قضايا السينما العربية


 

ضم كتاب العربي المسوم بعنوان ” قضايا السينما العربية” مجموعة مقالات قيمة تحلل وتناقش مجموعة قضايا تتعلق بمختلف قضايا السينما العربية في ظل التطور التكنولوجي، وفي إطار مواكبة تنافس السوق العالمية، لمجموعة من الأقلام في النقد السينمائي، كتبت ما بين بداية التسعينات إلى حدود سنة 2012، وتتطرق المقالات إلى بداية السينما على يد الإخوة لوميير وكيف تطورت في البلدان العربية منذ عصر السينما الصامتة مرورا بالسينما الناطقة. وقد كتبت هذه المقالات في فترة عرف خلالها العالم عدة تغيرات سياسية انطلاقا من حرب الخليج، والقضية الفلسطينية، ومرحلة ما قبل وخلال وما بعد عدد من الأنظمة العربية، وما قبل وما بعد الربيع العربي. وهي مقالات منتقاة بعناية لتشكل سلسلة أحداث وقضايا سينمائية تصب في جوانب إنسانية واجتماعية وسياسية واقتصادية، ناهيك عن توثيق مراحل مهمة للسينما العربية واستشراف مستقبلها.

يشتمل الكتاب على مقدمة بقلم رئيس تحرير مجلة العربي الدكتور سليمان إبراهيم العسكري، وأكثر من عشرين مقالة نشرت في مجلة العربي ما بين سنة 1994 و2006، ورغم قدم هذه المقالات فبعضها يؤرخ لفترة مهمة من تاريخ السينما العربية، وبعضها الآخر لا تزال تواكب القضايا الحالية للسينما العربية. وهي مقسمة إلى ثلاثة أبواب.
الباب الأول:
يتضمن هذا الباب موضوعين الأول بعنوان:”قراءة نقدية في أزمة السينما العربية.. الفن السابع يتراجع!!” بقلم “نديم جرجورة” تطرق فيه إلى معاناة السينما العربية في تسعينات القرن العشرين من مجموعة أزمات اختصرها في غياب المخيلة الإبداعية، وضعف المعالجة الدرامية، وقلة الموارد المالية. معتبرا السينما المصرية، رغم تراجع نوعية نتاجها البصري وكميته، لا تزال عاصمة الفن السابع ومرآة السينما العربية، عكست عبر التاريخ إلى جانب السينمات العربية الأخرى العديد من القضايا الإنسانية والاجتماعية والوطنية والحياتية مستجيبة للشروط الجمالية والفنية. ومواكبة للتحولات الحضارية والفكرية. كل هذا جعلها تتبوأ مكانة مهمة في المشهدين العربي والغربي. غير أن الأعمال السينمائية التي اخترقت الحاجز الغربي لم تتنازل كلها عن التزام أصحابها بقضايا الفرد والجماعة، قوميا أو إنسانيا، عربيا أو عاما. في مقابل هذا تهافتَ مخرجون عرب، بعد إدراكهم سر اللعبة الدولية، على الأمجاد الأوربية وأنتجوا أفلاما على نمط الذوق الغربي على حساب الذات.
ويختصر أزمة السينما العربية، انطلاقا من بيان لجنة التحكيم الخاصة بالدورة السادسة والعشرين لمهرجان “جمعية الفيلم المصرية” في مارس عام 2000، ويصف هذا البيان بكونه كان جريئا في خطابه النقدي، ويمكن بسهولة تحويله من معاينة خاصة بالسينما المصرية إلى قراءة أعم وأشمل للنتاجات السينمائية العربية الأخرى. وتنحصر هذه الأزمة في غياب النص السينمائي المتكامل ثقافيا وفنيا وتقنيا، أي غياب السيناريو الجيد، والمعالجة الدرامية المعمقة، والحوار المتماسك، وبالتالي غياب البناء الداخلي السوي للشخصيات والسياق الحكائي، وتطور الأحداث.
واستقى مجموعة من الأمثلة لمختلف الأعمال السينمائية المصرية التي عالجت الصراع الدرامي العربي-الإسرائيلي، أو تناولت الصراع الحضاري في إطار العولمة والتواصل مع الآخر، أو انتقدت التحالف الخفي بين الرأسمالية والتطرف الديني الإسلامي. كما استقى مجموعة من الأفلام السينمائية المصرية التي ركزت على النجاح التجاري السهل عن طريق تقديم مشاهد تعتمد على الجنس والنكتة. هذه الصورة القاتمة عن السينما المصرية تنطبق على غالبية الإنتاجات البصرية العربية. وهذا لا ينفي وجود أعمال في عدد من الدول العربية أبانت عن استمرار اللغة الإبداعية في ابتكار أنماط آسرة من التعبير البصري الجمالي كسوريا (التي توقفت عن إنتاج أفلام روائية طويلة نهاية التسعينات بعد سنين من الأعمال الجادة) التي ساهمت في تطوير السينما العربية إلى جانب المغرب العربي وفلسطين ولبنان.
في النهاية يطرح الكاتب مجموعة أسئلة في ظل التطورات التقنية والحضارية والفكرية والعلمية عما إذا كنا سنتوصل إلى حل لأزماتنا المتنوعة.
الموضوع الثاني بعنوان:” الفانتازيا في السينما العربية.. هل هي ضحية أم محاكاة” لأحمد رأفت بهجت. ويتمحور حول ظاهرة جديدة في السينما بداية التسعينيات ألا وهي سينما الفانتازيا، وعما إذا كانت هذه الظاهرة أضافت بعدا جديدا يعبر عن الواقع بعيدا عن النهج التقليدي؟ أم أنها تؤدي فقط إلى ظهور مسوخ سينمائية جديدة؟
عرفت مصر سينما الفانتازيا بعد الحرب العالمية الثانية وكمثال على ذلك يتطرق المقال إلى أفلام ثلاثة “سفير جهنم”(1945) ليوسف وهبي، و”موعد مع إبليس(1955) لكامل التلمساني، و”المرأة التي غلبت الشيطان” (1972) ليحيى العلمي. وهي أفلام قدمت عن أسطورة فاوست، واعتمدت على تيمات غربية تلاءمت مع المعالجات المهنية رغم ما شابها من عيوب في الرؤية الفكرية أو التنفيذ. ثم ظهرت أفلام خلال الثمانينات وبداية التسعينات غلفت القضايا الاجتماعية بأجواء الفانتازيا تمثلت في عدد من الأعمال مثل”وقيدت ضد مجهول” (1981) لمدحت السباعي، و”أنياب” (1981) لمحمد شبل، و”الحب في الثلاجة” (1992) لسعيد حامد.
ويتطرق الكاتب إلى أعمال المخرج والسيناريست”رأفت الميهي” الذي كان دؤوبا على توضيح هدفه الاجتماعي من خلال الفانتازيا في أفلامه”الأفوكاتو”(1984)، و”السادة الرجال” (1987)، و”سمك.. لبن.. تمر هندي” (1988)، و”سيداتي آنساتي”(1991)، والتي يتباين المستوى الفني فيها، وتفتقد بعضها للصياغة الدرامية. وفي نفس الفترة قدم مخرجون أفلام الفانتازيا أمثال كمال الشيخ في فيلمه”قاهر الزمن” 1978 حيث قدم رؤية علمية عن التجميد للجسد البشري، وفي نفس العام أخرج صلاح أبو سيف فيلمه”البداية” يدور حول جماعة من الأشخاص تسقط بهم طائرة في الصحراء، فيقيمون حياة اجتماعية يسيطر فيها من يملك القوة والقدرة على الاستغلال. ثم يوسف شاهين الذي تمتد جذور أفلام الفانتازيا عنده إلى فيلمه الأول”بابا أمين” 1950، وفيه يتابع شبح أب حياة أسرته بعد موته، ويتصاعد هذا الأسلوب في الجزء الأول من ثلاثية سيرته الذاتية”حدوتة مصرية”(1982)، ويصل إلى ذروته في الجزء الثالث “إسكندرية كمان وكمان” (1991).
وتعتبر العلاقة بين الإنسان والشيطان منبعا خصبا لأفلام الفانتازيا أوضح ما تكون في الحلف المشهور بين فاوست والشيطان الذي جسدته السينما المصرية في الأفلام التي سبق ذكرها. وهذه العلاقة نجدها في أفلام سابقة وتالية لهذه المرحلة ومنها”عيون ساحرة(1934) لأحمد جلال، وفي مجموعة أفلام التي توالى ظهورها منذ عام 1985 وحاولت أن تقدم الجن والأرواح كموضوع أساسي لها مثل “بصمات تحت الماء” من إخراج يس إسماعيل يس، و”الرقص مع الشيطان” (1993) لعلاء محجوب.
