عندما يصبح الغش عنوانا للتفوق


 

لا شّك أن التعليم الأساس لنهضة أي أمة، فلا حضارة و لا مَدّنية بدون علم أوْجد مبادئها ويسّر لها طرق التقدم.

وما نعيشه اليوم من انحطاط مّس كل المستويات بدءا بالتعليم الذي عشّش فيه، فبلادنا كباقي الدول العربية تعيش هذا التدهور في مستوى التعليم بكل أطواره، حتى أصبح التعليم والتحصيل العلمي أمرا ثانويا بعدما كان مهمة يتسابق إليها الآجداد ويبيعون ما ورائهم لنيل القليل، بل يرتحلون الأميال برا وبحر للظفر بجلسة أمام عالم، ويصرفون النفيس لإبعاد شبح الجهل عن أبنائهم، لكن بالمقابل الآن فإن التعليم مباح مجاني بل وجوبي في الجزائر في الطورين الأولين.

والأسباب كثيرة اليوم لهذا التغير تبتدئ بالعنصر البشري كأداة فاعلة للنهوض بالمجتمع، وتنتهي بالمناهج المتقلبة بتقلب التوجهات والميول السياسي لبعض الأفراد ، ودون الخوض في سياسات التعليم التي تتدهور كل يوم، فإن للظواهر الاجتماعية الأخرى الحظ الأوفر، فلا نلوم تقلب سلوك الفرد وأخلاقه بتقلب السياسة التعليمية، فالأخلاق منبعها التكوين الأسري للفرد، وإن كان للفرد المسؤولية الكاملة عن

أفعاله السيئة فإن الأسرة هي البنية الأساسية التي أوجدت مثل هذا السلوك، فالأنظمة أو المنظومة التعليمية لم تنُّص على أن ينتهج الغش كأسلوب للنجاح ولا المحسوبية والرشوة في تقلد المناصب، بل الملام الأول في هذا هُم الأفراد، سواء كانوا مسئولين أو أولياء أمور ،والتستر على هذا السلوك جريمة أخرى للمجتمع في حق نفسه ومكتسباته.

الخُلق الحسن أساس العلم فلا علم دون أخلاق فالغش صفة مذمومة في الإسلام على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله …من غشنا فليس منا..

ويربط الشاعر حافظ إبراهيم العلم بالأخلاق حيث يقول..

لا تحسبن العلــم ينفع وحـــده… مـا لم يتـوج ربــــه بخــــــلاق

فالعلم إن كان مشوبا بقّلة الأخلاق فلا نفع فيه، بل سيزيد من تخلفه ويبعد تطوره، فما بالُ من كان لا علم إلا ما جنّاه عن طريق الغش والمحسوبية وهو ما نعيشه اليوم فوُصول البعض إلى مناصب تعليم أو مسؤولية بهذه الطرق المشوبة سيجر من يليهم بنفس الطريقة، حتى إن تراجعوا وندموا عن فعلتهم فإنهم سيصبحون في مركز ضعيف لرّد من يليهم عن طريق هم كانوا سالكوه، لهذا نجد الأستاذ الذي وصل إلى التعليم بالغش سيترك طلابه يغشون سواء لنفس ضعيفة فيه حتى لا نقول أنه يحبذ أن يعمم ما فعل، أو لعدم قدرته على مجابهة طلابه لأنهم ربما يكونوا قد أدركوا أنه غير أهل لتدريسهم كما أن المسئول غير الكفء الذي وصل معتنقا لواء المحسوبية أو الرشوة سيفعل بدوره ما فعل سابقوه بل ربما سيطور هذا الطريق ليصبح أكثر صعوبة على الجدير به، وأسهل على غير الكفء حتى لا يجد من ينافسه ويبين له هفواته وأخطائه.

وما نلحظه اليوم هو تفشي مثل هذه الظواهر وبالأخص في المسابقات الرسمية فمن لم يجد الأكتاف (المحسوبية) سيجد طريقا آخر مستساغا على الأقل يقرب حظه من سابقه وفي كلا الحالتين يذهب الأجدر الشريف في منافسه غير شرعية بمن لا أخلاق له سواء على المنصب أو تخصص مثلا في الجامعة، ليتخرج أو يُعين إطارات في مناصب ليسوا أهلا لها ويستمر مسلسل الفساد في دورة مفرغة.

إن تشكيل خلايا (أزمة) بين أساتذة في كل تخصص مع أولياء الطلاب أيام البكالوريا لتصحيح مواضيع الامتحان، بعد توزيعها ثم تسريبها لتدخل لأولادهم في أقسامهم مصححة، نذالة تساوى فيها أولي الأمر مع أولي العلم؟؟؟، حينئذ الأصح أن لا ننتظر من الطالب أن يكون خلوقا بعدما شهد من أهله وأساتذته الذي سيقتدي بهم. ونضطر في آخر المطاف نحن كأفراد أن نبارك لبعضهم نجاحهم بالشهادة نذالة منّا ولو أنها أقل حِدّة.

ويأتي زميل لك ليقول أن ولده لم يسعفه الحظ في دخول كلية الصيدلة رغم أن ابنه في حقيقة الأمر لو كانت الأمور في نصابها، ما كان ليتجاوز الابتدائي وتسكت مُكّنا إياها إلى صدرك ،نذالة أخرى، فعوض أن نواجههم بالحقيقة، ولكنك نجاريهم بالسكوت الذليل.

هي مواقف يمكن أن نراها في مجتمعاتنا يوميا ولكننا لا نحرك ساكنا لإنصاف الحق و لا نفعل أي شيء لتقليص هذه الظواهر الاجتماعية التي تنحرنا يوميا وتزيد من هوّة تخلفنا، هذه الظواهر ذات البعد والتفكير الأنانين فالأب لا يرى منها إلا ما قد يناله ابنه من منصب أو ماشابه وليذهب المجتمع كله إلى الجحيم، أنانية قد تتساوى في بعض المال الذي يناله أستاذ في دروس خصوصية كان الجدير به التفاني في عمله حتى لا يحتاج تلاميذته الى مثل هذه الدروس.

تضع هذه الظواهر المجتمع في يد من ليس أهل لتسييره، وتبعد الكفء المتعلم والكفاءات العلمية إلى الهجرة والانعزال، وننسى أن كلٍ خلق لما أهله الله له.

لا تعليقات

اترك رد