كنز…..مهمل

 

مد كفه الصغيرة الينا حين توقفت مركبتنا في أحد تقاطعات الطرق في منطقة الكرادة ، لم يكن يحمل شيئا ليبيعه كما لم تكن هيئته توحي بالتسول والاكثر اثارة للانتباه كانت دموعه التي تملأ عينيه وتنهمرعلى وجنتيه بلا توقف .. كانت دموع الطفل صادقة وهيئته توحي بالبراءة والثقة ، سألناه :” لماذا تبكي” فقد اعتدنا منظر المتسولين الصغار الذين يمتهنون التسول ولايجدون فيه اذلالا ويجيدون التلفظ بعبارات استدرار العاطفة واستعارة ملامح حزينة منكسرة .. قال :” سرقوا علب المناديل التي ابيعها ” واشار الى متسولين صغار من المحترفين ..” لماذا ..ألست زميلهم؟” ..قال :” يقولون انني تجاوزت على منطقة عملهم ، وانا منزلي قريب من هذه المنطقة واخشى الابتعاد اكثر كما ان والدتي ترفض ذلك “..” ووالدك ..لماذا يتركك تعمل ..انت صغير جدا “…

قال :” لأنه تركني وذهب الى ربه ..قتله انفجار الكرادة ووالدتي لاتملك مايكفينا ..يجب ان اجمع مبلغا خلال العطلة لاكمل دراستي “..لم يكف الطفل عن البكاء خلال حديثه .كانت مرارة انتصارالمتسولين عليه وسرقة مناديله تدفعه الى البكاء ألما وخوفا منهم .. .شعرت وكأنه يتمنى لو غادر مكانه وعاد الى حضن امه والى منزله الآمن ،، فهو موقن في اعماقه ان هذا ليس مكانه لكن الواقع كبله منذ صغره بقيد المسؤولية وصار لزاما عليه أن ينتقل حثيثا الى سن الرجولة !!

تخبرنا تجارب الشعوب التي تعرضت الى ازمات كبيرة كالحروب والفقر والكوارث انها تمكنت من التغلب على ازماتها بالاهتمام بالانسان الذي يصنع الامل بالعلم والعمل ،” فلا الآلة ولارأس المال يصنعان الازدهار ، بل الانسان ” – كما يقول أمير دبي الشيخ محمد بن راشد الذي وصل الحال ببلده الامارات الى أن تنشيء وزارة للسعادة عملا بنظرية ان الواجب الأول للمسؤول هو اسعاد شعبه وتوفير متطلبات أمنه واستقراره ورفاهه وتقدمه وتطوره !!

يبدو لنا اذن اننا نمتلك اضافة الى كنوزنا النفطية والمعدنية ( المفرهدة) كنزا نفيسا آخر لكنه مهمل تماما ..انه ( الانسان) الذي يقطف منذ صغره ثمار واقعه الفجة فيجرب اليتم او العوز او النزوح ، واذا كان محظوظا ولديه عائلة وسقف آمن فلاينتظره الكثير من الرفاهية لأنه لن يحظى بتعليم جيد او خدمات صحية او انسانية ولايمكنه ان يخطط لمستقبل يتلفع بالضباب ولاتظهر له ملامح واضحة ..( الانسان) في الدول المتقدمة والمتحضرة قيمة عليا والجميع يعمل لضمان كرامته واستقرار حياته ، اما انساننا العراقي فعليه ان يرضع الصبر ويتسلح بالعنف ويتعلم سلوك الطرق الملتوية ليضمن استمراره بالحياة ، لذا شعرت وانا اراقب دموع الطفل الدخيل على عالم التسول بأننا ابتلينا بحكومات لاتجيد الا تبديد ثرواتنا وكنوزنا ،ولو شاء القدر يوما ان ترضى عنا الدول الكبرى وتستثمر كنوزنا النفطية وتلقي لنا بفتات يعيد الينا بعض استقرارنا الاقتصادي ، فهناك كنز سيبقى مهملا الا اذا أدركت الحكومات يوما ..قيمة (الانسان) !!

المقال السابقراقصة الميناء
المقال التالىكيف يكون منك ما لم يعد لك؟
عدوية الهلالي من العراق ..كربلاء .. نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مختلف المجلات والصحف عراقية.. عملت كمحررة في صفحات المراة والمنوعات في صحف القادسية ثم مسؤولة اقسام المنوعات والتحقيقات في صحف الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق ومجلات( الاسبوعية ) و(نرجس) و(شبابنا) و(المرآة) ، كما ظهرت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد