زيارة الحريري الى واشنطن ،،


 

لم تكن هنالك مصلحة امريكية حيوية في لبنان بشكل مباشر في اي مرحلة من مراحل تاريخ العلاقات بين الطرفين ، ومع ذلك فقد كان لبنان يحظى باهتمام خاص في دوائر صنع القرار الانريكي وفي المؤسسات الرسمية المعنية برسم السياسة الخارجية .

تاريخياً حظي لبنان باهتمام الاوساط التبشيرية الامريكية وكانت الجامعة الامريكية في بيروت وعدد من المؤسسات الثقافية والدينية الامريكية في لبنان من اهم معالم هذا الاهتمام ؛ اما على الصعيد السياسي فقد بدأ الاهتمام الامريكي بلبنان خلال الحرب العالمية الثانية وتم اعتبار بيروت في حينها ثاني اهم مركز استخباري امريكي بعد القاهرة ، في المرحلة اللاحقة وفي حقبة الحرب الباردة شكلت بيروت محطة تشتبك فيها النشاطات الاستخبارية الدولية وخاصة الامريكية والروسية ويعود ذلك الى كون لبنان بلد صغير شهد انبثاق تجربة حكم الديمقراطية – الطائفية منذ وقت مبكّر مما قاد الى ضعف بنيان الدولة بشكل عام الامر الذي افسح المجال لكل أشكال النشاط الأجنبي وخاصة الاستخباري ، ومنه بعثت امريكا ببعض الرسائل المهمة لأطراف اقليمية ودولية . في عام ١٩٥٨ والذي يسمى بالعام الثوري في المنطقة قامت الولايات المتحدة الامريكية بإنزال وحدة من قوات مشاة البحرية في رسالة واضحة الى أطراف اقليمية مثل مصر واُخرى دولية مثل الأتحاد السوڤيتي مفادها ان ماحصل من تغيير للنظام الملكي في العراق بانقلاب عسكري وبشكل يتوافق مع موجة القومية العربية الناصرية المدعومة سوڤيتياً هو أقصى مايمكن السماح به وانه عمل ينبغي ان يبقى في حدود العراق ، علماً بان الحدث بحدوده المباشرة كان يتماشى مع مصالح امريكية محددة ايضاً . كانت بيروت هي محطة انطلاق هذه الرسالة الامريكية .

تدرك الولايات المتحدة ايضاً ان لبنان ليس محطة تولد فيها السياسات الاقليمية بل هو ساحة تنعكس فيها هذه السياسات مثل . لقد ساعدت طبيعة التركيبة السكانية اللبنانية على ان يكون بهذه الصيغة حيث توجد فيه ثلاث ديانات وطوائف كبرى من التي توجد وتتعايش او تتصارع في المنطقة حيث الشيعة والسنة والمسيحيين فضلاٍ عن لوحة فسيفسائية لمعظم ما موجود في المنطقة من إثنيات وطوائف وديانات صغيرة. اغلب هذه التلاوين الدينية والإثنية عكست وتبنت الى حد كبير امتداداتها الام في بقية دول الإقليم . ان معظم الصراعات التي شهدتها الساحة اللبنانية كانت انعكاساً لصراعات اقليمية تنوعت موضوعاتها واتجاهاتها وتبدلت عبر العقود التي اعقبت الحرب العالمية الثانية ، من الصراع بين القومية والقطرية الى الصراع بين القومية التقدمية والرجعية العربية ثم جاءت الان اللافتات الطائفية والدينية .

باختصار فان الولايات المتحدة فهمت ذلك ، ان لم تكن قد ساهمت بوسائلها في صياغة الأوضاع العامة التي يعيش فيها لبنان والمنطقة ؛ ويبدو ان ستراتيجيتها الحالية تقوم على التالي : في ضوء الافتراق عن سياسات التطبيع مع ايران التي تم انتهاجها خلال معظم فترة ادارةٍ اوباما فان الهدف الحالي هو تقليص نفوذ ايران الى الحد الأدنى على مستوى الإقليم رغم ان ستراتيجية واضحة ونهائية بشكل واضح لم تتبلور لحد الان بسبب عدم استقرار ادارةٍ ترامپ الذي بدأ يطرح الان موضوع استقالته كما تشير الى ذلك عدد من التوقعات التي صدرت خلال الأيام القليلة الماضية بعد تشكيل هيئة محلفين كبرى لمتابعة التحقيقات بشأن علاقة حملة ترامپ الانتخابية مع روسيا ، ولكن قدر تعلق الامر بلبنان فان المعادلة الثابتة التي تم تبنيها منذ وقت ليس بالقصير تتلخص في دعم كيان الدولة ودور الحكومة والجيش وكافة الهيئات الوطنية بما يجعلها نداً لقوة حزب الله . اما القضايا الاخرى مثل قضية اللاجئين وتقديم الدعم المالي لهم فانها قضايا عرضية من ثمار الموقف العام في المنطقة ومن مصلحة الولايات المتحدة دعم قدرات لبنان الدولة على احتواء المشكلة وتعزيز قدراتها في هذا الاتجاه . ان لبنان وشخص الحريري وتياره السياسي ليسوا من القوة والفاعلية مما يجعلهم عنصراً في سياسة كبرى للتصدي لنفوذ ايران ؛ ذهب بعض المحللين في هذا الاتجاه واعتقد انه اتجاه تشوبه المبالغة ويمنح لاعبين متواضعي القدرات ادواراً تفوق قدراتهم على الارض .

