امتلاك المشكلة


 

ما معنى ان نمتلك مشكلة؟ سؤال يمكن ان يكون غير منطقي بعض الشيء ولكنه في الواقع سؤال جوهري بالنسبة لنا كعرب و عراقيين بشكل خاص.

لا احد في هذه الحياة ليست له مشاكل تشغل باله و يتمنى حلها. ولكن ان تكون لك مشكلة او مشاكل متعددة، فهذا لا يعني بالضرورة انك “تمتلك المشكلة” فهناك فرق شاسع بين هذا و ذاك، ولكننا لا نراه. ملكية المشكلة تخولنا بالتصرف بها و كأنها احد الممتلكات الشخصية كالسيارة أو البيت او الهاتف المحمول. و في هذا الحال تطبق قوانين الملكية على “المشكلة” كما تطبق على الملكيات الملموسة كالبيع و الشراء و المتاجرة.

في اغلب الأحيان ارى و أقرأ عن “المشاكل” و قل ما أرى أو أقرأ عن الحلول و كأنما نصر نحن على امتلاك المشكلة من دون البحث عن الحل لها.

في الواقع ملكية المشكلة من دون إيجاد حل لها هو شيء نبرع به نحن العرب بامتياز، و خصوصا الشعب العراقي، حيث اننا كعراقيين نعتز بتراث العزاء، حتى أن الشعر الشعبي يسمى “البوذية” (ابو الأذية) وهي كناية على العراقي الذي يبث حزنه و المه من خلال رباعيات شعرية تكون في غاية الروعة من المنظور الأدبي و لكنها كارثة بالنسبة للإنسان، لأنها لا تعطيه حل علا الإطلاق. و هنا مربط الفرس.

نحن كشعوب و أفراد بغض النظر عن منزلتنا في المجتمع، نتمسك بملكيتنا للمشكلة من دون المحاولة للتخلص منها و ذلك لكي نستطيع المتاجرة بها!

نعم، انا اقولها بكل صراحة، نحن نتاجر بالمشكلة و لا نريد حتى ان نحلها وذلك لكي نحصل على مكاسب مادية و غير مادية بالمتاجرة بالمشكلة.

فالإنسان العادي الذي لا يمتلك قدرة تغيير العالم، ذلك الإنسان يعزو فشله للمشكلة، و يستطيع حينها ان يبرر لنفسه فشله و ايضا تصرفه الخاطئ. فنرى على هذا الكثير من الأمثلة، بدايتا من تبرير التجاوز على القانون و إهمال المسؤولية بشكل عام و مرورا بالتذمر الدائم من الوضع السياسي و الأمني و انتهاء بالهجرة و طلب اللجوء في ا الدول الغربية بذريعة المظلومية. و لا ننسى المهزلة الحاصلة في مطالبة الحكومة بالتعويض على شيء حصل بحقبة البعثيين حتى و لو لم يكن الشخص المعني متضرر فعلا، و كأنما الوطن اصبح بقرة يجب ان تحلب الى اخر قطرة

اما الإنسان صاحب القدرة على التغيير، فحدث و لا حرج. المسؤول السياسي يتاجر ببراعة بالمشكلة، فمن المبادئ الاساسية في هذه التجارة هي انتحال شخص البطل المقاوم المعارض المجاهد للنظام البعثي البائد و لا يحق لأحد حينها مطالبته بالأداء او ملاحقته على خطأ يقترفه، ففلان معارض مخضرم و لديه حصانة بهذا اللقب.

ايضا يتاجر المسؤول بالمشاكل التي تحدث، فالكل يهاجم الفساد (بالكلام) و لكن و مع هذا يغرق البلد ببحور الفساد.

أيضا يتاجر المسؤول بالحالة الامنية و حتى داعش، فالكل تراه يحشد و يحث على محاربة الإرهاب من دون تقديم أي حلول منطقية و ناجعة، و تستمر الانفجارات لتأكل من لحم البشر و تشرب من دمائه.

انا لا احاول هنا ان امتلك المشكلة، فليس لي منفعة او حاجة لهذا، ولكني اعرض المشكلة في سياق بحث عن حلول حقيقية، و الا ما فائدة الكاتب أن لم يفد مجتمعه؟

لا تمتلك المشكلة، فتلك بضاعة بالية و انما فكر و انتج حل، تحرك و احدث تغيير. نعم يمكنك ان تقول بأن هناك مشاكل لا حصر لها، و لكن إن لم تغير من شيء فلن تسهل الأمور، و إن كنت لا تستطيع أن تغير العالم، فعلى الأقل غير من نفسك، من افكارك و من سلوكك.

ان لم تكن جزء من الحل فأنت جزء من المشكلة.

لا تعليقات

اترك رد