سقوط الجماعات فى مصر: روح الفريق وسبل المشاركة فى العمل قيم غائبة – ج١


 
الصدى-سقوط-الجماعات

النظم العربية تكرس للذاتية المفرطة التى أصبحت ثقافة

 على الرغم من أن الضمير الجمعى لدينا يعترف اعتراف صريح ليس فيه أى مواربة أو ادعاء، بل اعتراف يحمل فيه طياته شجاعة الموقف، ويبدو فى ظاهره لامعا، وان كان ليس كل ما يلمع ذهبا، الإ أنه اعتراف مخجل، يضمر فشلا، وخيبة أمل، وعجز، فعلى نحو يدعو الى التأمل يعترف الجميع، بأننا كلنا لا نستطيع العمل وسط جماعة، وان ثقافة العمل الجماعى غائبة، عن حياتنا، قد يعجز البعض عن تفسير هذه الظاهرة، ربما بسبب تشابك عناصرها سواء اجتماعية أو ثقافية، وسياسية، وأيدلوجية أو ربما بسبب مفهمونا عن السلطة، سواء كانت أبوية أو حاكمة، أو ربما ترجع الى ضعف ثقافة الممارسات الديمقراطية، أصبح المزاج العام شخصى، والفردية هى الخلاص، حالة من الحيرة والغموض تواجه كل ما من يتعرض الى معرفة أسباب فشل استمرار، الجماعة فى الزمن، وأصبحت الفردية ثقافة، والشخصنة سبيلا الى الغايات، والنوايا، وصدقت المقولة التى يرددها الغرب عنا أننا أمة، اتفقوا إلا يتفقوا.

ظلال الذاتية الكثيفة
هذه الظاهرة تنسحب على مناحى الحياة المختلفة، لا يخلو منها مجال إلا و تترك عليه ظلال كثيفة من الذاتية المفرطة، أو سلوك يتعاظم معه الشعور بالأنانية، و قد تجد صعوبة فى وجود مصنع ظل يعمل بروح الفريق، وهو ما يفسر ضعف الانتاجية فى الساعة، أو أن تجد سلعة تتطور مع الزمن، أو مؤسسة تتراكم لديها الخبرات، فتتفرد، على العكس تماما، حيث يطالعا الواقع، بسقوط منحنى المشروعات التى بدأت عملاقة، وقوية وتوفر لها سبل النجاح والامكانات، سواء المادية أو البشرية. لكن غياب روح الفريق والأهداف العامة، أدت الى تقلص الأهداف وتوقف مسار التقدم، وجمود الحركة، وتضاؤل المردود، وتراجعت المبادئ، حتى يصل الأمر الى الاختفاء من الميدان، والانقراض.

فيما يرجع الكاتب صلاح عيسى تعاظم الفردية فى حياتنا الى فترة الاستعمار الانجليزى، التى غابت فيها العدالة، وعاش فيها الناس تحت وطأة الاحساس بالظلم فترات طويلة. وأيضا انتماءنا الى مجتمع زراعى كل فرد فيه يحل مشاكله بنفسه، مشيرا الى ان لو أطمئن المواطن الى عدالة المجتمع سيتحول الى منتج مشارك ومتفاعل.

وان كان الوجه الاخر لاتحاد الجماعة، يظهر فى تحت وطأة الاحساس بالظلم والمقاومة السلبية التى تتشكل على نحو غير معلن فى المجتمعات التى تعانى القهر، ومن قسوة غياب العدل والسلام الاجتماعى.

