تفكك البنية الاجتماعية في سوريا وأثرها على مستقبل سوريا

 

ما تسمى بثورات الربيع العربي أو الانتفاضات العربية وهو المعنى الصحيح التي كانت فاصلا ما قبل وما بعد، ما قبل كانت أغلب النظم العربية تمارس سياسات الترهيب والترغيب وأحيانا تستخدم نسخة أكثر وحشية خصوصا في سوريا بسبب سيطرة نخبة متنفذة على أجزاء واسعة من الاقتصاد، وهذه سمة عامة في أغلب البلدان العربية ومنح نفسها وأتباعها امتيازات هائلة لذلك هي تقف أمام أي إصلاح اقتصادي، مما تسبب في رفع نسب البطالة في العالم العربي رغم أن هذه الأنظمة أقدمت على تحرير جزئي من الاقتصاد لكنه لم يكن كافيا.
هذا الواقع كان سبب في الاضطرابات العربية، وحينما اجتاحت الاضطرابات العربية في شمال أفريقيا بدأ من تونس وهي مثل كرة النار تتدحرج نحو بقية بلدان العلام العربي، عندها حاول بشار الأسد استباق تلك الاضطرابات بسيل من الخطابات الدعائية بالتزامه بتحسين أحوال القاعدة غير المؤيدة له.
وعندما بلغت الاضطرابات الغليان، وبلغت مستويات شديدة العمق حالت دون نجاح محاولات النظام الذي راهن على القمع الأمني بدلا من احتوائها وبشكل خاص مخاطبة صغار التيارات الإسلامية التي تلقت الدعم من الخارج التي تجد الفرصة من التخلص من بعض الأنظمة خصوصا النظامين السوري والليبي دون النظر إلى مصلحة الشعوب وبسبب غياب استراتيجية عربية وهم صغار التيارات الإسلامية هم الذين سعوا إلى عسكرة تلك الاضطرابات وحولوا الساحة السورية إلى حرب أهلية إقليمية ثم دولية.
بالطبع الحرب الأهلية أدت إلى تفكيك الهياكل الاجتماعية والاقتصادية غذتها الشبكات العسكرية وتغير في تبدل موازين القوى بين المليشيات العسكرية والقوى الاجتماعية أو العرقية بشكل خاص، ولم يعد هناك حراك اجتماعي ولا صوت سوى صوت السلاح الذي بدأ يتدفق على سوريا من جميع الجهات.
بدأت مرحلة فقدان السلطة المركزية بشكل تدرجي خصوصا بفقدان السيطرة على المكاسب الاقتصادية التي كانت متركز في أيدي الطبقة العليا وبدأ النهب واقتطاع شرائح معتبرة من السوق السوداء وأثرت السوق السوداء أصحاب الرتب المتواضعة في أجهزة الاستخبارات من الذين عاشوا من الرشى الصغيرة نسبيا انطلقوا إلى أعلى مراتب جعلهم يبتزون المناطق خصوصا المحاصرة وظهر مستغلون جدد إلى تعزيز أوضاعهم الاجتماعية حتى أصبحت لديهم مليشيات موالين لهم الذين أصبحوا فيما بعد من أهم من ركائز المجتمع يمارسون أعمال البلطجة وتولي مزيد من المناصب القيادية التي تزامنت مع انتشار مزيد من العنف.
هذه المجموعات قامت بالتربح الحربي ويسمون بالرأسماليون الجدد وهم يقيمون شراكات مع قوى المعارضة وفي نفس الوقت هم حلفاء النظام، أتاح لهم الدور العسكري الجديد السلطة لتصحيح الاختلال الاجتماعي والاقتصادي فيما يتعلق بالشرائح الغنية من المجتمع والمتحالفة مع النخبة العلوية وإن كان ليس تغير ايجابي بل تغير أتى مع انهيار الدولة، وكأن سوريا انتقلت من المحسوبية الطائفية قبل عام 2011 إلى الرأسماليون الجدد.
أصبح هناك حراك اجتماعي جديد مع تراخي قبضة الأسد للعديد من سكان الريف الذين بداوا يعتمدون على التعاملات المحلية بدلا من الوطنية، خصوصا بسبب تقطيع أوصال سوريا إلى كانتونات هذا من جانب ومن جهة أخرى نشاط الديناميات الطائفية بدلا من الارتباطات بالنخب السلطوية وبشكل خاص في مناطق تمردت على نظام الأسد في الثمانينات من القرن الماضي في محافظتي حمص وإدلب.
لذلك جاء رسوخ النظام السوري في مناطق وقطاعات الأكثر ثراء في المدن، فيما ركزت المعارضة على الضواحي ومشارف المدن ليعزز من الخطوط الاجتماعية الفاصلة خصوصا وأن النظام أهمل تلك المناطق في الماضي.
وعبر موجة الاستياء الكبيرة من النخبة الطبقية في حلب كان نهب المصانع من السمات البارزة لسقوط القطاع الشرقي في أيدي المعارضة، فيما سكان حلب الغربية من الأثرياء لم يكن لديهم خيارات سوى التعاون مع النظام أو مغادرة سوريا.
