هل تعرف كيف تحب !؟


 

ثمة الكثير مما يمكن أن يقال عن المشهد الثقافي في العراق أو الوطن العربي ، ولا أظن أن أحدا يمكن أن يتوقع قولا يتضمن مدحا أو إعجابا بهذا المشهد ..

ذلك من طبيعة الثقافة ، وطبيعة المثقف ..

فالثقافة لا تعترف بحرق البخور ، ولا تقوم أو تزدهر بالتآلف والتصالح مع الواقع ، إنها مغرمة بالتغيير والاختلاف ..

الثقافة سعة وامتداد وعمق ، ولا شأن لها بفعل دعائي أو رغبة آنية أو نيّات تستهدف حصد أثر سريع ، ذلك ما يميزها ويكشف جوهرها ويسهم في توضيح الفرق بينها وبين الإعلام ..

وحين تستعير الثقافة أو يستعير المثقف المبدع وسائل لا تنتمي إلى جوهر إبداعه ، فإنه يعلن بشكل ما تخليه عن القيم الثقافية ، أو فشله في فهمها . ومن الواضح أن التخلي والفشل لا يقودان إلى تحقيق حالة جديدة خارج المعنى القاموسي لهما ..

من حق من يبني بيتا أو مدرسة أو سجنا ، أن يتوقع تقدم العمل بمعياري الزمن ، والمال المصروف ، ويمكن له أن يحدد لحظة البدء والانتهاء على وفق هذين المعيارين . أما من يعمل في الثقافة ، ويستهدف تحقيق قيم ثقافية ، ونتاجات جمالية تصوغ الذائقة وتهذبها ، فإنه لا يتوقع أن يطالب بجدول زمني يحدد مولد هذه القيمة أو تلك ..

نعم ، يمكن لأية جهة ثقافية أن تفخر بحجم نتاجها الثقافي ، وسيكون مفهوما أن طباعة مئات العناوين ، وعقد عشرات الندوات والملتقيات ، وإقامة المهرجانات الفنية ، ومعارض الكتب ، وأسابيع الأشرطة السينمائية والمسرحيات ، كلها مؤشرات لحركة ثقافية فيها حوار وجدل .. رفض وقبول .. اتفاق واختلاف .. احتفاء ونكران .. لكن الأهم في قضية الثقافة هو ما يترشح عن كل ذلك ..

فإذا ما استطاع طلاب الجامعة معرفة أسماء المبدعين في بلدهم ، واستطاعوا تعداد أسماء بعض كتبهم ، والحديث عن قيمتها الإبداعية ، سيكون الوعي الثقافي بخير ..

وإذا ما استطاعت الحركة الثقافية إنتاج قيم مهيمنة تحتفي بالعمل الجيد وتهمل الرديء ، سيكون من حقنا جميعا أن نؤشر حالة تطور ذات عمق ودلالة ..

وإذا استطاعت الجامعة أن تمد جسورا ثقافية حقيقية مع المجتمع ، وأن تحتفي بالمبدع ، وأن لا تنتظر موته كي تسمح لطلابها ببحث نتاجه ، سيكون من حقنا أن نؤشر حالة تطور جديدة ومحترمة ..

وإذا ما استطاعت اللجان الثقافية في الوزارات والاتحادات والنقابات والأحزاب والتجمعات أن تحتفي بالصوت الثقافي في ندواتها ، فإنها ستضيف حالة تطور أخرى ..

ومن حق الثقافة على محطات الإذاعة والتلفزيون ، بل من واجب هذه المحطات أن تعمل على تحقيق بث متوازن ينفتح على آفاق معرفية ثقافية ، وأن تعد البرامج الثقافية ضرورة يومية لمشاهدها ومستمعها . ومتى ما شعرت بذلك ، وترجمت هذا الشعور إلى برامج وفعاليات ، فإن تطورا جديا سيحصل ..

وهنا سأستعير عبارة لمبدع عربي هو ( سعيد عقل ) ذكرها بعد أن بلغ الثانية والتسعين من العمر ..
يقول :
ــ من المهم أن نحب ، ونعرف كيف نحب ..
بلا حب ، وبلا انفتاح ، وبلا تسامح ، وبلا قدرة على الانتصار للجمال ، لا يمكن أن نتوقع ثقافة حيوية مؤثرة ..
وبالحب تتطهر نفوسنا ، وعندها يمكن لصوت الثقافة أو فعلها أن يكون خبزا على موائدنا ، وحبا يخرس صوت الجهل وفعله الأسود ..

1 تعليقك

  1. مادامت تحكمنا نفس العقليات الصحراوية فلا عجب ان تسيطر علينا ثقاف الفرد الزعيم الملهم ولا عجب من تطابق المشهد في القاهرة وبغداد

اترك رد