الباب الثاني:
تضمن هذا الباب مجموعة من القضايا التي تتعلق بالسينما العربية، ويحتوي على ست مقالات، يتحدث سمير فياض في مقالته تحت عنوان:”السينما والإعلام الصهيوني” عن السينما الصهيونية التي تخدم هذه الحركة سواء صورت في أرض فلسطين أو خارجها، وسواء صنعها يهود أو غيرهم. وينقسم تاريخ السينما الصهيونية إلى مرحلتين: الأولى قبل إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين، والثانية بعد إنشائها. ففي المرحلة الأولى كان الهدف هو إنشاء الدولة، وفي الثانية تثبيت وجودها. حيث اعتمدت في المرحلة الأولى على تيمه اضطهاد اليهود في ظل النازية والفاشية في أوربا قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك من أجل تبرير إنشاء دولة يهودية في فلسطين. وفي المرحلة الثانية اعتمدت السينما الصهيونية على موضوع الحروب العربية الإسرائيلية، تم تناول هذه الحروب بحيث تصبح حرب 1947 حرب”الاستقلال”، وتصبح الحروب التالية حروب دفاعية تدافع فيها الدولة الصغيرة المسالمة الديمقراطية عن وجودها الضعيف اتجاه الدول العربية القوية والكبيرة، فتم غسل دماغ البشرية كلها بهذه الأفكار، ساعد على ذلك ضعف السينما العربية، وضعف الإعلام العربي بصفة عامة. وخصوصا ضعف المؤسسات السينمائية والإعلامية. فقوة الإعلام الصهيوني تكمن في قوة مؤسساته، ووجود اليهود القوي في أسواق السينما العالمية، وأسواق الإعلام الغربية العملاقة. في المقابل فإن أسواق السينما العربية أسواق عشوائية، فهي لا تعرف نفسها ثقافيا ومعلوماتيا في حاضرها وماضيها ومستقبلها. مما يجعلها تفشل في مواجهة السينما الصهيونية التي تمتلك عشرات المؤسسات السينمائية والتلفزيونية والإعلامية التي تخدم أهدافها وتعرف كل شيء عن حاضرها، وتخطط لمستقبلها.
الموضوع الثاني بعنوان:”المرأة والسينما العربية” لمنى فياض، وتتطرق فيه الكاتبة إلى الوضع المتردي للسينما العربية، والمسؤول عنه، وتتساءل عن دور المرأة في هذا الميدان؟ وهل يجدر بنا متابعة تشجيع المرأة وإقامة الندوات حول أفلامها وإنتاجها الإبداعي؟ وتتطرق أيضا إلى صورة المرأة في أفلام حديثة مقارنة بالأفلام العربية التقليدية. وتعتبر أن المرأة في العالم العربي لا تزال تعاني التمييز والتهميش في الكثير من القطاعات والميادين، حيث نجدها موجودة في السينما العربية منذ بداياتها، في وقت كانت لا تزال تناضل فيه كي تخلع الحجاب، ويسمح لها بالدخول إلى الجامعة، وهي لم تعمل في ميدان التمثيل فقط في السينما، بل في إنتاج الأفلام وإخراجها أيضا. كما عملت في تأسيس شركات سينمائية بكثافة، إلا أن مؤرخي السينما العربية يتجاهلون ذكر دور النساء الرائد في السينما المصرية، وتعطي أمثلة لهذا التجاهل من طرف وسائل الإعلام، فتسرد مجموعة من الرائدات في السينما العربية، والمجالات التي تقبل عليها في صناعة السينما كالمونتاج والإخراج..
الموضوع الثالث بعنوان: “الهامشيون على شاشة السينما العربية” لأحمد يوسف. والهامشيون مصطلح ساد الثقافة الغربية خلال الربع الأخير من القرن العشرين، ثم انتقل إلى ثقافتنا العربية. والكلمة توحي أن لهؤلاء عاداتهم وطقوسهم الخاصة في حياتهم اليومية، وهو عالم مغلق لا يريد أو لا يراد له الذوبان في المجتمع. ورسخ هذا المفهوم عدة تجسيدات أدبية وفنية، وفي السينما خير مثال الفيلمين اليوغسلافيين “قابلت غجرا سعداء” و”حياة غجري” والفيلم الأمريكي”الشاهد” الذي يدور حول طائفة”الأميش”.
والسينما المصرية بدورها استوردت مصطلح “الهامشيون” وأطلقته على الفقراء أو “العاطلين” أو “ساكني الأحياء الشعبية” فاستخدمته كذلك الكتابات الصحافية والنقدية من دون تأمل معناه الحقيقي، لأن الفقراء يشكلون نسبة كبيرة من المجتمع، وهم بذلك يمثلون “المركز” وليس الهامش. وهناك طريقتان لتناول حياتهم: الأولى أن تراهم كائنات غريبة لها عالمها الضيق شديد الخصوصية، والثانية أن تنظر إليهم باعتبارهم شريحة من الواقع الأكبر، ولا تنفصل عنه. وتوقف الكاتب عند فيلمين سينمائيين مصريين جسدا هاتين الرؤيتين هما فيلم”حين ميسرة” (2007) لخالد يوسف وفيلم “سارق الأحلام” (1995) لداود عبد السلام، فكلاهما يدور عن “البشر” الذين يقيمون في أحياء عشوائية على أطراف القاهرة، لم يجدوا متسعا لهم في المدينة، فأقاموا عالما خاصا بهم مصنوع من عشش خشبية وصفيح وحجارة.
يشكل البعد الوجودي في فيلم”سارق الفرح” تأكيدا على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لساكني الحي العشوائي الذين يعيشون العطش العاطفي والرغبة في الإرتواء. فهم “بشر” لهم أشواقهم وأفراحهم وآلامهم، وليسوا مجرد “كائنات تحركها” غرائزها. فهم يحلمون ببيت وسكن ووطن وحياة تليق بالبشر. لكن الظروف الخانقة تقتل هذه الأحلام وتضطرهم للتنازل عن جزء من كرامتهم. ويتساءل الكاتب بلسانهم، فلماذا نفرغ إحباطاتنا في العدوانية المتبادلة؟ هل يجب أن ننتقم من بعضنا البعض بدلا من أن نوجه انتقامنا لمن صنعوا هذه الظروف القاسية؟ هذا هو السؤال الذي ينتهي به “سارق الأحلام”. وحسب الكاتب فقد كان من المنتظر أن يعيد فيلم “حين ميسرة” طرح هذا السؤال بعدما يزيد على عقد كامل، ولا تزال الظروف على حالها وربما أسوأ، خصوصا أن الفيلم يبدأ بعناوين كبيرة من الصحف تتحدث عن “خمسة عشر مليونا يسكنون العشوائيات” و”ثلاثون مليون مصري تحت خط الفقر”.
يحلل الكاتب حيثيات الفيلم، ويقارن نقاط التقائه مع الفيلم الأول عبر سرد عشرات التفاصيل المتشابهة، ويقارن بين البطلين في الفيلمين معا، ورحلة البحث في حياة يسودها الغموض وكل ما هو غريب وعجيب في عالم مغلق متهالك اقتصاديا واجتماعيا. وفي النهاية يطرح السؤال التالي: أية حياة جميلة رائعة يستطيع هؤلاء صنعها لو أتيحت لهم الشروط الإنسانية لتحقيق الذات؟.
الموضوع الرابع بعنوان: “بدايات سينمائية ل(الربيع العربي).. أسئلة الراهن والصورة” لنديم جرجورة.

تمخضت السينما العربية، نتيجة الحراك الشعبي العفوي الذي شهدته تونس ومصر، عن أفلام سلطت الضوء على واقع الحال أثناءه وبعده بوقت قصير، وعلى تأثيراته في الميادين الأخرى كالجزائر مثلا. وتنوعت أشكال الآلة الإعلامية التي انبثقت من هذا الحراك أبرزها ما التقطته الهواتف النقالة وآلا تصوير رقمية صغيرة الحجم، واعتبر الكاتب هذه الصور بمنزلة تقديم ملائم للإنتاج السينمائي، حيث نقلت وقائع الحراك اليومي إلى العالم. ولذا فهي محتاجة إلى أرشفة لحمايتها من الضياع، وإلى قراءة نقدية تبدأ بالفني لتبلغ السياسي والثقافي والاجتماعي والفكري والإعلامي.