هناك توازن نشأ في سوريا وتطور عبر قرون عدة كان يحفظ التوترات فيما بين المكونات حيث أغلب سكان سوريا يميلون نحو المحافظة اجتماعيا وهم بين السلفية والصوفية وهذا التوازن لم يجعل لأي من التيارين على أن يظهر في سوريا كأيديولوجية مستقلة، رغم أن النظام السوري حاول أن يظهر التيار الصوفي بأنه الوجه المعتدل للإسلام، وحاول النظام في إطلاق عفاريت التطرف الإسلاموي من القمقم ما لم ينه الغرب العزلة الدولية المفروضة على النظام في أعقاب اغتيال رفيق الحريري عام 2005 لكن هلم ينجح في تغيير التوازن في سوريا.
رغم ذلك لم تحمل الانقسامات الاجتماعية سواء العرقية أو الدينية أية أهمية سياسية في الداخل السوري مع بدء الاحتجاجات لعام 2011 وكان كثير من العلويين البارزين يدعمون الثورة ضد النظام التمييزي العشوائي، لكن الاستقطابات الأيديولوجية أثارت الشكوك الخطيرة على غرار السلفية المستقدمة إلى سوريا التي تعتبر خصوصا التيار الصوفي بأنهم مرتدين عن الإسلام وهي أخلت بالتوازن الموجود في سوريا منذ قرون.
بحلول منتصف عام 2017 استطاع النظام بدعم روسي عبر الحصار الحربي الاستيلاء على معظم المناطق التي فقدها من قبل لصالح قوى المعارضة باستثناء الغوطة الشرقية من دمشق.
وتم إخلاء بلدتين مواليتين لدمشق وطهران في شمال سوريا بشكل كبير من سكانها في عام 2017 في جزء اتفاق تم التفاوض عليه بوساطة قطرية واشتمل الاتفاق أيضا على إخلاء بلدتين معارضتين أخريين بالقرب من دمشق الأمر الذي لم يلق أي اعتراض دولي يذكر.
تفاوتت آثار الحرب تبعا للقوى الخارجية الموجودة في المناطق المعينة، هناك عشائر عربية تسكن شرق حلب وحماة وحمص من المكونات التي لا غنى عنها بالنسبة لمختلف السلطات التي بسطت سلطتها على المنطقة منذ عام 2011، فهناك عشائر حافظت على ولائها للنظام مالت إلى تأمين نفوذها وتوسيع نطاق شبكاتها الاجتماعية.
لكن في شرق سوريا أدى الصراع على المواد الخام إلى نشوب النزاعات القبلية ما أسفر عن اتساع رقعة الانقسامات في المجتمعات المحلية خصوصا في محافظتي الرقة ودير الزور والحسكة تصارعت مختلف العشائر فيما بينها على النفط والغاز حتى ظهور تنظيم داعش وسيطرته على أغلب المناطق عام 2013 وهو ما جعل الولايات المتحدة تزيد من دعمها للأكراد ( وحدات حماية الشعب ) الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني أسفر هذا الدعم عن تقدم وحدات الحماية ضد داعش منذ عام 2014 عن تغيير المشهد المجتمعي الداخلي مرة أخرى وأصبحوا صناع القوة الجديدة في المنطقة.
وبدأت مرحلة حاكم الأمر الواقع التي كان يتبعها النظام السوري بدأ الأكراد يتبعونها، ومنذ بداية الثورة السورية تعاون الأكراد مع النظام السوري ضد الاحتجاجات المناهضة للنظام حتى توسعت منطقة سيطرة الوحدات لتشمل كل المناطق الكردية والعربية قامت مقام النظام السوري انقسمت إلى ثلاثة أقسام منذ عام 2014 الجزيرة في محافظة الحسكة الشرقية، وعفرين على مقربة من مدينة حلب، وكوباني ( عين العرب ) الواقعة بين الجزيرة وعفرين.
بعدما رسخت الوحدات سلطاتها بدأت في بيع القمح للنظام السوري وتولي صفقات النفط في بلدة رملان بمحافظة الحسكة وهي أكبر حقول النفط السورية، ولم تطالب الوحدات الولاء فحسب من شخصيات المجتمع الكردي والعربي لهم بل يجب أن يكونوا مخلصين لعبد الله أوجلان كي يحوزوا على مصالح من جانب الوحدات.
اتجه الأكراد إلى أقامة مجالس عسكرية وإدارات محلية التي تستهدف الشخصيات العربية البارزة بالمناصب الرفيعة من أجل شراء الولاءات من بعض القبائل العربية المحلية، لكن عمليات صنع القرارات الصعبة تبقى مقصورة على وحدات حماية الشعب.