لم تكن ظاهرة غياب روح الجماعة وطريقة عمل الفريق الواحد فى حياتنا، بمنأى عن الحياة الفنية، فعلى الرغم من إن حياتنا المعاصرة شهدت عطاءا مؤثرا للجماعات الفنية، التى ظهرت متحمسة مع عشرينات القرن العشرين بعد ظهور الرعيل الأول من الفنانين التشكيلين، الذى تخرج فى مدرسة الفنون الجميلة فى العام 1911، عندما أسس خالد الذكر محمود مختار جماعة الخيال، ودعا حبيب جورجى الى العودة الى الجذور، مع أعضاء جماعة الدعاية الفنية، وهزت المجتمع الثقافى أفكار ونشاط جماعة الفن والحرية، وظهور جيل جديد يلتف حول المفكر والمربى حسين يوسف امين تحت راية جماعة الفن المعاصر، أو من خلال إسهام جماعة الفن الحديث سواء فوق الأرض وتحت الأرض، وصولا الى جماعة المحور، فى الثمانينات التى اتفق أعضائها على التوحد مع العمل الابداعى، حتى لو أنجز الفنان جزء بسيط منه دليل على وحدة العمل والفن والفنانين، الى إن اختفت الجماعات الفنية تماما من حياتنا الثقافية مع نهاية الثمانينات. بعد ظهور نشاط المعرض السنوى والذى يحمل اسم (صالون الشباب) والذى بدأ نشاطه كمعرض يسعى الشباب للحصول على جوائزه، مع مشارف التسعينات من القرن العشرين، فالمسابقة السنوية للصالون غذت النزعة الفردية بين الشباب، وان كان الظواهر لا يقف وراءها سبب واحد، فهل لان النشاط الابداعى للفنان نشاط ذاتى، ومحكوم عليه بالعزلة، كشرط ابداعى قسرى، سببا فى خفوت صوت الجماعات، أم أن فيروس الفردية فى المجتمع انسحب أيضا على الحياة الفنية.

خريطة بحجم الوطن
على الرغم من أن أغلب الجماعات الفنية التى ظهرت على الساحة الثقافية فى القرن العشرين، استهدفت رسم خريطة للفن التشكيلى بحجم الوطن، ووضع نشاطه ضمن المكونات الأساسية للشخصية المصرية المعاصرة، ووصل ما انقطع مع التاريخ، لذلك غياب نشاط الجماعات الفنية فى العقدين الأخريين ظاهرة تستحق الرصد، فقد نجد ما يكشف عن مواطن القوة أو الضعف فى العقلي المصرى وعلاقته بالعصر ومعطياته، والوقوف على المكون الاساسى للشخصية، ودوافع الإنجاز والإبداع، وربما تكشف الظاهرة عن تغيرات وتحولات وتبديل يربطها بتيار عالمى داعى الى التفكيكية. أو سيادة ثقافات مغايرة، وهل أسباب التفتيت من خارج الجماعة أو من الداخل، أو أن جيناتنا تستعصى على الفعل الجماعى الأصيل، أو إن مفاهيم العمل الجماعى لا تتفق مع ذهنية العامة، وبالتالى يوجد استحالة بناء كيانات جماعية، تتفق على هدف واحد وتتجمع من أجله الطاقات والقدرات، وتتوحد تحت رايته النوازع الفردية رغم اختلافها وتباين مشاربها.

لم تقتصر ظاهرة اختفاء الجماعات وسقوطها فى بئر النسيان على مصر، ففى الوقت الذى اندثرت فيه جماعات مصرية، ظهرت جماعات كثيرة فى الوطن العربى لكن اغلبها توقف ولم يستمر أيضا، فمثلا جماعة البعد الواحد فى العراق التى أسسها المفكر والفنان شاكر حسن آل سعيد واعتمدت على التراث الحضارى للأمة ككل، ومع ذلك توقف نشاطها أيضا.

النظم العربية تكرس للفردية
لقد كانت روح الفريق والقيم الاجتماعية المشتركة وسبل المشاركة فى العمل وفى النتائج سببا فى إرساء قواعد الإنتاج فى المجتمعات المتقدمة على نحو ينطلق وفق نسق من القيم الاجتماعية والاقتصادية التى تدعم مفهوم النسق الواحد المتكامل (النظام) لا المفهوم (الذاتي)، فى حين إن ذاتية النظم العربية تكرس كل جهودها الى تدعيم ودفع النزعة الفردية، بشتى الطرق والوسائل الى المقدمة، وتأمينها بكونها رمزا وضرورة، وتاريخ، ورأس النظام، الأبوى المنزه عن الخطأ.

