كيف تصنع جاهلا؟ – ج4


 

ما الفارق بين العالم الافتراضي والعالم الواقعي؟ سؤال طرح نفسه فجأة على ذهني، لذلك أشاركك سؤالي لعلنا ننتصر عليه! نعم يا صديقي هي معركة بالفعل، ولا سبيل لدينا سوى أن ننتصر على هذا “الوهم المسيطر” على واقعنا بحضوره البغيض، هذا ما أسعى إليه، وإن كان لك رأي آخر فلا تبخل به، فالواقع الحقيقي المنشود أراه بيننا ممتدًا وجليًّا دون تدخل من آخر- أيا ما كان- يملي علينا مفردات عالمه كي نحياه عنوة ويسجن واقعنا المتواضع في قفص يعلو سياجه بقوانيين غير منطقية إطلاقا، ودون حتى محاكمة عادلة!

وقبل أن تُجيب عن هذا السؤال، دعني أضع أمامك بعض الأسئلة المصاحبة والحاملة للفكرة التي أود نقاشها اليوم معك، ومحاولات بعضهم لاقتحام حياتك لتنال من حريتك وتصيب عالمنا المبسط بالتفكك والتشويش.

لماذا ينبغى أن تدخل “الفتوى” فى الحيز التنظيمى الآن؟ ولماذا تُشرع لها القوانين؟ هل تعلم أن أول مشروع قانون يقدم للبرلمان المصري لتنظيم الفتاوى الدينية في التاريخ؟!

الفتوى! تلك اللفظة الناعمة كـ”الشفرة”، والمدمرة والثقيلة كـ”فيل” فقد عقله، تُلاحق وتداهم وتحتل العقول، وتبني مستعمراتها بهندسات متعددة الأشكال، والحقيقة المطلقة- من وحهة نظري المتواضعة- هي أنها مهما اشتبكت دلالاتها مع المفاهيم المستحدثة داخل حيز تاريخي بعينه، له خصائصه وسماته، لا بد من موتها وسحقها على عتبته، أو على بُعد خطوات زمنية قليلة، خصوصًا في هذه المرحلة التاريخية الجديدة للإنسانية التي تبلورت أفكارها على اكتشافات علمية و أعمال إبداعية وسياسات وتقدم تكنولوجي وتقني خطير، وخصوصا أيضا أن تلك “الفتوى” التي يُعبر عنها أصحاب العمائم أو السلف متعدد التوجهات ودرجات التشدد على اعتبارها الجرعة الدينية المكثفة المُلزمة أوهي حقيقة الدين نفسه، ومن يمتلكها ويسيطر على إطلاقها بالنحو الذي يراه هو “فقط” صوابا فقد ملك المسلمين- ومَن حولهم- في يده! محض هُراء.

إذن هي الحرب التي تدار في الخفاء منذ زمن بعيد، وسوف نناقش لاحقًا متى وكيف بدأت بين أقطاب الجماعات الإسلامية والتوجهات والفصائل المتأسلمة داخل مصر والعالم العربي، والممتدة الآن إلى دول أخرى في العالم! وذاق على يدها المرار المصبوغ بالدماء، والحقيقة الواضحة والفاضحة لتلك الحرب تبرز مراحل فورانها على خط بياني (متخيل) في مراحل تاريخية مختلفة ومتباينة في توجهاتها السياسية وأشكال الحكم وطبيعة الأهداف من وراء استخدامها، وتمثلت في هذه الحقبة التاريخية المعاصرة في شكل قانون قدمه أحد أعضاء البرلمان المصري ويدعى الدكتور عمر حمروش، أمين سر لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب، ومعه ستون نائبا، بشأن “تنظيم الفتوى العامة”، وهو أول مشروع قانون يقدم للبرلمان لتنظيم الفتاوى الدينية “لاحظ وتذكر أنه أول مشروع قانون لتنظيم الفتوى”، وأحاله الدكتور على عبد العالرئيس البرلمان، وعلى وجه السرعة للجنة مشتركة من لجنتى الشئون الدينيةوالشئون الدستورية والتشريعية داخل البرلمان لينتهى تفصيله على مقاس المؤسسة الدينية الرسمية “الأزهر”! ونصت مواد القانون المقترح والتي تم نشرها على هذا النحو:

المادة الأولى: يحظر بأي صورة التصدي للفتوى إلا إذا كانت صادرة من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، ومن هو مرخص له من الجهات المذكورة في المادة الثانية.

المادة الثانية: الجهات التي لها حق منح ترخيص بالفتوى هي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، ووفقا للإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

المادة الثالثة: للأئمة والوعاظ ومدرسي الأزهر الشريف وأعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر أداء مهام الوعاظ والإرشاد الديني العام بما يبين للمصلين وعامة المسلمين أمور دينهم، ولا يعد ذلك من باب التعرض للفتوى العامة.

المادة الرابعة: الفتوى في القضايا العامة، خاصة المتعلقة بشئون الأوطان، لا تصدر إلا من المؤسسات الواردة في المادة الأولى وتقتصر ممارسة الفتوى العامة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على المصرح لهم من الجهات المذكورة.

المادة الخامسة: يعاقب على مخالفة أحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر، وغرامة لا تزيد على ألفي جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين وفي حالة العودة تكون العقوبة هي الحبس والغرامة التي لا تتجاوز خمسة آلاف جنيه، “انتهت مواد القانون هنا”.

وبنظرة عابرة على تلك الكلمات، التي أرى أن الحبر الذي طبعت به خسارة جمة، نكتشف حجم عشوائية التفكير من الأساس والتلهف العجيب على حبس-بقوة القانون- أي شخص خصوصًا في وسائل الإعلام وناشطي مواقع التواصل الاجتماعي إذا ما نطق بكلمة يقول فيها رأيه، فالغرض الواضح خلف هذا القانون تعميق “الوهم” والتحكم في عقولنا من على بعد.

لا تعليقات

اترك رد