التشكيلية لينا شديد وتنشيط تداعيات قيمها التعبيرية


 

من الجميل أن تحمل طموحاً كبيراً وسط الحرب و الموت و الدمار ، هو تحدٍّ كبير لهذا البحر الهائج ، لكن من الصعب أن تحتفظ بهذا الطموح و أنت تصل الضفة الآمنة فتكتشف أن الحرب و الدمار و الموت فيك ، لم تتركه خلفك بل رافقتك ، ومن الصعب أيضاً أن تبقى محافظاً لآمالك و أنت تدرك بأن الحروب الكونية كلها فيك ، تفتك بك من كل جانب ، نعم من الصعب جداً أن تصمد أمام هذا السرب المخيف من الأمراض وهي تعشش فيك ، لكن أن تكون هذه الحالة عند الفنانة التشكيلية لينا شديد فالأمر مختلف ، فهي أقوى من كل جهابذة الحروب و صناعها ، و روحها أنقى من كل الأمراض مهما كانت درجة وجعها و أعلى من السموات ذاتها بتراكماتها المؤلمة ، لينا تحمل فرشاتها و تغطسها بأحاسيسها لتكون علاجاً لروحها كما لجسدها ،

فتخرج لنا فنانة تضج بمشاعر لا تملكها إلا العشاق المتيمون بالحياة فهي لم تستسلم بل أثبتت أن هناك آمالاً تستحق الحياة من أجلها ، لينا تخرج لنا بأعمال كل منها تحكي زاوية ما من وجعها أو من فرحها ، لينا شديد ترسم درساً بأن الإنسان أقوى من الموت حين يدرك بأن الحب و الجمال هما جناحا هذه القوة ، فهي و بروح فنانة تحاكي المرحلة و تنتصر ، تنتصر بفنها و عشقها ، تنتصر بحسها الأنقى من نسيم الصيف في ربوع الشمال ، نعم ما فعلته لينا لم تفعله الآلهة فهي ترسل أصابعها الملونة كروحها على بياض تجعله تنطق بينابيع نائمة تستيقظ بهدوء زين وهي تقترب من سماء مم .

لينا شديد أحبت الرسم بقوة ولهذا تعلمته و أبدعت فيه ، حبها جسرها في الوصول و الإبداع ، فبأصابعها النازفة بالحب تروي بعذوبة لونية و بعفوية طفلة لم تكبر بعد و عبر أعمال تستحق الوقوف عندها مطولاً ، فهي تجعل من مشروعها سكة الوصول معجوناً بإنجازاتها بعيداً عن أي إشارة تدفعها للمغادرة أو الإحساس بالهزيمة ، فهي تنجح في تحويل قطرات من أحاسيسها إلى عمل فني و شكل إبداعي ، فما تلقته من صدمات إنفعالية جعلتها تصيغه بالتصعيد المحكوم بالمصالحة مع الذات لخلق إحتمال التوصل إلى الحقيقة العميقة التي لا يمكن تلمسها إلا إذا كان داخلها وجدان فنان و حس عاشق ،

و بالمقاربة لأعمالها سنراها جميعها تضج بالحب و التفاؤل و الغد الجميل مهما كان الحزن النائم في الحواف داكناً ، فهي تمضي بنا إلى عالم لا علاقة لها بالزمن فإرتباطها بالمحيط الذي حملته معها إلى بلاد الإغتراب / أمريكا / تعني الكثير لها بل هو الذاكرة التي بها تعود إلى كل مفردات حياتها و طموحاتها التي تكاد تشكل مجمل أجواء أعمالها ، تلك الأعمال التي هي هواءها بتفاعلاتها المختلفة ، و بها تقترب من تبدلات الحياة وتغيراتها ، بتكريس آليات ترتقي بها نحو التخيّيل و التركيب الفني الجميل ، فهي تشيد عالمها الفني ضمن فضاءات أولياتها تصنعها هي ، وترغم متلقيها لحمل قيم إنسانية جديدة مع قيم فنية جديدة ، و عليه فإنها تتطلع إلى تكاثر الجمال في كل شيء ، ذلك الجمال الذي بات شهيقها و زفيرها ،

بالتوازي مع اهتمامها برموز الفرح و هذا ما يجعلها تدفن كل تجارب الخيبة و الإحباط في ركن بعيد لئلا يتعثر به أحد ، ولهذا انصب اهتمامها على الداخل كثيراً ، فتكاد تستوحي ثيمات البزوغ العذب لمواجهة امتدادات و عواقب غير مرئيّة ، فقد آن أوانها لتسلك طريقاً غير سائد ، فيه تلامس الكينونة المغيبة بمتعة و صمت ،


دون أي صخب داعية العشاق مسترسلين بحبهم ، لا تستيقظهم و لا ترضى أن يفعلها غيرها ، مع التشديد الدائم على قوة القيمة الجمالية في تعزيز كل مستويات الحفر اللذيذ في الروح ، مع خلق محاورات بإتجاه الأعماق لتنشيط تداعيات قيمها التعبيرية و الفنية لا كإختزال لمحضر سلوكها و أفكارها بل لتفعيل حوار مثمر بين كل تفصيلات تجربتها بإحتوائها و إحتواء كل ما يناسب مشهدها المؤثر .

لا تعليقات

اترك رد