راقصة الميناء


 

الليل هادئ و الأضواء تتلألأ في كل مكان بالشارع فهي تنبعث من كل مكان…و تزرع حتى بالأرض لتضيء للمارين خطواتهم..فتعكس ألوانها الجذابه على البواخر المصطفة بالميناء القديم بمرسيليا.

الحركة لا تتوقف بالليل فكل الناس يخرجون للتنزه والسير بساحة الميناء…المنظر بالليل اكثر روعة منه بالنهار..الساحة الكبيرة تحتضن كل من المارين بها سواء كانوا مقيمين او سياح..كنت هناك في عطلة صيف ..اول زيارة لي لهذه المدينة…كنت اسير بساحة الميناء و أتفرج على الباعة يعرضون سلعهم المختلفة من ألعاب للأطفال وقبعات و قطع الصابون الملونة التي يصلك عطرها قبل ان تقترب منها و أشياء تذكارية كثيرة ..هنا الألعاب مغرية جدا.. و قد لفت انتباهي أحد الأطفال و هو يبكي و الرغبة الملحة تسيطر عليه لاقتناء لعبة ما ..ويبدو أنه واجه الرفض من والدته فجن جنونه وأنهارت شلالات الدموع تتدفق دون توقف ووالدته تردد خجلا امام نظرات المارين :أنت هكذا دائما تريد كل شيء..ثم تسحبه من يده وتمضي ليتأكد اخيرا انه فشل في إقناعها فتذهب دموعه هباء…

شباب وشابات من مختلف الجنسيات يقدمون مسرحيات ثقافية و رقصات بحركات رياضية….على بعد مترين هناك رجل يقارب الخمسين من العمر هزيل الجسم ذو لحية وشاربين طويلين يضع علبة كارتون بسيطة جدا.. بها عرائس يحركها بخيوط رقيقة ليخرج حكاية جميلة لجمهوره الجالس على الارض لمشاهدته.

وهذا الشاب الذي يبدو في العشرينات يعزف على ربابته ببراعة فيبدو كأن بينهما عشق قديم فهي تنام على كتفه بحنان و هو بدوره يتوسد صدرها بطرف خده.. مغمض العينين يسافر معها الى عالم حالم بعيد..

عزفه أعجبني بل و أبهرني لحد كبير…فجأة أدركت أن زوجي وطفلاي ابتعدا قليلا أسرعت ووضعت له ( 2 يورو) بالعلبة الصغيرة التي على الارض و رحت ألحق بهم..و هناك في الجهة الاخرى كان صوت ضجيج يقترب من مسامعي ..صوت تصفيقات قوية و تصفير وهتافات تشجيع لشيء ما …تراىء لي جمع كبير من الناس…نساء و رجال وحتى أطفال يقفون للتفرج على ما في وسط الحلقة…إقتربت أكثر وسمعت لحن قيثارة عربي جميل جدا لكنه يختفي من حين لآخر وسط فوضى الهتافات جذبني الحنين للوطن هناك شيء يقول لي توقفي و تمتعي بالاستماع اكثر…لكن جدار الأجساد المحيط بالحلقة لم يتركني اقترب لأرى،الفضول كعادته يدفعني للتقدم…كنت أتسلل بينهم وأرمي في كل مرة خطوة للأمام طبعا و بلباقة أطلب العفو إذا لامست أحدهم حتى لا ينزعج مني..كنت أقترب شيئا فشيئا واللحن يسافر بي الى الأجواء العربية أحسست بحشرجة في حلقى وكأن دمعتان تنحدران على وجنتاي..أردت أن أصرخ….كم اشتقت اليك يا وطني، كم افتقد لمواسم الاعراس وسط الاهل والاقارب.