يتكرر تشكيل عقد اجتماعي جديد على غرار العقد الاجتماعي الذي تشكل في زمن الأسد، كان أحد أبرز أسلحة العقد الاجتماعي الجديد أو حاكم الأمر الواقع هو التطهير العرقي الموجهة بصورة أساسية ضد السكان في مناطق المعارضة، والخطير في الأمر أن المليشيات المدعومة من إيران هم السادة الجدد في كثير من المناطق التي اقتلع سكانها من جذورهم وفروا بحياتهم إلى الدول المجاورة بأعداد هائلة هربا من الانتقام والإبادة الجماعية، وتركزت عمليات نقل السكان حول دمشق والمناطق المحيطة بها وفي محافظة حمص القريبة.
وقالت وكالة أنباء الأناضول التركي في تقرير في 29/7/2017 بأن مليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردية حصلت على 180 شاحنة محملة بالأسلحة الأميركية خلال الأسبوع الأخير قبل 29 التي أرسلت على دفعتين خلال أسبوع إلى مدينة الحسكة شمال مدينة الرقة معقل داعش، ولفت التقرير إلى أن مائة شاحنة دخلت في 22 يوليو 2017 و80 أخرى وصلت إلى الحسكة، وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة أرسلت 629 شاحنة محملة بالعتاد العسكري بما فيها أسلحة ثقيلة وذخيرة في الفترة بين 5-17 يوليو 2017 لتحرير الرقة الذي أطلقنه الولايات المتحدة في 6 يونيو 2017.
وتقدم الولايات المتحدة دعما عسكريا لوحدات حماية الشعب منذ أبريل 2016 مما يثير غضب تركيا التي تخشى من نشوء كيان كردي على حدودها الجانبية التي تسيطر على مناطق واسعة من محافظة الحسكة شمال شرق وتمتد إلى الريف الشمالي لمحافظة الرقة، وحتى مدينة منبج بريف حلب غرب الفرات فضلا عن منطقة عفرين شمال غرب، ويفصل المنطقتين قوات درع الفرات المكونة من وحدات الجيش السوري الحر المدعومة من الجيش التركي التي تمكنت من تحرير مناطق واسعة من الريف الشمالي لحلب تشمل مثلث جرابلس-أعزاز-الباب، وسط تكهنات تتصاعد بين الحين والآخر حول عملية موسعة باسم سيف الفرات تستهدف مناطق سيطرة الأكراد في شمال سوريا ولا سيما جيب عفرين.
انعكس واقع التجزئة والتناقضات الداخلية بين المليشيات التي أخضعت لها المجتمع، ولا يزال حزب الله من أقوى المليشيات وأوسعها انتشارا رغم ذلك تقوضت قوتها أثناء وجوده داخل سوريا خصوصا وأن المليشيات الشيعية المستقدمة من أفغانستان ومناطق آسيا الوسطى تركز على السلب والنهب أكثر من اهتمامها بالأيديولوجية التي يؤمن بها حزب الله، لأن حزب الله لديه استراتيجية السيطرة على طول الخط الحدودي مع لبنان من القصير وحتى الزبداني التي سقطت في أيدي حزب الله، لكن ما عدى ذلك فإن حزب الله وبقية المليشيات المستقدمة لم تفلح في تقويض الوجود الاجتماعي الذي ثار ضد الأسد، كما أنهم أخفقوا حتى في تأسيس إدارة متماسكة.
من شأن التغييرات الاجتماعية أن تنعكس على الواقع السوري بأسره حتى وإن استطاع النظام السوري بدعم روسيا وبالتنسيق مع أمريكا أن يستعيد سيطرته مرة أخرى على معظم المناطق السورية، لن يعود الوضع إلى سابق عهده بعدما بات تفكك الطبقات المجتمعية أكثر عمقا وأكثر تنوعا عن ذي قبل.
ومن غير المحتمل أن تتقبل الجهات الفاعلة حديثا في العودة إلى حالة الوضع السابق، وإن أسفرت المناورات الدولية الحالية عن اتفاق يحفظ ماء وجه النظام الحالي، سيواجه النظام تحديات وصعوبات جمة خصوصا في تهدئة غضب سكان الريف، وأن يواجه نفس الأزمة مع وحدات الشعب في شرق سوريا التي اعتمدت أسلوب النظام، ولا تزال نزاعات الأراضي بين الأكراد والعرب تفسد الصلات بين الأكراد والعرب، خصوصا وأن الأكراد لا تعتد إلا على أمريكا ومعروف أن أمريكا تغيير مواقفها بسرعة وحسب مصالحها عندها ستكون في مواجهات مع العرب خصوصا المدعومين من تركيا.
الهياكل المجتمعية في سوريا تعاني من فقدان الثقة بين مختلف مكونات المجتمع المجزأ ستعيق الوصول إلى حل شامل وديمقراطي للحرب السورية، ورغم أن هذه المقاربة التي يمكن الوصول إليها بين مكونات المجتمع السوري إلا أنها ستكون بغيضة للقوى الخارجية المنشغلة للغاية بترتيبات جيوسياسية التي تعتقد أن تلك المقاربة ستنتهي لصالحها خصوصا إيران ومليشياته.

لا تعليقات

اترك رد