تلهينا الحداث الكبرى أحياناً عن متابعة بعض الزوايا المهمة التي تؤشر لبعض الاتجاهات في الإقليم كما هو هذا المقال . الكاتب هو پول سالم وهو خبير ضليع في شؤون المنطقة ويعمل حالياً نائباً لرئيس معهد الشرق الاوسط وكان قد أسس قبلها فرع بيروت لمؤسسة كارنيغي الأمريكية ، وله العديد من الكتب حول شؤون المنطقة اضافة الى عدد كبير من المقالات والدراسات حولها .

لنتابع

في مفارقة تاريخية كان سعد الحريري قد بدأ زيارة للولايات المتحدة عام ٢٠١١ على عهد اوباما بصفته رئيساً للوزراء في لبنان ، ثم اختتم الزيارة بصفته مواطناً عادياً ؛ قام في حينها وزراء حزب الله وحلفائهم بتقديم استقالة جماعية من حكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها انذاك مما ادى الى اسقاط الحكومة وفقدان الحريري منصبه خلال تلك الزيارة .

لقد استعاد الحريري منصبه كرئيس للحكومة اللبنانية في سبتمبر / أيلول ٢٠١٦ بعد تأييده تولي الجنرال ميشيل عون ، حليف حزب الله ، منصب رئيس الجمهورية ، وقام بزيارة للولايات المتحدة مؤخراً اجرى خلالها مباحثات مع الرئيس ترامپ ومسؤولين امريكيين اخرين .

تشهد الساحة اللبنانية في اثناء تلك الزيارة قيام حزب الله بعملية عسكرية في منطقة التلال الواقعة شرقي لبنان ضد هيئة تحرير الشام ( جبهة النصرة ) وهي من تنظيمات القاعدة ، وتمكن من دحرها . عمليات حزب الله هذه لفتت الانتباه الى التعايش المشوب بالتوتر بين الدولة والحزب .

تشير المعلومات الى ان اهداف الزيارة التي قام بها الوفد اللبناني الذي ضم وزير الخارجية وحاكم البنك المركزي تركزت حول تعزيز اواصر التعاون مع الادارة الامريكية الجديدة وضمان استمرار الدعم الامريكي للجيش اللبناني وللاجئين والاستثمار الامريكي في لبنان . لقد رجا الحريري كل من المشرعين في الكونغرس ومسؤولي وزارة الخزانة وصندوق النقد الدولي ان لاتؤثر العقوبات الامريكية الجديدة ضد حزب الله على استقرار النظام المصرفي في لبنان .

يبدو ان الزيارة قد تكللت بالنجاح بشكل عام ، وقد اكد الحريري ان المعونة الامريكية للجيش اللبناني ستتواصل وسيحافظ على قيمتها السنوية البالغة ثمانون مليون دولاراً . لقد اعلنت واشنطن ايضاً بعد اختتام الزيارة عن زيادة بقيمة ١٤٠ مليون دولار في ميزانية دعم اللاجئين ، لكن الغموض مازال سائداًبشأن قضية العقوبات والتي أشار ترامپ الى انه سيعلن قراره بشأنها فيما بعد ، دون ان يصدر شيء حتى الان ، كما لم يعلن عن نتائج محددة بشأنها عند زيارة المسؤولين اللبنانيين للكونغرس . بشكل عام تعتبر الزيارة ناجحة وخاصة فيما يتعلق بموضوع العلاقات الثنائية .

المشكلة الكبرى التي واجهها الحريري اثناء الزيارة هي عدم القدرة لدى الحد من شدة العبارات التي استخدمها ترامپ في مقارنته حزب الله ، الذي يشارك في حكومة الحريري ، بتنظيم الدولة مثل قوله ” ان لبنان يقف في الخطوط الأمامية في المعركة ضد تنظيم الدولة والقاعدة وحزب الله ” . ازاء هذا التصريح لم يكن بوسع الخريري غير التململ بشكل ينم عن عدم الارتياح وهو يعلم ان حزب الله قد يصنع من هذا الموضوع قضية داخلية ، رغم انه واصل التوضيح بمستمعيها من أعضاء مراكز البحوث والصحفيين بان حزب الله وليس الجيش هو من تصدى لهيئة تحرير الشام . لقد واجه خلال وجوده في واشنطن تساؤلات لاتنفع حول مدى نفوذ حزب الله في لبنان كما واجه نقداً من جانب حزب الله عند عودته الى لبنان بسبب عدم اعتراضه على تصريحات ترامپ .

