للعراق عطر الحرب


 

افكر احيانا بسذاجة، في ظهيرة احد ايام تموز من الزمن الاغبر وهو مازال قائما، غطست قدمي في الاسفلت، تخيلوا هذا الاسفلت الذي وضع ليكون طريقا سالكا للسيارات صغيرها وكبيرها، خفيفها وثقيلها، يلين بحرارة شمس العراق، ويصبح كاسفنجة طويلة ممتدة على الارض فغطست قدمي فيه، والسذاجة هنا ان اكتب ان الناس على جانبي الشارع وفي تلك اللحظة كانوا يشربون الشاي حارا مغليا وليس دافئا وبعضهم يستمتع بسيكارته، والعرق يتصبب من جباههم فيحرق ملحه عيونهم، يضع شارب الشاي منهم سيكارته و(استكان) الشاي في يد ويمسح جبهته وعينيه باليد الاخرى وينظر الى الاعلى ليتاكد ان الشمس هي التي تسبب كل ذلك، تلك الصورة عراقية فريدة خالصة، لا احد غيرهم عانى من حرارة الشمس بالطريقة التي عانوا منها، وان وجد اخرون في اماكن اخرى من الكوكب فان وسائل التخفيف متنوعة ومتعددة..

يحيل البعض تصرفات الناس الى الطبيعة التي يعيشون فيها، الانسان مثله مثل سائر الكائنات، ابن طبيعته، علوم الاثنولوجيا التي تهتم بالسلالات تحيل هيئة الانسان الى طبيعته، وفق قاعدة (طومسون) مثلا، فان الانوف تتغير وتتحدد اشكالها بحسب المناخ فمن ينحدر من مناطق باردة وجافة تكون انوفهم رفيعة طويلة ومن ينحدر من مناطق دافئة رطبة تكون انوفهم عريضة قصيرة، وعلماء النفس يحيلون سلوك الانسان الى محددات منها محيطه الاجتماعي وبيئته، قادتني هذه الافكار الى النظر بالتقلبات التي يعيشها العراقي، مناخنا في العراق لايعرف الوسطية ابدا، اما حار حارق خارق في الصيف واما بارد زمهرير صريم في الشتاء، لاربيع ولاخريف فهما ملحقان بما قبلهما وبعدهما، وجاءت مواقفنا وسلوكياتنا حادة متقلبة كمناخنا، فليس لنا ثبات، ليس في السياسة فقط بل حتى في علاقاتنا الاجتماعية، ولكن لأن ما يتعلق بنا يبقى شخصيا ولا يشكل قاعدة فان المواقف السياسية او التي تقترب منها كسلوك عام تبقى هي المؤشر خاصة في بلد مثل العراق شهد تقلبات من اليمين الى اليسار، ومن الامام الى الخلف بسرعة لاحدود لها، ان تحارب ايران وان ترتمي في احضانها ، وان تتهم السعودية بالارهاب وان تنسق معها لمكافحته ، ان ترفض الاحتلال وتحتمي بمظلته، ان تحارب الفساد وتنغمس فيه، ان تدعو الى الاصلاح وتكون جزءا من الخراب، ان تكون معمما وتدعو للمدنية والعلمانية، ان تؤمن بالعراق وتسن قانونا للعشائر، ان تؤمن بوحدة العراق وتدعو للتقسيم والاقلمة، تدعو لاقامة العدل وتخرق القانون وتظلم الناس، تدعو لحصر السلاح بيد الدولة وانت من انشأ الميليشيات، ان تؤمن بالله وتؤدي العبادات وانت من نهب وسلب وخطف وقتل واشاع القهر والظلم وايتم الاطفال وكسر قلوب الامهات، والكثير من المتناقضات في شخصية واحدة، بشكل عام هي شخصية العراقي الذي نشأ كل جيل منها متاثرا بسيل عارم وحركة باتجاه واحد، ولان حركاتنا متغيرة ومتناقضة فقد جاءت تصرفاتنا بنفس الترتيب والانسجام، رفاق الحزب المؤمنين بالقومية والعروبة قبل الاحتلال هم اليوم مشايخ ومعممون طائفيون حد النخاع..

ربما يشترك بعض ابناء عمومتنا بصفات من التي ذكرتها، الا ان العراقيين كانوا على مدى تاريخهم، قريشيون اكثر من قريش، ومغوليون اكثر من المغول وتتريون اكثر من التتار، وعثمانيون اكثر من الاتراك، وفلسطينيون اكثر من الفلسطينيين، وفرسا اكثر من الايرانيين.. العراقيون هم الوحيدون الذين يشربون الشاي بلذة وانتعاش اكثر تحت اشعة الشمس، بما يماثل أن تشرب السفن آب وتنتعش..

تناقض الطبيعة ذاتها لم يكن ليمضي دون اثر على النفس، فاراه من يتسبب في اندفاعنا نحو كل شيء، قبيح او حسن، جديد او قديم، اندفاع يعقبه ردة بذات القوة ولكن عكس الاتجاه، وهكذا كانت تصرفاتنا في حبنا للملوك قبل ان ننقلب عليهم فقطعنا اجسادهم كالجزارين وسحلنا بعضها في الشوارع، هكذا ايضا احببنا

الزعيم قاسم ثم قتلناه متهمين اياه بخيانة الثورة، ثم فدينا صدام بالروح وبالدم ومن ثم خذلناه وسحلنا تمثاله في الشوارع، ومع كل تلك التجارب، لا يدرك هؤلاء الذين تصلي الجموع ورائهم اليوم أن لهم موعد معنا، وعلى مدى خمسة عقود من حياتي لم ار العراق إلا محاربا متصارعا مع نفسه او مع جيرانه، والفسحة الوحيدة التي شهدتها بين انتهاء الحرب مع ايران واحتلال الكويت كانت فسحة مضجرة، اشتقنا فيها جميعا الى صور من المعركة حيث الجثث المتناثرة، وحيث الدماء النازفة، اشتقنا الى اي فعل قوي وحركة تهز السكون وتقطع الصمت، لايهمنا الاعمار والتنمية والتقدم، لايهمنا رصانة التعليم والصحة، لايعجبنا الهدوء، ولدنا مع البارود واليه ننتمي، فللعراق عطر خاص هو عطر الحرب..( وياكاع ترابج كافوري)..

لا تعليقات

اترك رد