أوشك …….


 

منذ نصف قرن تعرفت عليه شاعراً يكتب باللغة الأم وبالعامية , وله في كتابة القصة القصيرة محاولات طيبة , وحين اقتربت منه عرفت انه من أسرة توارثت الشعر والعلوم الدينية , ولها أعلام معروفة في ذلك , تعلمت منه الكثير في العمل الثقافي المشترك أيام زهو الثقافة في زمن دور الثقافة الجماهيرية عندما عملنا معاً في لجانها الثقافية وانشطتها الجماهيرية ذات الانتشار الواسع , كان لا يكل من غرس المحبة في نفوسنا الشابة ويعلمنا احترام الآخر والعطاء المثمر من أجل ان تسود ثقافة الحوار والتسامح والرقي , أصدر اكثر من عشرين كتاباً في الشعر الفصيح والعامي ومجموعة قصصية عن دار الشؤون الثقافية , وهو مازال شاباً بعطائه الابداعي رغم بلوغه الثانية والثمانين من عمره المديد .. هلال الشيخ علي معلمنا وموجهنا ومهندس خطواتنا في السنين الخوالي , أصدر مجموعته الشعرية (( أُوشك .. )) ليبرهن على حيوية نادرة وقدرة متميزة على المكوث مبدعاً رغم عاديات الزمن وتجاعيد الثمانين , ويبدو لي ان عنونة هذه المجموعة بـ (( أُوشك .. )) لا تخلو من اشارة مقصودة عن رحيل منتظر , حتى انالنقاط التي وضعت بعد مفردة العنوان تشير الى غياب لا نريده ولا يريده الشيخ علي رغم ان الأعمار ليست ملك بني البشر الباحثين عن عشبة الخلود منذ كلكامش والى يومنا هذا…
في مجموعته هذه يوجز هلال الشيخ علي رحلة ثمانيئه , كاشفاً عن حبه للحياة التي عاش حلوها ومرّها , مؤرخاً لأحداث ألقت بظلالها على نشأته وما رافقها من عثرات وطموحات وآمال لم تتحقق , ومازالت في عداد الامال المنتظرة , وفي قراءة الوفاء هذه أحاول جاهداًتقديم نماذج منتقاة من (( أُشك ..)) للكشف عن مضمونها الكلي الذي اراده هلال الشيخ علي فيها … ولكم :
في منعطف الثمانين
فجأة
إلتقيا
من تحت الحجاب
نثت عيناها
فتفتح قلبه
ثم افترقا … ص16
و … :
سيدتي
نكاية بالثمانين
مازالت
أزوق أحلامي
لتليق بك … ص 91
اذاً .. نحن ازاء خبرة متراكمة وحياة ضاجة بالوضوح والأمل , يحرص هلال الشيخ علي على ان يظل وفياً للنبع الاول والحب الأول والزمن الأول , وفي كل هذا البوح الشفيف نتلمس صدق المشاعر وحميميتها , فما كان سائداً من علاقات انسانية نظيفة وبريئة , تراجعت الان مداليلها لأسباب وعوامل متشابكة , ولم تعد الحياة كما كانت رائقة تمنح الحالمين ما يشتهون في وقت اختلّت فيه موازين القيم وتداعت اركانها في ضجيج المنافع وتشابكها , وهلال الشيخ علي خير من خبر هذه الحياة وعرفتفاصيل حسناتها وسوءاتها … لكن هلال الشيخ علي رغم كل هذا العناء , مازال قلبه ينبض بالمحبة والالفة والتذكر … انها الحياة التي أحبها وتمنّى لو تفيض بسجاياها على الناس في مختلف محطاتهم ورغباتهم … ,
قلت لها
وهي تختض من البرد
يا سيدتي
ادخلني في حلمي
فقد أشعلته
للتو ,,
لم يعد الشيخ علي كما في النص قادراً على منح الدفء لمن يحب , لكنه استعاض عن المقدرة الفعلية باشارته ( الحلمية ) ادخلي في حلمي , فهل تكفي الاحلام يا شيخي و معلمي ان تعيد الى الواقع ما خربته السنوات العجاف ؟ !
وفي ( عرش القلوب ) ص13 , يعيدنا الشاعر الشيخ الى صبوات الشباب وذكريات الزمن الغارب في محاورة معبرة عن صفاء روحي ومحبة فاضحة :
جلست على عرش القلوب واطلقت
فيضاً من السحر البهي المشرقِ
هي نخلة برحية وقوامها
يزهو بناهد خصرها المتأنقِ
حدّثتها عني حديث مولهٍ
صبٍ فقالت أيها الشيخ إتقِ
ولم يتقِ الشيخ رغم صدورها وتعنيفها وكبحها جماح اشواقه الفاضحة , وهكذا هو هلال الشيخ علي في مجموعته هذه يؤرخن محبته بكلمات ليس إلا وهو الذي غادرته فتوة العشق وخذلته الثمانين , ولا أظن انالشاعر الانسان سيستسلم للزمن وقسوته فيظل الشيخ علي شاباً كما في سنوات حيويته الأولى في بساتين محاويل الأمام التي مازالت تحتفظ بأثار اقدامه وأصداء محاضراته التي أسست لأحلام الاياماللاحقة وبهذا فانه يعبر عن جوهره الأصيل وانتمائه لوطن أحبه وسفح على ترابه اجمل سنوات حياته , وازاء هذا أرى ان على الجهات الثقافية التي أهداها ( أوشكُ …) ان تبادر للاحتفاء بمنجزه تقديراً وتثميناً لما أسسه لنا من قيم ثقافية راسخة مازلنا نسير على هديها , ويكفي هلال الشيخ علي هذا الثمانيني الشاب ان يواصل العطاء المبدع ويمنحنا كل هذه العافية والجمال رغم ما يحيط حياتنا من ظلام ودماء غالية تسيل وهو الذي يلخص موقفه المبدئي الواضح بقوله :
كل هذا الدم
المراق
سيكنس السّراق
ويزدهي
العراق …..
وهذا ما يتمناه ويسعى اليه كل ابن أبيه و أمه , اذ ليس لنا سوى العراق … العراق …
شكراً للمبدع هلال الشيخ علي وهو يرفل في ثمانينه و شكراً لــ (( أُوشك )) التي وفرت لي هذه الفرصة لأقول كلمة وفاء بحق من علمني الكثير وأضاء مصابيح الأمل ………
~~~~~~~~~~~~

2 تعليقات

  1. كما عرفتك اخي وصديقي وجاري الحبيب استاذ شكر ، وفيا صادقا كريما مبدعا ..لكما كل الحب والتقدير

  2. كما عرفك اخي وصديقي وجاري الحبيب استاذ شكر ، وفيا مخلصا صادقا مبدعا ..محبتي واحترامي لكما

اترك رد