ان قيام حزب الله بعملياته العسكرية ضد هيئة تحرير الشام في المناطق الشمالية الشرقية الوعرة في لبنان من شانه ان يعمق من الخلاف بين الحكومة والحزب . لقد كان الجيش يقوم بقصف متواصل ضد هيئة تحرير الشام منذ عام ٢٠١٤ لكن قرار استئصالهم من المنطقة كان يؤجل من قبل الجيش والحكومة ، فيما بادر حزب الله بذلك الامر الذي حفز الحكومة والجيش للقيام بعملية مماثلة ضد تنظيم الدولة .

لقد أعلن حزب الله عن استئصال ٩٠٪‏ من قوة المنظمة التي استهدفها وقتل حوالى ١٢٠ فرداً من مقاتليها ، ويقوم الجهاديون حالياً بإعادة التموضع لاتبقى من مقاتليهم والبالغ عددهم حوالى ١٥٠٠ عنصراً مع ستة آلاف من أعضاء العائلات من المدنيين من شال شرقي لبنان الى مدينة أدلب السورية . لقد قاد المباحثات حول ذلك رئيس الامن العام اللبناني بمشاركة حزب الله اضافة للحكومة السورية وتركيا وقطر . كجزء من عملية اعادة التوطين سيتم إطلاق سراح اربعة من مقاتلي حزب الله المسجونين لدى هيئة تحرير الشام .

لقد ألقى قائد حزب الله حسن نصر الله خطاباً متلفزاً احتفالات بالنصر الذي أعاد نوعاً من الصورة الوطنية للحزب والتي اهتزت جراء تدخله في الحرب الأهلية السورية .

مايزال هنالك جيب في ذات المنطقة يسيطر عليه تنظيم الدولة ود اظهرت عمليات حزب الله عجز الحكومة أزاءه داخلياً وخارجياً ، لذلك أصدرت اوامرها للجيش من اجل تنفيذ عملية مماثلة ضد هذا الجيب ، لكن المهمة لاتبدو سهلة رغم أهميتها بالنسبة لسمعة الجيش وقوى الامن الحكومية . من هنا تاتي أهمية المساعدة الامريكية خلال تنفيذ هذه العملية .

ان هزيمة القاعدة وتنظيم الدولة في لبنان ، او على الأقل انتزاع الارض منهما ، سيكون إنجازاً مهماً . ان الطريقة التي تمت المهمة وفقاً لها ، اي بتعاون الجيش مع منظمة مسلحة غير حكومية ، تعطي مصداقية لايران التي تطرح نجاعة الوصفة الحالية من التعايش بين الدولة وحزب الله . لكنها تلقي بالظلال على علاقة لبنان بشركائه الدوليين وخاصة الولايات المتحدة التي تدرج الحزب كمنظمة ارهابية ( هنالك مايشير الى ان الولايات المتحدة كانت على معرفة مسبقة بعملية حزب الله خصوصاً وان العسكريين الأمريكيين يعملون عن قرب مع الجيش اللبناني في البقاع حيث تم شن العملية التي استهدفت تنظيم القاعدة ) .

لقد أعلن الخريري ان الاولوية الان هي المحافظة على الاستقرار السياسي في لبنان والذي نجح لبنان في المحافظة عليه رغم اندلاع الحرب الأهلية في سوريا المجاورة . ان الخلاف بين الدولة وحزب الله يمثل قضية جدية ولكن مامن حل اخر غير حرب أهلية او دولية . ان مستقبل حزب الله كقوة تمثل جزءاً من النفوذ الايراني ( كما في العراق وسوريا واليمن ) تخرج عن قدرة لبنان لوحده ، وينبغي ان يكون جزءاً من تسوية اقليمية او دولية . ان مهمة حكومة لبنان على المدى القصير هي ابقاء البلاد في استقرار وأمن مع العمل على دفع الاقتصاد قدماً ، ومن اجل ضمان ذلك فان لبنان بحاجة الى الولايات المتحدة ، وكانت زيارة الخريري متوافقة مع هذا التوجه .

Hariri Visits Washington

What His Meeting With Trump Means for U.S. – Lebanese Relations

By: Paul Salem

Foreign Affairs – Thursday , August 3 , 2017

لا تعليقات

اترك رد