” لا يحق للطائشين توزيع صكوك الغفران”

 

تعرضت طوابير طويلة من المفكرين والعلماء وأهل الرأي والكلمة للقتل والتكفير والتعذيب والاضطهاد مثل :

ابن رشد , جاليليو , برونو , الحلاج , ابن المقفع , والبعض منهم دفن كتبــه في باطن الأرض مثل عمرو بن العلا , وصنف آخر رمى كتبه في البحر مثل داؤود الطائي وصنف ثالث من شــدة غيضه واتهامه بالزندقة والكفر أحرق كتبه مثل أبو حيان التوحيدي , وعلى نفس المسرب قاما بإحراق كتبهما سليمان الثوري , وأبو سعيد السيرافي ….

فمحاربة المثقفين والمفكرين وأهل الكلمة والرأي يؤدي إلى تقهقر مجتمعي وتدعي بعض الزمر تمثيلها للدين دون غيرها , من أنها الحارسة الوحيدة للقيم والدين الإسلامي الحنيف , وتمادت بعض الفئات في تكفير المجتمع وتكفير الأفراد ووصم الاتجاهات المغايرة بالزندقة والكفر .

فثمة أناس من هذا الفصيل قد جبلوا على فرض اللون الواحد وعلى الغلبة في أوضاع عصية الرجوع إلى زمن فارط .

ولقد قال يحي بن أبي كثير ” من قال : أنا عالم فهو جاهل ” . فالعقليات المعطوبة التي تتحدث بالشتم وتزدري البشر وتمطر حياتنا بالقدح والتكفير والفسفسة والتجريح وتدعي الكمال وتقتات من أوجاع الناس تشكل طاقة خـطر على المجتمع وتقودنا في نهاية المطاف إلى تدهور مجتمعي وإفلاس قيمي وأخلاقي , فلابد من مساعدة هؤلاء للنزول من الشجرة العالية , فمن الخير إلا نتورط في منهج التكفير وأن نتسلح بالوعي الناقد ونمارس الحرية المتبصرة التي لا تقود إلى مجاهل الحيرة والسقوط تحت أقدام العقول الغليظة .

فثمة أناس تنقصهم الثقافة واللياقة وأدب الحوار ومشحونون بالانفعالات وجاهزون للملاسنات اللفظية والاحتراب الدعائي والتكفيري والانفعالي , ولا يتمتعون بذكاء عاطفي ولا بثقافة رصينة ولا بذكاء ذهني ولا بذكاء اجتماعي , يعادون كل شيء ويرافسون كل شيء ويختلفون مع أنفسهم وأصابعهم وثيابهم وخطوات أقدامهم وفاقدون لبوصلة التمييز بين عناصر الصلاح والطلاح ويمازجون بين خصال الخير وخصال الشــر ولا يفرقون بين الناقة والجمل ولا بين الخل والماء .

” في باطنهم خــبث وعناد وتعصب وتقليد فذلك يمنعهم عن إدراك الحق ” حسب تعبير الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي .

ومن أكبر الكبائر في مجتمعنا الجــهل والتعصــب والإصرار على الخطـأ وضحالة التفكير , فالأستاذ شكيب أرسلان في كتابه الموسوم بـ ” لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ” , يشير إلى أن العلم الناقص هو ” أشــد خطراً من الجهــل البسيط , لأن الجهل إذا قيض الله له مرشـداً عالماً أطاعه ولم يتفلسف عليه , فأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري ” .

وقــد جُــبل نـزر من المعطوبين نفسياً وذهنياً على ثقافة الحفظ والإملاء والهيمنة والتكفير والحيــل والمراوغة ومرافســـة الحقائق ومحاربة طواحين الهواء . فلا يحق لأهل الجهالات والتعصب تكفير الآخرين الذين لا يجنحون عن جادة الصواب , ولا يحق للطائشين توزيع صكوك الغفران وإطلاق فتاوى تشوه روح المحبة والتسامح وتهشم صورة حرية الرأي المتبصرة … يتبع .

لا تعليقات

اترك رد