وحسب الكاتب فالإنتاج السينمائي الروائي محتاج إلى مسافة زمنية تبعده قليلا عن الحدث وغليانه بهدف تفعيل رؤية أوضح وأهدأ. وقد شارك سينمائيون في التظاهرات وصوروها. بعضهم قرر انتظار لحظة مقبلة لتحقيق فيلم روائي طويل، وبعضهم الآخر حقق فيلما أو أكثر في تونس ومصر.. وقد بدت الأفلام الوثائقية الروائية القصيرة أفعل حضورا وأقدر على مواكبة اللحظة.

ويعطي الكاتب مجموعة من المخرجين الذين واكبوا تداعيات الربيع العربي في كل من مصر وتونس والجزائر، ويعتبر أن الوثائقي طاغ في لحظة التخبط والحماسة والغليان، ولأنه الأقدر على مواكبة الحدث أثناء اندلاعه والتقاط حيوية اللحظة، والنبش في جذور الحدث، وكذا الأفعل في قراءة الآني والسعي لفهمه. أما الروائي فيحتاج إلى مسافة زمنية، ولحظات هدوء وصفاء، وإلى إعمال المخيلة والتفكير بعيدا عن لحظة الحدث وراهنية انفعاله ولو قليلا.

الموضوع السابع بعنوان:” السينما التسجيلية العربية” لفؤاد التهامي الذي يعتبر أن مؤرخي السينما العربية لا زالوا مختلفين حول بداياتها الروائية والوثائقية والتسجيلية، ويستعرض تاريخ الصورة التي بدأت باللعبة البصرية، أشهرها لعبة عجلة الحياة(زيوتروب)، ثم نوع متقدم من هذا النوع من اللعب يسمى(موتوسكوب)، بعدها التصوير الفوتوغرافي على ألواح من الزجاج.. وفي عام 1887 اخترع الإنجليزي”فريز جرين” كاميرا سريعة الحركة، ثم اخترع أديسون جهاز “كينتوسكوب” عام 1889. وفي عام 1895 اخترع الأخوان لوميير جهاز السينماتوجراف الذي الذي يتيح عرض الصور المتحركة على شاشة بيضاء أمام عدد كبير من المتفرجين.
في عام 1895 نظم الإخوان لوميير عرضا للسينماتوجراف بباريس، وفي العام الموالي نظما أول عرض في إنجلترا ليشق هذا الاختراع طريقه عبر بلدان العالم. في حين بدأ المصريون يواكبون ما حدث في أوربا عن طريق الصحافة، حيث نشرت جريدة الأهرام عام 1896 أول مقالة عن السينماتوجراف أو التصوير المتحرك”. وفي نفس السنة نشرت جريدة “لاريفورم” التي كانت تصدر باللغة الفرنسية خبرا عن بدء عروض السينماتوجراف في الإسكندرية، وكان أول عرض في تونس في نفس الفترة، لتتوالى العروض في سورية وفلسطين 1908، وفي السودان 1912، لتشمل باقي الدول العربية.
في عام 1887 تم تصوير مناظر مصرية في عدة مدن كالإسكندرية والقاهرة من طرف المصور “بروميو” المهندس الأول بدار لوميير. وكذلك في تونس في نفس العام، والعراق 1909، وسورية 1916، والسودان 1934 ثم باقي الدول العربية.

ويعتبر الكاتب أن الصورة المتحركة التي عرضت خلال الإثني عشر عاما (1907 – 1919) هي سينما توثيقية. وكان عرض “الاحتفال بجنازة المغفور له مصطفى كامل” عام 1909، وكذلك عرض “رحلة سعد زغلول لفرنسا” عام 1919 هما البداية الحقيقية للسينما التسجيلية المصرية رغم السنوات العشر التي تفرق بينهما. في سورية كانت الأفلام التي بدأ إنتاجها وتصويرها “نور الدين الرفاعي” هي البداية الحقيقية للفيلم التسجيلي السوري. وقد واكبت السينما التسجيلية في الجزائر حرب التحرير الوطني التي بدأت عام 1954.
والفيلم التسجيلي يزدهر في حالتين: الأولى أن ينتمي إليه ويصنعه فنان مناضل، والثانية توافر المناخ الديمقراطي الذي يفجر الطاقات المبدعة الكامنة في سكان هذا الوطن العربي، ولقد تطور الفيلم التسجيلي العربي، وتناول مختلف القضايا العربية.
المقالة الثامنة بعنوان” الواقع الإنساني في الفيلم العربي الوثائقي” لنديم جرجورة، الذي يرى أن السينما العربية تفتقد الحرفية المهنية والإبداعية في الفيلم الوثائقي، وتسرف في اعتماد أشكال باهتة في معاينة الواقع. ورغم كثرة إنتاج الأفلام الوثائقية في عدد من الدول العربية وفي عواصم الاغتراب العربي، فإن أغلبها لاتتحرر من التقليد المباشر والخطابية.
ويرى الكاتب أنه في مقابل هذا تم إنتاج أفلام وثائقية، عكست تفتحا معرفيا ووعيا جماليا ودراميا بمكونات الفيلم الوثائقي، واجهت تحديات مختلفة، وغرفت من الواقع مواد إنسانية لمعاينة التحول والتمزق وأفق المستقبل من خلال شخصيات من صلب المجتمع، ومواضيع منتقاة من الذاكرة الفردية والجماعية، أو من اللحظة الآنية لفهم آثار الماضي، وتداعيات المستقبل.

لقد قدمت السينما الوثائقية الغربية تجارب أعادت خلق الواقع بأدوات التعبير الدرامي، مرتكزة على المتخيل بهدف الغوص في الوقائع، في حين عرفت السينما الوثائقية العربية اختيارات جدية في هذا المجال تمثلت في مجموعة أفلام ما بين 2002 و2004. تفاوتت مستوياتها الفنية والتقنية، لكنها حافظت على لغة إبداعية جميلة مثل “حرب أهلية” للبناني محمد سويد، و”الطوفان” للسوري عمر أميرالاي، و”عاشقات السينما” للمصرية ماريا خوري، و”اجتياح” للفلسطيني نزار حسن، و”أنس بغداد” للعراقي المقيم في سويسرا سمير، و”بين جبهتين” للكندية اللبنانية الأصل كاتيا جرجورة.

ويعتبر أن إنتاج فيلم وثائقي يطرح سؤال العلاقة المفترضة بين المخرج والأشخاص المختارين للمثول أمام كاميراه. حيث بنيت بعض الأفلام الوثائقية خللا ما بين الطرفين بتقديم المخرج الأشخاص، أحيانا، بصور مسيئة إليهم كأفراد ناطقين بشيء من الحقائق المطلوبة. ومن هنا يطرح الكاتب عددا من الأسئلة عما إذا كان يحق للمخرج أن يستغلهم ويحتال عليهم؟ وهل يحق للمخرج الوثائقي ألا يخبرهم بنيته وأهدافه؟

ويعتبر أن للمسألة جانبين: أخلاقي يفرض على المخرج ألا يحتال على من يختارهم للظهور في فيلمه، وأن يؤسس معهم علاقة ثقة، وجانب عملي تتطلبه مواضيع مختارة للمعالجة. ثم ينطلق في تحليل وتقييم الأفلام الوثائقية التي سبق ذكرها، في علاقة المخرج مع الشخصيات المختارة والمادة الوثائقية، ويخلص في النهاية إلى أن الفيلم الوثائقي في العالم العربي يعاني عدة أزمات، فالجمهور لا يعتبره نتاجا سينمائيا مستقلا، والمحطات التلفزية(الفضائية والأرضية) لا تأبه به فلا تموله ولا تعرضه، والموزعون السينمائيون، وأصحاب الصالات التجارية لا يعرضونه في الحفلات الجماهيرية بغض النظر عن بعض الاستثناءات.
الباب الثالث:
تجارب سينمائية عربية:
أما الباب الثالث فيتمحور حول تجارب سينمائية عربية كلبنان وفلسطين وسوريا والمغرب العربي. ويحتوي على أربعة عشر موضوعا يتناول مختلف تجارب هذه الدول.
1- “السينما السورية.. سينما الموضوع وليس الممثل” خليل صويلح.
أنتج أول فيلم روائي سوري عام 1928 بعنوان” المتهم البريء” لأيوب بدري الذي لاقى نجاحا باهرا، ثم فيلم “تحت سماء دمشق” لكل من رشيدة جلال وإسماعيل أنزور عام 1932. وفي عام 1948 أنتج نزيه شهبندر أول فيلم سوري ناطق بعنوان “نور وظلام”، لتتواصل المبادرات الفردية إلى أوائل الستينيات حتى إنشاء المؤسسة العامة للسينما في بداية 1964، وبدأت مرحلة جديدة في السينما السورية تميزت بالجدية والعمق. ويلقي الكاتب نظرة على أحدث انتاجات هذه المؤسسة خلال التسعينيات التي حققها مجموعة من المخرجين المتميزين على مستوى الوطن العربي، وحصدوا جوائز مهمة أمثال: سمير ذكري، ومحمد ملص، وأسامة محمد، وعبد اللطيف عبد الحميد، وغسان شميط، وماهر كدو، ونبيل المالح، الذين قدموا موضوعات جادة بعيدا عن التسلية والتوابل التجارية، وحاولوا التأصيل لسينما عربية متميزة ومتنوعة الأساليب في الطرح والمعالجة.
ويعتبر النجم في السينما السورية الجديدة هو الموضوع، وليس الممثل. ومن هنا لجأ جميع المخرجين في أفلامهم إلى وجوه جديدة غير معروفة في تقديم أفكارهم لكيلا تختلط الصورة في ذهن المتلقي.
2- ” السينما التسجيلية اللبنانية” صبحي حليمة.
يعود تاريخ السينما اللبنانية الرسمي إلى مغامرات “إلياس مبروك” عام 1929 للرائد الإيطالي الأصل جوردانو بيدوتي، ولم تنتج حتى عام 1952 سوى ثمانية أفلام منها اثنان سياحيان ينتميان إلى التسجيلية. وعرفت السينما اللبنانية في الخمسينيات نهضة متميزة على يد مجموعة من المخرجين أهمهم جورج نصر. وكانت تيمة الحرب هي المادة الطاغية على السينما التسجيلية، وأول نتاجات الحرب فيلم”لبنان في الدوامة” عام 1975 للصحفية جوسلين صعب بالاشتراك مع المخرج السويدي يورغ ستوكلن لتحقق بعد ذلك مجموعة من الأفلام منتقلة من الأسلوب الصحافي إلى الصياغة السينمائية. وهناك مجموعة من المخرجين اللبنانيين الذين أضافوا أعمالا متميزة إلى السينما التسجيلية أمثال مارون بغدادي الذي قدم مجموعة من الأفلام تتعامل مع الحدث والموقف، والمخرج برهان علوية الذي حصد مجموعة جوائز متميزة، والمخرجة رندا الشهال، والمخرج جورج شمشوم، وجون شمعون، ومي المصري، وعرب لطفي، وشيرين طنوس.
3- ” الإنتاج اللبناني السينمائي الجديد.. الفيلم الروائي الطويل نموذجا” نديم جرجورة.

يهدف المقال إلى رصد مجموعة من الأفلام اللبنانية خلال عامي 2010 و 2011 والمثيرة للنقاش والاهتمام، من الذاتي البحت إلى الجماعة، ومن الراهن إلى الذاكرة الموغلة في مآزق الحرب الأهلية اللبنانية، والقريبة جدا من هاجس الاشتغال السينمائي البحت لغة وتصويرا ومونتاجا وإضاءة وموسيقى. ويرصد قراءته النقدية للأفلام الروائية الطويلة لأسباب عدة منها: أولا ندرة هذا النوع من الإنتاج المحلي، والتي تعرف أحيانا كثرة في الإنتاج لتتوقف في أحيان أخرى وتهمد لثلاثة أعوام متتالية. ثانيا اهتمام ملحوظ من قبل موزعين لبنانيين وأصحاب صالات محلية بالفيلم اللبناني. ثالثا: قدرة الأفلام الروائية المنجزة أخيرا على طرح ثلاثة أسئلة على الأقل:
– أولا نوعية الاشتغال السينمائي.
– ثانيا: العلاقة القائمة بين الصنيع السينمائي والهم الإنساني الفردي والجماعي.
– ثالثا: تحسين الشروط المطلوبة لتأسيس جمهور قادر على المشاهدة والمشاركة في مناقشة تلك الأفلام.
إلا أن طرح هذه الأسئلة لم يؤد إلى إجابات، لأن الحراك الإنتاجي لا يزال مرتبكا، والمشاهدون اللبنانيون محتاجون إلى وقت طويل لإدراك أهمية المعالجات الدرامية لأسئلة الحرب والواقع والراهن والمتأزم والألم الذاتي والاختيار الشخصي.
إلا أن هناك أفلاما روائية طويلة أقدم الجمهور على مشاهدتها بسبب طبيعة المواضيع التي تناولتها.
4- “السينما الجزائرية .. الواقع والآفاق” أحمد بلية.

كانت البدايات الأولى للسينما الجزائرية عندما كلف الأخوان لوميير المصور (فيليكس مسغش) بتصوير مشاهد من الجزائر تمثلت في مجموعة من الأشرطة تم عرضها عام 1897 مثل: “الجزائر” و”دعوة المؤذن” و”ساحة الحكومة”.. وبعد ذيوع السينما الناطقة صور فيلم في الجزائر عام 1937 بعنوان “بي بي الموكو” ل (جوليان دو فيفيه) مع (جان غابان). وصورت أيضا بعد الحرب العالمية الثانية العديد من الأفلام بلغت ما يقارب ثمانين فيلما مطولا إلى غاية عام 1954. صنفت كلها ضمن “السينما الكولونيالية”.
في عام 1957 تكونت خلية للإنتاج السينمائي لخدمة الثورة التحريرية دعائيا، وكانت الانطلاقة الفعلية للأفلام السينمائية الخيالية المطولة في فترة الاستقلال مع الفيلم التاريخي “الليل يخاف من الشمس” لمصطفى بديع عام 1965، و”ريح الأوراس” للخضر حامينا(1966)، مرورا ب”تحيا يا ديدو” لمحمد زينات (1971)، و”سقف وعائلة” لرابح العراجي (1982).
بعد الانتعاش الذي عرفته السينما الجزائرية في السبعينيات والثمانينيات عرفت حالة من التدهور مع حلول التسعينات، وكان صدور أي فيلم جديد لا يحدث أية ضجة إعلامية أو فكرية، وذلك بسبب إهمال السوق الداخلية بالإعداد الجيد لقاعات العرض وغياب الجانب الإشهاري، وجل الأفلام الجزائرية الحديثة العهد تعرض أول الأمر خارج الجزائر ولا يتعرف عليها الجمهور الجزائري إلا بعد فترة. وحسب الكاتب فالنقاد والمؤرخون الجزائريون يؤصلون لتاريخ السينما الجزائرية بداية اندلاع الثورة التحريرية، ثم فترة الاستقلال فقط. وتبدو لهم السينما القبلية مرآة لمجتمع غير جزائري، وبالتالي لا علاقة له بالسينما الجزائرية. وقد مرت هذه الأخيرة بعد الاستقلال بمرحلتين من حيث التطور الإيديولوجي لأصحابها.
المرحلة الأولى تأسيسية طرحت خلالها إشكالية تحديد هوية السينمائيين بالنسبة للآخر الذي يمثله الغرب.
المرحلة الثانية وبالتحديد في الثمانينات حدثت قطيعة بين السينمائي وهويته نتيجة للانتكاسات.
5- “تيار السينما الجديدة في تونس” عدنان حسين.
يقدم الكاتب دراسته لثلاثة أفلام روائية طويلة وهي: “رقصة الريح” للطيب لوحيشي، و”باب العرش” لمختار العجيمي، و”الأمير” لمحمد الزرن، وفيلم روائي قصير هو “الفيزا” لإبراهيم اللطيف. ويستعرض الكاتب التجربة السينمائية لكل مخرج ومساره الفني والجوائز التي حصل عليها. ثم يقوم بتحليل كل من الأفلام الثلاثة التي سبق ذكرها.
6- “تجارب إبداعية في أفق مفتوح: مغامرة النص في السينما المغربية” محمد صوف.

