هل كنا على خطأ؟

 

لابد أن يكون الإنسان مؤمنا بأمر ما أو بعدة أمور، قد يؤمن بدين، زعيم، ايديولوجية معينة، وقد يعيش ردحا طويلا من عمره وهو منسجم تماماً مع ما يؤمن به، ماذا لو اكتشفَ بعد كلّ ذلك أنه كان مخطئاً ومخدوعاً بما آمن به؟…. دفعني الفضول إلى حضور قداس يوم الأحد المنصرم في الكنيسة المجاورة لمنزلي فرأيت المصلين يؤدون صلاتهم بخشوع وإيمان كبيرين، الإيمان ذاته الذي دفعَ أجدادهم إلى الإنخراط في حملات الحروب الصليبية لقتال المسلمين، وهم يرونهم مجرد كفرة لن يحظوا بمباركة يسوع وسيكون الجحيم مستقرهم الأخير، المؤمنون الكاثوليك حاربوا المؤمنين البروتستانت والأرثوذكس للسبب نفسه، ولنفس السبب حارب المسلمون المسيحيين وحارب بعضهم بعضاً، خلال حوار مع بعض المصلين في الكنيسة بعد انتهاء القداس، شعرتُ أنهم يؤمنون ايماناً قاطعاً بأن المسيحي الكاثوليكي هو المؤمن الحق، وأن الآخرين حمقى يحتاجون إلى الهداية، تذكرت أني سمعت المعنى نفسه من راهب بوذي تحدث في أحد البرامج التلفازية، فقد كان يرى أن من لا يؤمن ببوذا سيعيش شقاءَ أبدياً، وبديهي أن المسلمون يرون دينهم آخر الديانات فمن لم يؤمن بالإسلام فسيكون خالداً في الجحيم، ولعلّ الأمر ذاته لدى اليهودي والهندوسي والزرادشتي والبهائي وغيرهم…

ولكل منهم أسانيده وأسبابه التي يمتلك حداً أقصى من الإقتناع بها، سألتُ أحد المصلين في الكنيسة المذكورة عما يجعله يعتقد بأنهم على حق، فقال يكفي أن نصف سكان المعمورة من المسيحيين، ذَكّرته بأن المسلمين يشكلون كذلك نسبة كبيرة، فمليار و700 مليون نسمة رقم لا يستهان به.. فهل كثرة المؤمنين بدين أو فكرة تدل على صحتها؟…

لعل ذاكرة أي منا تحتفظ بحوارات ومناظرات دارت بين أشخاص يعتنقون مذاهب سنية في الدين الإسلامي وآخرون يعتنقون المذهب الشيعي، من يجزم بأن هذه الحوارات كانت تفضي إلى إقرار طرف منهم بصحة فكرة الطرف الآخر وبالتالي وكنتيجة واضحة للحوار يعلن تخليه عن مذهبه ليؤمن بالمذهب الذي حصل على أرجحية الاقتناع؟.. أنا شخصيا لم أشهد محاورة أدت إلى مثل هذه النتيجة بل غالباً ما كان الشيعي يزداد تصلباً والسني كذلك، وقد يزداد الشرخ بينهما اتساعاً، ولو أمعنا النظر في شكل ومحتوى مثل هذه المحاورات، ومثيلاتها بين الأديان الأخرى وحتى الأفكار، سنرى أن لكل منهم أسانيد منطقية مقنعة تماماً بالنسبة له ويحاول إقناع الآخرين بها، دون أن يحاور الأفكار الأخرى في ذهنه بما فيه الكفاية، وما زال البعض من أبناء السنة والجماعة يدعون أبناء مذاهبهم إلى عدم قراءة أي إصدار شيعي، والأمر ذاته يفعله الشيعة الذين يرفضون الإطلاع على فكر ابن تيمية والمذاهب الفقهية الأربعة، وهذا ما جعلنا نرى دفوعات تمثل هذه الطائفة أو تلك خلال مثل هذه الحوارات ولا نشهد محاكمات عقلية ومنطقية للأفكار يتم خلالها الإشارة إلى مواطن القوة أو الضعف والخلل في هذه الفكرة أو تلك، والدفاع في أغلب حالاته ينطلق من منطلق عاطفي يجعل المدافع يعتصر ما في ذهنه ليؤكد صواب معتقده، إنه ينطلق من إيمان لا شك فيه،

