيده وعباءته داخل دائرة بشرية صنعوها له بأجسادهم و بعد أن ينهي ارجوزته يبدأ بقفزات على البقعة كما كان يسميها معلم الرياضة في مدرستي الإبتدائية ، أي في مكانه ، ممسكاً عباءته بيد وعقاله بيد كي لا يطيح على الأرض فيتسبب بعار القبيلة . قفزات و كلمات المهوال التي ارتجلها أو ألفها خصيصاً للمناسبة تفعل برؤوس الرجال فعل خمور الأندرينا برؤوس بني تغلب فيبدأوا بالقفز حوله مطلقين العيارات النارية في الهواء ، و بما أن تكنولوجيا الأسلحة الأوتوماتيكية تصلنا من ديار بعيدة لم يسمع بها رجال العشائر قبل وصول تكنولوجيا طلي الشوارع بالقير أحد مشتقات النفط الخام المستخرج من تحت أقدامنا مباشرة ،

فإن قفزات الرجال حول مهوالهم على بقع تراب بكر لم يطمثه قير أسود من قبل تثيرغمامة من العجاج ينتشي القوم بتنفسها و يفخرون بتعفير لباسهم بترابها أمام نسائهم عند عودتهم مساء و كأنهم عادوا من معركة . هناك هوسات محدودة على مستوى حضيرة جنود و هوسات متوسطة على مستوى فخذ أو كتف عشيرة أو فصيل مسلح و هوسة كبيرة على مستوى شعب . لكن ماذا بعد هذه الحفلة – الهوسة ؟ الهوسات الصغيرة تنتهي بختان طفل أو تشييع جنازة و الهوسة الكبيرة قد تنتهي بمعركة كبرى ،

هوسة صغيرة انتهت قبل أيام بعدد من القتلى حيث اكتشفوا بعد انجلاء الغبار أنهم أطلقوا النار على بعضهم بدل إطلاقها في الهواء حيث مدى الرؤية داخل غمامة العجاج يقترب من الصفر ، اما هوسة الشعب الكبيرة الأخيرة في الموصل فقد انتهت بخسارة ما يقرب من ثمانية آلاف من القوات العراقية فقط دون مقاتلي الحشد و الجرحى بحسب مصادر إعلامية متفرقة و بمصرع 16 ألف مدني حتى أيار الماضي بحسب الأزفيستيا الروسية نقلاً عن مصادر حكومية عراقية و مئات الآلاف من المشردين في الخيام مقابل أقل من ألفين من عناصر التنظيم قالت مصادر حكومية لسكاي نيوز أن قواتها قتلتهم . نحن إذن خرجنا من هوسة الموصل بخسارة 24 ألف عراقي بين مدني و عسكري لكننا قتلنا ألفي عنصر منهم تبخرت جثثهم . خسائر العدو بالأرواح تمثل 8% فقط من خسائرنا ، إذا اعتبرنا أن الذين يعيشون في الخيام وقد فقد أكثرهم بعض او كل عوائلهم أحياء يرزقون

الآن وبعد شهر و نصف على تدمير جامع النوري ومئذنة الحدباء أشهر علامة لتاريخ الموصل والتي اعتبرتها الجهات الرسمية إعلاناً لانتهاء المعركة يخرج من سرداب تحت الأنقاض في منطقة النبي جرجيس ثلاث نساء و أربعة رجال و طفل مكثوا خمسة و عشرين يوماً تحت الأنقاض قبل أن يعثر عليهم عامل إنقاذ بالصدفة اقتاتوا خلالها على أربعة كيلواغرامات و نصف من الرز و عدد من قناني الماء و على تلاوة القرآن . خارج غمامة الهوسات يوجد في العراق 18 محافظة بآلاف المهاويل و مثلهم من رجال دين و عشرات الألوف من منتسبي الدفاع المدني و محافظون و أعضاء مجالس محافظات يتحدثون جميعاً عن التضامن و الوحدة ، ألا تستجيب محافظة واحدة ، عشيرة واحدة ، فخذ واحد ،

وَذْرَةٌ من فخذ لنداء الدفاع المدني في الموصل بدعمهم وهم يعملون بجهود جبارة و إمكانات محدودة وبلا رواتب ، ألا يستحق هؤلاء الذين تحملوا بطش داعش لثلاث سنين من العذاب بسبب هروب قادة جيشنا أن ترسل لهم كل محافظة فرقة من الدفاع المدني تعزز جهد أهلها لعلهم يعثرون على المزيد من الأحياء فنكرم من طمرناه نحن و داعش و قوات التحالف تحت بيته فندفنه في قبر يليق بإنسان ؟ أما من مهوال واحد من ثلاثين مليون يرفع عقيرته فيُستجاب له ؟

لا تعليقات

اترك رد