تتمحور المقالة حول التجارب الإبداعية في السينما المغربية، وكيف استفادت في تعاملها مع لغة السرد من خلال أحدث مدارس صناعة السينما العالمية. وينطلق الكاتب من طرح السؤال عمن يتكلم في الشريط؟ ليجيب أن هذا ينقلنا إلى الحقل الأدبي، وندرك أن الشريط السينمائي يتمحور حول وعبر خطاب لساني مصدره خارج الشاشة. فالمتحدث إلينا هو شخص يقص علينا ما نراه. هناك من يقول أنها الكاميرا، في حين أنها مجرد آلة تشتغل وفق إرادة شخص أو أكثر، وهناك من يقول إنه السارد. ويعطي أمثلة لأشكال السرد في أعمال سينمائية مغربية مثل فيلم “الحياة كفاح” لمحمد التازي وأحمد المسناوي(1968) الذي يبدو فيه السرد هو المؤلف، وفيلم “عبروا في صمت” لحكيم النوري(1995) الذي جعل السارد شخصية من شخصيات الشريط، وغيرها من الأعمال السينمائية المغربية.
ويتطرق الكاتب إلى تطور السرد السينمائي عبر تاريخ السينما انطلاقا من أول فيلم روائي للإخوة لوميير “Arrosseur arrosé”. في البداية كان الشريط يصور في لقطة واحدة، ثم في عشر لقطات ابتداء من عام 1909 لتتطور عام 1910 ويتطور الحكي، وقد عانت السينما المغربية من المونتاج لصعوبة الربط بين اللقطات مما أثر على السرد في السينما، وهذا راجع إلى إصرار المخرج على كتابة سيناريوهاته بنفسه. إلا أن بعض المخرجين اختاروا الخروج عن النمطية وقاموا بانتاج أعمالهم باقتباس روايات أدبية أمثال محمد أبو الوقار في شريطه”حادة” عام 1984.
بدأت السينما المغربية بالسيناريو المكتوب خصيصا للتصوير، وكاتب السيناريو يعتمد في الكتابة فطريا على مشاهدة الأشرطة ومحاولة الإستفادة مما يشاهده، ويكتفي بالمتداول ويقلد السينما التي تبدو له ناجحة، في حين أن للقصة ضوابطها ومكوناتها. فهل احترمت السينما المغربية الضوابط والمكونات؟
تبقى أفلام المرحلة الأولى في جزء منها مطبوعة ببصمات المؤلف لدرجة يخرج منها الشريط عن الحكاية المتسلسلة المترابطة. أما أفلام المرحلة الثانية (فترة التسعينات) فقد بدأت تخرج من ذاتيات المخرج وتدخل في الحكاية كما يعرفها الخاص والعام. لذلك بدأ المخرج يتحرر من عقد وجهة النظر الشمولية.
7- “السينما العراقية وأسئلتها المعاصرة” بشار إبراهيم.
يتحدث المقال عن الأفلام التي حاولت رسم جوانب من صورة العراق في (مرحلة ما بعد صدام) والتي في نفس الوقت تتطرق إلى تفاصيل صورة العراق في (مرحلة صدام) على أساس ما حدث في عهد صدام لم يتم الإطلاع عليه ولا معرفة حقيقته.

ويرى الكاتب أنه كان من الجدير أن تتخلص السينما العراقية من كل المؤثرات السلبية التي زرعها حزب البعث في جسدها بعدما عرفت تطورا مطردا منذ إقامة أول عرض عام 1909، وإنشاء دور العرض بالتوالي، وحضور بعثات أجنبية إلى العراق للقيام بعمليات تصوير لأحداث ومواقع تاريخية مهمة. وعلى صعيد الإنتاج السينمائي كانت أولى بوادره عام 1930 من طرف إحدى الشركات الأجنبية لكنه لم يكتمل. وتكونت أول شركة سينمائية (شركة أفلام بغداد المحدودة) عام 1942 والتي لم توفق هي الأخرى. وفي عام 1946 أنتج أول فيلم في العراق من قبل شركة (أفلام الرشيد) العراقية المصرية المشتركة وهو فيلم “ابن الشرق” للمصري مصطفى نيازي، ثم الفيلم الثاني “القاهرة بغداد” أنتجته الشركتان “أصحاب سينما الحمراء” و”اتحاد الفنيين” المصرية.

في عام 1960 أنشئت أول مؤسسة رسمية تعنى بالسينما هي “مصلحة السينما والمسرح” بدأت نشاطها بإنتاج الأفلام التسجيلية الوثائقية لتخوض بعد أربع سنوات تجربة الفيلم الروائي الطويل، حيث أنتجت عام 1966 فيلم “الجابي” للمخرج جعفر علي وغيره من الأفلام. وفي عام 1973 صدر القرار الذي جعل مهمة استيراد وتوزيع الأفلام بيد الدولة عبر (مديرية استيراد الأفلام) التابعة للمؤسسة العامة للسينما والمسرح مما أنهى دور القطاع الخاص في مجال استيراد وتوزيع الأفلام وبقي له هامش، تحت التحكم الكامل للدولة، في مجال الإنتاج.

منذ عام 1980 دخل العراق في حروب متتالية استمرت حتى سقوط النظام، في البداية أنتجت خلالها أفلام دعائية تحريضية تمجد النظام العراقي، وتهاجم إيران كان أبرزها فيلم “القادسية” لصلاح أبو سيف، وفيلم “الأيام الطويلة” للمخرج المصري توفيق صالح عن حياة صدام حسين ولم تحقق هذه الأفلام أية قيمة فنية أو أي حضور في سوق العرض السينمائي العربي لأسباب عدة منها الشروط الصارمة التي كان يتم خلالها انجاز هذه الأفلام كحالة الضبط الأمني الصارم. ولهذا ماتت السينما العراقية في عهد النظام وأهينت وصار السينمائيون العراقيون لاجئين في بلدان العالم أمثال قيس الزبيدي في ألمانيا، وقاسم حول وانتشال التميمي في هولندا، ومحمد توفيق في الدانمارك، وفيصل الياسري في سورية ثم مصر، وعمر أحمد في أمريكا..

بعد سقوط نظام صدام شرع السينمائيون اللاجئون ف بالعودة إلى الوطن، وبدأت المحاولات السينمائية كانت أولاها فيلم “ست عشرة ساعة في بغداد” لطارق هاشم عام 2004، ثم فيلم “العراق إلى أين” للمخرج باز مسعود البازي، وفيلم “العراق موطني” للمخرج هادي ماهود، وفيلم “اللغة” للمخرج سمير زيدان.

8- “سينما أردنية مستقلة تبحث عن وجود” بشار إبراهيم.
تتمحور المقالة حول مشروع “تعاونية عمان للأفلام” وهو مبادرة من قبل مجموعة من السينمائيين الشباب الراغبين في التعبير عبر الكاميرا والنص السينمائي متجاوزين العديد من الصعوبات، واقتراح الجديد على مستوى تناول الأفكار، وسبل التعبير عنها، وتوظيف ما هو جديد على مستوى التقانة من حيث التصوير والمونتاج والميكساج مستفيدين من كاميرا الديجيتال وبرامج الكمبيوتر التي تمنح خيارات واسعة في الصورة والمؤثرات السمعية والبصرية. وإذا كان تعثر السينما في الأردن كباقي المجتمعات التقليدية لأسباب سوسيولوجية تاريخية على اعتبارات فن السينما يرتبط بالحداثة وما بعدها. فإن تجربة “تعاونية عمان للأفلام” جاءت لتؤكد أن جيلا جديدا من الشباب هو على علاقة عميقة بتطورات العصر ومستجداته الفكرية والفنية والتقنية، وهو قادر على الدخول في عوالم الحداثة، وأنماط وأشكال تعبيراتها دونإفلات الأصالة.

وظهور هذا المشروع هو شكل من أشكال التحديث في المجتمع الأردني، وفتح باب أمام نمط من التعبير السمعي البصري الذي يتيح إمكانية التعامل مع شؤون الحاضر، وذاكرة الماضي، واستشراف المستقبل. إذ أنتج خلال عامي (2004 و2005) مجموعة أفلام تختلف عما هو متوافر في سوق العرض السينمائي، وغير متداول في طرائق السرد والتعبير والبناء، أمثال أفلام “جرعة زائدة” للمخرج عمار قطنية، و”الترقيعة الأخيرة” للمخرج عمر صالح ورفقي عدنان…

9- “سينما المقاومة في فلسطين” بشار إبراهيم.
تعددت أشكال النضال والمقاومة في الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، وكافة الانتفاضات التي اشتعلت في كل حين خلال عقد تسعينيات القرن العشرين، وتجلت هذه الأشكال في عدد من الفنون من بينها السينما. ولقد استفادت المقاومة الإسلامية الفلسطينية من الثورة العالمية المعلوماتية في عقد التسعينيات من القرن العشرين، وأنجزت هذه الحركة عدة أفلام وثائقية وتسجيلية وفق رؤى واهتمامات وخطاب القوى الإسلامية ومؤسساتها، حيث أنجزت حركة المقاومة الفلسطينية فيلم “على حدود الوطن” للمخرج جمال ياسين عام 1993، والفيلم الثاني ” بيان من مآذن القدس” لنفس المخرج، وهو وثيقة سينمائية تدق أجراس الخطر بصدد ما يهم القدس والأمة العربية والإسلامية. وفي عام 1995 أنجزت حركة حماس فيلم “المهندس”، وبعد ثلاث سنوات تم إنتاج فيلم “المؤامرة” يعرض لجريمة اغتيال الشهيد فتحي الشقاني (أمين حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين)، ثم فيلم “دماء في محراب إبراهيم” للمخرجين محمد إبراهيم وأسامة عبد الرزاق عام 1998 تناولا فيه المجزرة التي ارتكبها الصهاينة في الحرم الإبراهيمي وغيرها من الأعمال السينمائية الجيدة التي انصبت في تجليات القضية الفلسطينية والممارسات العدوانية الصهيونية اليومية.