هاهو فضولي يدفعني أكثر..أرى أن ما يدور وسط الحلقة بدأ يظهر لي جليا… وقفت في أول الصف..أعتدلت بعد أن تمكنت من إختراق جدار الأجساد للعبور الى الأمام و بجهد جهيد..لأرى ماذا؟!! رجل يعزف الآخر يغني و إمرأة ترقص …كانت مجرد إمرأة ترقص!!!.. جمالها عادي جدا ذات بشرة تميل الى السمره وشعر قصير أشقر..طويلة ذات جسد ممتلئ وقوام جميل…كانت ترتدي فستان أزرق قصير يضغط على جسمها و حقيبة يدها معلقه باحكام وكانها تخشى ان تضييعها وسط هذا الحشد،ربما بها شيء مهم.
بقيت انظر إليها في ذهول ولم أفهم إن كانت من الجمهور واستهوتها الموسيقى فدخلت ام انها راقصة، لم يهمني الامر بقدر ما بقيت عينايا تخترق حركاتها وهي تغير رقصها كلما تغيرت الموسيقى..

ثم ألتفت الى بعض الرجال وهم يتناسون أنفسهم امام إمرأة لمجرد انها تترنح أمامهم … كانت ترقص بجنون حينها اقترب أحد الشباب منها أشعل سيجارة… أعطاها لها توجهت بها الى شفتيها أخذت منها نفسا عميقا ثم رمتها على الأرض وداست عليها بحذاءها و أكملت الرقص ..وكأنها تقول للكل ها أنا ذا قوية..أنا حرة أفعل ما أشاء ولا أبالي بأحد ..كنت في وسط ذهولي لما أرى أمام عيني لأول مرة اشاهد موقفا كهذا…حتى بالمدينة التي اسكن بها لم اصادف شيئا كهذا..في ذلك الوقت تنهدت بحسرة على ثقافتنا وافكارنا التي لا تنحصر الا في جسد إمرأة وقارنت بين مارأيته الان وما رأيته من قبل مما قدمه مجموعة الشباب من مسرحيات… لم أستفق إلا وزوجي يضع يده على كتفي وطفلاي يرددان” هااا هاا ماما انتي هنا اذن ” التفتت اليهم والى زوجي و سألته بسذاجة أو ربما ببراءة..
كيف تجيء إمرأة بالجرأة لتفعل هذا بالساحة أمام كل هذا الجمهور…
إبتسم وقال:لا يهمنا ..لاتفكري كثيرا بهذه الأشياء…

التفتت انا مرة اخرى إليها فإذا بها تنزع حذاءها وترمي به جانبا لتواصل الرقص حافية القدمين ، بل وزاد جنونها مع ازدياد الهتافات… فارتبكت من المنظر و أصابني شعور بالغثيان ..مددت يديا الى أطفالي اغمض عينيهم.. استدرت الى الخلف و نظرت الى زوجي فانتبه وكأنه قرأ ما يدور في رأسي وعرف أني أوجه السهم الى عينيه المتجهتين نحو ما يدور بالحلقة..فهم ما احس به وعرف أنه يجب علينا الانصراف..رحت أمسك بيدي أطفالي في محاولة إختراق جدار الأجساد و لكن هذه المرة للخروج …وصورة المرأة لا تزال عالقة بذهني و أسئلة كثيرة تدور في رأسي ..كيف للمرأة التي كرمها الله والبسها ثوب العفاف ان يصل بها الحد الى هذا الانحطاط؟ هل هو تقصير الاسرة أم المجتمع ام الحرية…لم أجد إجابة شافية …

و بقيت كل ليلة أخرج رفقة عائلتي الصغيرة نسير ونتجول و نشاهد المسرحيات و الجمع العربي الغفير يلتف كعادته حول الراقصة…و التصفيقات والهتافات تغطي صوت القيثارة فمن الذي سيهتم الى اللحن ،كنت اتعمد الابتعاد عن المكان حتى لا يصيبني الغثيان من النشاطات الثقافة التي نقدمها للسياح…إلى ان انتهت عطلتي وعدت.

لا تعليقات

اترك رد