لكن الإيمان في أفضل حالاته مرتبط بعاطفة المؤمن، وهذا لا يستهان به بالتأكيد لكنه مشوش في نهاية الأمر، فغالبا ما تدفعنا العاطفة لمعرفة جانب من الحقيقة وإغفال جوانب أخرى، وتفشل خلال معاملتها مع المدركات العقلية والحسية في ترسيخ مواطن قوتها، بل يخضعها لإشكاليات تربك المؤمن لذا تراه يبتعد عنها.. الأزمة إذن تكمن في تحييد العقل، ولأن الأديان والمذاهب تحيط ذاتها بهالات من القداسة فرضت العاطفة سطوتها وانحسر العقل إلى زاوية بعيدة، لكن دعونا نتخلص من هالة القداسة هذه، ونضرب مثالا بعلاقاتنا الإنسانية مع الآخرين، من المؤكد أن أغلبنا مر بتجارب عاطفية حقيقية، كنا نرى فيها من نحبهم أكثر سموا من غيرهم، ولا نرى سوى الرائع في صفاتهم وسلوكياتهم، ما الذي يحدث ان تعرضت مشاعرنا إلى الفتور أو الخدش؟…. سنلصق بالآخر سمات لم نكن نذكرها عنه، وسنوجه له الإتهامات التي تتناقض تماما مع ما كنا نراه فيه خلال ارتباطنا العاطفي به، ببساطة، ما جعلتنا العاطفة نراه مجرد زاوية واحدة وما جعلنا العقل نكتشفه هي زوايا عديدة، وينطبق الأمر نفسه على من كان يؤمن إيمانا كبيرا برمز سياسي أو ديني أو فكري أو ديني، وتشهد الساحة السياسية العراقية مثالا صارخا على مثل هذا الإيمان العاطفي،

فالرموز السياسية السنية تحظى بدفاع أبناء الطائفة السنية عنها بإستماتة متغاضية عن أخطاء فادحة وجرائم يندى لها الجبين، والأمر ذاته من الرموز السياسية الشيعية، لقد ارتكب رموز الطائفتين الأخطاء والجرائم التي تجعل أي عاقل يضعهم في خانة المجرمين مستحقي العقاب، لكن تصفحا عابرا لوسائل الإعلام والإتصالات ترينا أنهم ما زالوا يحظون بشعبية كبيرة ودعم قد يُؤَمّنَ لهم ما يكفي من الأصوات خلال الإنتخابات القادمة… لم يكتف المؤمنون بهم بالإيمان فحسب، بل صاروا يبررون لهم أخطائهم وتناقضاتهم وقد يضعون لها تفسيرات تقنعهم.. ربما سيكون ثمة أمل في أن نتجاوز الحضيض الذي نعيشه إن امتلكنا القدرة على إمعان العقل في ذواتنا أولا لنعرف بماذا نؤمن، وهل يستحق منا هذا الإيمان، حين نفشل في علاقة عاطفية ندين الآخر ونضع له صفات نبرر بها فشل هذه العلاقة، لكن كم منا من فكر في دوره في فشل هذه العلاقة؟… والإيمان في كل حالاته علاقة بيننا كأفراد وقيم نؤمن بها، لاشك في أن العلاقة تمتلك ديمومتها ما دامت جذوتها العاطفية متقدة، إلا إنها قد تتعرض للإرتباك إن بدأ العقل يراجع الأفكار والسلوكيات والمواقف.. لعل هذا ما يفسر أن أي من رجال الدين في طوائفنا الإسلامية لم يستشهد يوما بآراء كانط أو ميشيل فوكو أو نيتشة أو سبينوزا وإن تطرق للمفكرين والفلاسفة فسيتطرق للمسلمين منهم حصرا… هناك جهود كبيرة لإبعاد الإنسان العربي والمسلم عن منتجات العقل لأن من يعمدون إلى هذا الإبعاد يدركون أن استثمار طاقات العقل قد تدفع بعضنا إلى أن يرددوا في آخر المطاف: هل كنا على خطأ؟…

لا تعليقات

اترك رد