استعانت المقاومة الإسلامية في فلسطين ببعض المصورين الأجانب لاستحالة التصوير داخل الأراضي المحتلة، خاصة في فترة التسعينيات، وعلى مستوى البناء الفني فإن جميع الأفلام اعتمدت على التعليق المقروء المرافق للصورة على امتداد الفيلم من أجل إيصال المعلومة والفكرة والموقف، دون ترك للمشاهد الكثير من مساحات التأمل والاستنتاج. وعلى مستوى المضامين تنوعت موضوعات الأفلام بين اتجاهات عدة أهمها: العمل على فضح عدوانية وهمجية الصهيونية، وتأكيد الحق التاريخي مع دحض المقولات التوراتية وادعاءاتها، وتبيان بطولات الشعب الفلسطيني وصموده وإصراره على المقاومة، والتأكيد على الحل التاريخي للقضية الفلسطينية بالتحرير والعودة.

10- “الولادة المتعثرة في السينما المصرية” رؤوف توفيق.
يتطرق المقال إلى الولادة الصعبة التي خاضها شباب السينما العربية من المخرجين نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات، خاصة في مصر في مواجهة سينما تقليدية لا تسمح بالخروج إلى آفاق التجريب والمغامرة. إلا أن دخولهم إلى عالم السينما صعب بسبب الانخفاض في معدل الإنتاج السينمائي خلال هذه الفترة، وذلك لعدة عوامل أولها عجز شركات الإنتاج في مصر من تدبير السيولة المالية التي تمكنها من مواصلة العمل مكتفية بإنتاج أفلام صغيرة وقليلة التكلفة، أو التوقف مؤقتا عن العمل.

يطرح الكاتب مجموعة من أسئلة مرهقة ومحيرة من قبيل أن فن السينما يتجدد ويتطور وتتعدد الأشكال والأساليب، فهل تظل السينما المصرية تكرر ما قدمته منذ أكثر من خمسين سنة؟ وهل يصبح الجديد مثل القديم؟ أو أن الجديد سيكون مسخا مشوها للقديم، بينما يظل القديم محتفظا بمكانته وذكرياته؟ ومن يجرؤ على مغامرة الجديد ويتحمل تكاليفها. في ظل هذه المتاهة يصبح قرار الدخول إلى عالم السينما قرارا فرديا. وهكذا شهدت صناعة السينما المصرية في تلك الآونة محاولات مختلفة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: وهو ما يسميه الكاتب بالسباحة على حافة الشاطئ خوفا من المغامرة في الأعماق، وأصحاب هذا الاتجاه قدموا أفلاما لم يتوقف أمامها الجمهور أو النقاد، ولا ترقى إلى مستوى القديم. وكان المقابل الذي حصل عليه هؤلاء الشباب بعض الفتات، وعاملتهم شركات الإنتاج كمنفذين فقط لطلباتهم وبأقل الأجور، مما ساهموا في إفساد الذوق العام، وانحدار المستوى الفني، ويعتبرهم الكاتب ضحايا فوضى وارتباك صناعة السينما.

الاتجاه الثاني: أصحاب هذا الاتجاه أكثر تماسكا وصلابة، فنانون موهوبون لديهم الرغبة الجارفة لتحقيق حلمهم مهما تعرضوا للمضايقات والاحباطات، من بينهم: المخرج منير راضي الذي قدم أول أفلامه السينمائية “أيام الغضب” بعد ثماني سنوات من تخرجه من المعهد السينمائي، والمخرج عادل عوض الذي قدم أول أفلامه “العقرب”. ومن أبرز هذا الاتجاه المخرج شريف عرفه في فيلمه “الأقزام قادمون” في محاولة جريئة للخروج من النمط التقليدي الحصري، وفيلمه الثاني “سمع.. هس” لم يتقبله الجمهور نظرا لصدمة التجديد والاختلاف التي خلفها، وغامرت ليلى علوي بأول إنتاج سينمائي لها بفيلم “يا مهلبية يا..”، وواصل شريف عرفة طريقه رفقة النجم عادل إمام لثلاثة أفلام هي “اللعب مع الكبار” و”الإرهاب والكباب” والمنسي”، والمخرج الشاب سعيد حامد في فيلمه “حب في الثلاجة” والمخرج الشاب رضوان الكاشف في فيلمه “ليه يا بنفسج” متعرضا للهامشيين في المجتمع المصري.
الاتجاه الثالث: أصحاب هذا الاتجاه آثروا الاتصال بأوربا عن طريق المشاركة في التمويل من خلال هيئات حكومية أو محطات تلفزيونية، وعددهم قليل أتاح لهم العمل مع المخرج يوسف شاهين أن يتحقق لهم هذا التعاون الأوربي مثل المخرج يسري نصر الله في فيلمه الأول “سرقات صيفية” وفيلمه الثاني “مرسيدس”. والمخرجة أسماء البكري في فيلمها الأول “شحاتون ونبلاء” حصدت من خلاله جوائز متعددة. والمخرج خالد الحجر في فيلمه الأول “أحلام صغيرة” الذي تعاونت في تمويله شركة أفلام يوسف شاهين مع إحدى محطات التلفزيون الألمانية.
11- «البريء.. ومضة في حياة السينما المصرية” سعيد شيمي.
المقالة هي للمصور سعيد شيمي الذي عمل إلى جانب المخرج عاطف الطيب في فيلم “البريء” والذي يعتبر هذا الفيلم واحدا من الإبداعات المتوهجة بالعطاء للمخرج الراحل عاطف الطيب، والفيلم يحمل فكرا عالميا، فهو لا يتحدث عن مصر بالذات، وإن كان جو الفيلم مصريا، بل يتعرض لقضية جوهرية هي قهر الفكر الحر للإنسان، وإذلاله وتسخيره لغرض ضد إرادته الحرة.
يستعرض المصور أولى جلسات العمل قبل التصوير ويرصد الأماكن التي سيتم التصوير فيها، ويعتبر الفيلم علاقة تنقل بين جو الريف والصحراء وما وراء القضبان في السجن. ويستعرض عددا من لقطات الفيلم الشاسعة يعتبرها منظومة مفاهيم بصرية، وهي تعني الحرية وبالذات في الأماكن الطبيعية في الريف والصحراء وساحات السجن، ثم الانتقال إلى اللقطة الخارجية الضيقة إلى الواسعة جدا واللقطات الساحرة. ويتطرق إلى مفهوم الصورة في بعض المشاهد والتي تحمل معنى الواقع المرئي في الليل سواء في القرية والمدينة أو السجن. فدلالة الضوء الضعيف والساطع في مختلف الأمكنة يعبر عن دلالات وإيحاءات فنية، ثم تقنية الإضاءة والمعاني التي تحملها كالإضاءة الساطعة في السجن التي تعني اليقظة، والإضاءة الضعيفة في بيت القرية الذي يعني دفء الأسرة.
كما أن تنويعات الإضاءة في الفيلم كانت ذات مضامين يجتهد فيها المخرج والمصور تجنح إلى الواقع بشكل يجعل للحدث مصداقية، ويتحدث أيضا عن الإضاءة الملائمة لكل مكان ولكل حدث، والتوازن الضوئي واللوني ليكونا مقبولين. وعن التقنيات المعتمدة في تصوير الفيلم مثل أنواع الكاميرا التي صوروا بها.. وعن مهارة أحمد زكي في تقمص الدور المنوط به في جميع المشاهد في الفيلم، وكذا الصعوبات والأحداث التي تعرض لها المصور في سبيل التقاط بعض اللقطات الناجحة.
12- “المضحكون في السينما المصرية.. المواطن العادي في مواجهة المجتمع” يحيى فكري.
ترصد المقالة لمحات عامة للتأثير المتبادل ما بين صناعة الضحك في السينما المصرية وبين المؤثرات الفاعلة في وعي المتفرج العادي الناتجة عن التحولات السياسية والاجتماعية في كل مرحلة. فعلى امتداد مائة عام من عمر السينما المصرية لعبت صناعة الضحك دورا مركزيا في صناعة السينما الروائية. كما كان الضحك هو الوسيلة المثالية لقبول الواقع الصعب، وإرضاء الرغبة في التحرر منه، وقد عكس الأبطال المضحكون سمات عصرهم وأنماطهم المتكررة، وأحلام الوطنيين العاديين في التحرر من واقعهم البائس. وفي كل مرحلة برز نجم مسيطر تجسد على الشاشة كمثال للمواطن العادي: نجيب الريحاني في الأربعينيات، وإسماعيل ياسين في الخمسينيات، وفؤاد المهندس من منتصف الستينيات إلى مطلع السبعينيات، وعادل إمام من منتصف السبعينيات وحتى نهاية التسعينيات. والبطل الكوميدي هو مواطن بائس تعيس الحظ دائما، ورغم صدقه التلقائي فإنه يقع في مفارقات لم يكن له يد فيها. تدفعه إلى التورط مع من هم أقوي منه وأعلى شأنا، لكنه يقدر دائما على الخروج من الورطة بسبب موهبته وذكائه الفطري، وغالبا ما يصاحب خروجه هذا تغير في وضعه الاجتماعي والمادي إلى الأفضل.

تميز عصر نجيب الريحاني بزمن الحرب العالمية والاضطراب السياسي وشيوع الفساد، زمن حرب فلسطين وصعود حركة التحرر الوطني والأفكار القومية، وتحدي الاحتلال الانجليزي، وسلطة كبار ملاك الراضي ورأسماليي بورصة القطن، ومديرو الأملاك الزراعية. وظهرت العديد من أفلام الريحاني التي ألمت بجوانب من هذه المواضيع على غرار فيلم “سي عمر” 1941، وفيلم “أبو حملوس” 1947، حيث ينجح في كشف الفساد، وفيلم “لعبة الست” 1946. ثم ما فتئت أن تغيرت الأمور بسرعة وتهاوت الطبقات القديمة وحلت محلها أنماط جديدة، وكان الفيلم الوحيد في تاريخ السينما المصرية الذي عبر عن الشعور الجارف بالتفاؤل هو “الآنسة حنفي” 1954 الذي تحول فيه إسماعيل ياسين من رجل إلى امرأة تزوجت وأنجبت في كوميديا فريدة من نوعها لم تتكرر أبدا بهذا القدر من الوضوح والأمل. إلا أن التفاؤل الجارف لم يستمر طويلا ففي مارس 1954 حدثت خطوة واسعة في اتجاه العسكر قضت على أي احتمال للتحول الديمقراطي، ولم يعد المواطن البائس ساخطا الآن، لكنه لا يزال بائسا غير قانع بحياته ويتطلع للأفضل، لكن عليه إدراك قلة موهبته وعدم فطنته، فهو يسيء التصرف، ولو ترك لحاله لأفسد كل شيء، لذا عليه إطاعة الأوامر بالنظام، هكذا سيحقق أحلامه. وتميزت مرحلة الخمسينيات بزمن سلطة يوليو الصاعدة والشعار المرفوع: “الإتحاد والنظام والعمل”، والانضباط العسكري أصبح النموذج المهيمن كوسيلة لتحقيق الغايات النبيلة. لكنه في الوقت ذاته نموذج خانق ومربك لم يعتده المواطن العادي من قبل. وقد ظهرت أفلام إسماعيل ياسين التي قدمها كعسكري لتعكس الرغبة في الانفلات من الانضباط العسكري الخانق المرفوض على الجميع، وضرورة الإذعان له حتى تنصلح الأحوال. هو دائما متورط في المهمة العسكرية التي يؤديها ولم يخترها بإرادته مثل “إسماعيل يس في الجيش” 1955، و”إسماعيل يس في البوليس” 1956، وإسماعيل يس في الأسطول” 1967…

ابتدأت فترة الستينيات بشلال متدفق من الأحلام الوردية، وخلع رجال يوليو ثيابهم العسكرية، وباتوا يصدرون صورة جديدة عن أنفسهم من ضباط انقلابين إلى قادة ومنظرين يتحدثون عن الاشتراكية والتحرر الوطني، وخطط التنمية والتقدم. وظهرت فرص عديدة أمام المواطن العادي في ظل محاربة الاحتكارات الطبقية وأصبح بمقدوره أن يكون مهندسا أو محاميا أو مخترعا أو فنانا.. لكن هذا لم يكن إلا وجها واحدا من العملة التي وجهها الآخر يتسم بالفزع من المجهول فؤاد المهندس في العديد من المفارقات الكوميدية يدفع مشاهديه إلى السخرية من أنفسهم بسبب فزعهم غير المبرر من أمور تافهة وعادية، كتوتره الشديد من الحوار العاطفي في فيلم “عائلة زيزي” 1963، ورعبه المبالغ فيه من الفأر الذي دخل حجرته في الفندق في مسرحية “أنا وهو وهي” 1963، والانهيار العصبي الذي أصابه بعد وقوعه في فخ أنه أنجب من صديقة زوجته في الحلم في فيلم “اعترافات زوج” 1964، وغيرها من الأفلام. وجاءت الهزيمة لتكشف المستور، ولم يعد المجهول مجهولا بل صار واقعا ملء الأبصار خدعة زوال المجتمع الطبقي سقطت وحلم الصعود انتهى، وعاد المواطن العادي بائسا كما كان، فاتجه فؤاد المهندس إلى إعادة إنتاج نجيب الريحاني.

انتهى حلم الستينيات الزائف بهزيمة شديدة الوطأة، وبرز مجتمع جديد يندفع بكل طاقاته طوال العقود التالية في اتجاه استقطاب طبقي حاد.. أثرياء جدد يصعدون إلى القمة في سرعة البرق، ويستحوذون على ثروات هائلة، وجموع واسعة من الفقراء تندفع إلى الحضيض. هكذا أصبح الحال في مصر بدءا من منتصف السبعينيات فصاعدا. نتج عن هذا غضب يصحو حينا ويخبو أحيانا، وبذلك أصبح المواطن العادي لمن يحرره من غضبه بفضح هؤلاء الأثرياء والإنتقام منهم والإيقاع بهم. وهذا ما فعله عادل إمام الذي يكاد يكون أبرع من جسد نمط المواطن العادي على الشاشة في أفلامه بدءا ب “المحفظة معايا” 1978، و”المشبوه” 1981، و”اللعب مع الكبار” 1991، وغيرها من الأعمال.

13- “شرخ في السينما المصرية” رفيق الصبان.
تميزت السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين بكونها مرحلة فاصلة في خارطة السينما المصرية، إذ تراجعت أسهم كبار المخرجين الذين أضاءوا طويلا سماء فن السينما المصرية بأنوار باهرة، خصوصا بعد رحيل مجموعة من الرواد الكبار، حيث رحل سيد الميلودراما والفن السينمائي الشعبي حسن الإمام، وأستاذ الواقعية صلاح أبو سيف، وسيد التشويق كمال الشيخ، وأمير الأفلام الرومانسية والغنائية هنري بركات، وتتابعت خسارة السينما بفقدان عناصر شابة ذات كفاءة كممدوح شكري الذي استطاع أن يفتح بقلمه المدهش”زائر الفجر” كوة كبيرة على العالم السياسي، وعاطف الطيب الذي استطاع من خلال ثمانية أفلام أن يضع نفسه على رأس قائمة المخرجين الكبار. ومن قبلهم رحل مخرجان كبيران طبعا السينما المصرية بطابعهما وأسلوبهما المتميز حسين كمال (“رجل المستحيل” و”البوسطجي” و” حبيبي دائما”…) وأشرف فهمي (صاحب “ليل و قضبان”و “مازال التحقيق مستمرا”…)
لكن لحسن حظ السينما المصرية برزت موجة جديدة تمثلت في الثلاثي محمد خان وداوود عبد السيد وخيري بشارة أمدتها بأفلام كبيرة من الصعب نسيانها. وهناك أيضا موجة تميزت أعمالها بالتمرد والجرأة واقتحام الخطوط الحمراء والتعبير عنها من سبقها من المخرجين ومن بين هده الأفلام ” الرغبة ” لعلي بدر خان و”يا دنيا يا غرامي” لمجدي أحمد علي، وهناك أيضا المخرج شريف عرفة، ويسري نصر الله، ومن الأسماء التي مثلت أفلام الشباب هشام الشافعي في “إحنا أتقبلنا قبل كده”، وعمر و سلامة في “زي النهار ده” اللذان استطاعا إنقاد أنفسهما من أمواج التفاهة والابتذال دون أن يحققا مستوى فنيا عاليا إلى جانب أفلام أخرى مثل “سهر الليالي” لسعد هنداوي، و”قص لزق ” لهالة خليل، و”منتهى اللذة” لكاملة أبو دكرى، و”كبارية” لسامح عبد العزيز، و”حسن و مرقص” لرامي إمام…

أما بالنسبة للكبار كانت هناك هجمة قوية تمثلت في عدد من الأعمال “رسائل من البحر” لداوود عبد السيد بعد انتظار لخمس سنوات، وفيلم “احكي يا شهرزاد” ليسري نصر، وفيلم” خلطة فوزية “لمجدي أحمد علي، وفيلم” واحد/صفر” لكاملة أبو دكرى، وغيرها من الأعمال المميزة .

14- “السينما تعلن هنا راديو الثورة …إليكم التفاصيل “محمود قاسم.
لقد سعت العديد من الأفلام إلى إثبات فساد النظام السياسي التي قامت الثورة ضده، هو الحاكم و حاشيته، وليس الاستعمار العسكري أو السياسي، وقد حذث هذا بالنسبة لثورة يوليو في مصر، وما عرف بعد ذلك بثورة مايو أو التصحيح، ثم جاءت ثورة يناير 2011 لينتبه الناس إلى أن ما كان يعرف باسم الثورة لم يكن أكثر من انقلاب سياسي. كان أول فيلم تناول مسألة الثورة بصورة واضحة هو”عفريت عم عبده” للمخرج حسين فوزي عام 1953، يمجد الثورة ورجالها، ويعتبرها أنها جاءت للقضاء على عهد بائد، عهد الظلم والفساد وإنها سوف تطهر الوطن.

وكل الأفلام التي تم إنتاجها من عام 1953 حتى عام 1969 إلى حين إنتاج فيلم “ميرامار” قد تعاملت مع الثورة على أنها الحدث الطوباوي الكبير، ليس فقط على المستوى المحلي في مصر، بل في كل أنحاء العالم العربي، ويعتبر فيلم “ميرامار” أول انتقاد حقيقي للثورة، وفتح الباب لأفلام انتقدت الثورة وصانعيها عقب تخلص السادات من أقرانه فيما عرف آنذاك بثورة مايو، وظهرت أفلام الكرنكة التي هاجمت فترة عبد الناصر، وقد عرفت هذه المرحلة بما يسمى (نقد الثورة).

في المرحلة الأولى من الثورة (الخمسينيات) يلاحظ أن السينما غيرت من التاريخ المعاصر حيث تأخر عرض فيلم “الله معنا” إلى ما بعد عزل اللواء محمد نجيب عن السلطة، وكان دوره بارزا في الفيلم، فلما عرض الفيلم في مارس عام 1955 تم مسح شخصية الرئيس الأول للجمهورية، كما حدث الأمر نفسه في فيلم “رد قلبي” عام 1957 يحكي أن محمد نجيب كان في مركز القيادة، وقد تعمد السيناريو المكتوب للفيلم إلغاء هذه الشخصية تماما، بينما بقيت شخصيات أخرى من الضباط الأحرار. فالفيلم “الله معنا” قد عالج الثورة من زاوية واحدة –حسب الناقد مجدي فهمي- فركز على القصة كلها على موضوع الأسلحة الفاسدة والاتجار بها خلال حرب فلسطين. أما فيلم “رد قلبي” فهو يربط بين أحداث عدة شهدها الوطن وأدت إلى قيام الثورة.

بدت كلمة (ثورة) وقد ولدت فجأة في الأفلام، والثورة لم يمر على قيامها سوى أشهر، مثلما حدث في أفلام من طراز “أرض الأبطال” للمخرج نيازي مصطفى، وفيلم “قراقوش” لفطين عبد الوهاب، وفيلم “الأرض الطيبة” لمحمود ذو الفقار حول الإصلاح الزراعي. ثم امتدت هذه النغمة في أفلام الستينيات مثل “المماليك” لعاطف سالم 1965، و”تنابلة السلطان” لكمال الشناوي في العام نفسه، وامتدت إلى الثورات العربية في “جميلة بوحريد” ليوسف شاهين، و”ثورة اليمن” لعاطف سالم 1966. وتأججت الوطنية في الأفلام عن العدوان الثلاثي، وأسفرت عن سينمائيين من الجيش عملوا بقوة في هذه الأفلام التي عزفت على النصر السياسي والمقاومة الشعبية منهم الكاتب وجيه أباظة، والروائي يوسف السباعي، والمخرج عز الدين ذو الفقار، والممثل أحمد مظهر..

النوع الثاني من الأفلام تم إنتاجه بعد رحيل جمال عبد الناصر، واستطاعت أن توجه بعض الانتقادات لسلبيات الثورة منها “القضية 68” لصلاح أبو سيف حول أزمة الحل الاشتراكي.

وتوقفت الأفلام السياسية إبان فترة النكسة بشكل ملحوظ حتى إذا تم نصر أكتوبر بدأت مرحلة التركيز على سلبيات سنوات الخمسينيات والستينيات لمصلحة ثورة مايو، أما عقدي السبعينيات والثمانينيات فقد شهد أفلاما مضادة لثورة يوليو، وتُناصر في الباطن الثورة الجديدة بدأت بعرض فيلم جيد “الكرنك” لعلي بدرخان عن رواية نجيب محفوظ، تبعته أفلام أخرى مأخوذة من نصوص أدبية وصحافية مثل “وراء الشمس” لمحمد راضي، و”احنا بتوع التوبيس” لحسن كمال، وأفلام أخرى. هذه الأفلام كشفت أن سنوات الثورة امتلأت بقمع المعارضين والقبض عليهم وتعذيبهم، وكان أكثرهم من الأبرياء. وأغرب ما حدث في تلك المرحلة هو أن كاتبا من مناصري الثورة ومؤيديها قد انقلب عليها بشكل واضح، وانتقدها في بعض قصصه التي تحولت إلى أفلام هو الكاتب إحسان عبد القدوس الذي فجر قضية الأسلحة الفاسدة. مثل أقصوصة قصيرة عام 1975 باسم “محاولة لعلاج جرحى الثورة” وقصة “يا عزيزي كلنا لصوص” تحولت هاتان القصتان إلى فيلمين الأول باسم “آه يا ليل يا زمن” لعلي رضا، والثاني بنفس العنوان لأحمد يحيى عام 1989.
في العقود التالية بدأت الأفلام تتحدث عن السلبيات التي أدت إلى هزيمة يونيو مثلما حدث في فيلم “ملف سامية شعراوي” لنادر جلال 1988، الذي سعى لإدانة السلطات السياسية العليا أثناء أحداث يونيو، وأكد الفيلم أن حالة الفساد لم تكن فردية بل ظاهرة اجتماعية. وهناك أكثر من فيلم رأى أن هزيمة يونيو كان بسبب الأسلحة الفاسدة في أفلام عن عرب 1948.

المرحلة الثالثة من الأفلام، حول ثورة يوليو، نمت بعد مرور أكثر من أربعين عاما على الثورة تقريبا، ومشاهدة قصص عن رموز تلك المرحلة يمثل نوعا من الحنين إلى أيام المجد والانتصار السياسي مثل فيلم “ناصر 56” لمحمد فاضل عام 1996، الذي أحدث تفجرا في المشاعر الوطنية في فترة تولى فيها نتنياهو رئاسة وزراء إسرائيل، وتوعد العرب بأنه لا حلول. ونجح الفيلم في التعبير عن مرحلة بعينها من الحياة السياسية ما دفع بالمخرج السوري أنور قوادري إلى أن يقدم فيلمه “جمال عبد الناصر” في العام الموالي. وفي هذه المرة تم النظر إلى الثورة باعتبارها عملا عظيما وأن قائد الثورة كرس حياته لمواجهة الاستعمار ومحاولة التخلص منه.

لا تعليقات

اترك رد