فى الوقت الذى نرى فيه البطل فى الفكر اليابانى هو النظام الاجتماعى، فى حين البطل فى الفكر الامريكى هو النظام الاقتصادي، بينما نرى البطل فى الفكر العربى هو الفرد الذى تتمحور حوله الأهداف ويناط به الأعباء، ويختص بالإنجاز، وينسب إليه بلوغ الغايات، وبالتالى ليس مستغربا إن تصاب الذات الفردية بالتضخم، والإحساس الدائم بالزهو الكاذب الخادع، على نحو يدمر قيم العمل الجماعى، وعدالة التوزيع، والتخلى عن معانى التكاتف والمشاركة، والإيثار، بل تطرح الفردية بقوة وعنف مفاهيم الصراع، فى الوقت الذى تتراجع سلوكيات التعاون وروح الفريق، منسحبة من ساحة التفاعل الانسانى، ويتخلى الفرد طواعية عن روح المبادرة وينسب النجاح باستمرار الى القائد وليس الجماعة، تأكيدا لمقولة: النصر تصنعه الشعوب ويسرقه الحكام.

بالتالى أى نشاط مؤسسى تنسحب عليه المفاهيم الفردية من أصغر عنصر فى المؤسسة الى قمة الهرم التنظيمى الادارى، للدرجة التى أصبحت فيه مؤسسات تسمى بأسماء رؤسائها، وتدار وفق مفاهيم خاصة ورؤية أحادية، وتنهار بترك الرئيس موقعه، بينما ترفض بعض المؤسسات الناجحة، نشر تجربتها حتى لو كانت نتاج عمل جماعى خشية أن ينقل عنها المنافسون مسارات التميز، أو تحاصر كامل مواردها وتنعزل عن البيئة المحيطة، بدوافع السرية حفاظا على مواردها البشرية، فى ظل عدم إيمان بالعطاء الجماعى ومنافع العمل بطريقة الفريق المتضامن، حتى الجماعة السياسة التى تتفق على حزمة من المبادئ والأهداف للصالح العام فى قضايا تخص الأمة، سرعان ما ينقلب على كل شئ، على نحو مجانى لا يتفق مع الأهداف التى اتفق عليها فى البدايات. ويصبح الخلاف فى وجهات النظر خلاف أصيل، تبدأ التجمعات كل مرة من نقطة الصفر، كمن يحفر بئر كل مرة يريد فيها ان يشرب.

مصير واحد
الغريب فى مصير الجماعات الفنية بدون استثناء أو تغير، أو تبديل، انها انتهت الى نفس النهاية رغم اختلاف الأسماء والتوجهات والمشارب والأهداف والغايات، والرؤى التى تبنتها تلك الجماعات، وكأنها نهاية حتمية قدرية، تصيب الجماعات باللعنة، هذه النهاية تغذى النزعة السائدة باتجاه الفردية المطلقة، بعيدا عن الأهداف والغايات الجماعية، وروح الفريق، وتكشف عن غياب الأنساق الديمقراطية فى طريقة التفكير، والعمل فى إطار منظومة انسانية متكاملة تعتمد على تعدد الاراء والرؤى، وتباينها، طالما الهدف واحد، هذا النسق من الأداء غاب عن الجماعات الفنية، رغم وجود إرادة حقيقة فى اتجاه إحداث كيان جماعى، وفى النهاية يفضى الى لا شئ. وهو ما يبين كيف يكون الأداء فى الدوائر الأخرى الحياتية. و يفسر ما آلت إليه مسيرة الأحزاب السياسية المخيبة للآمال فى الربع الأخير من القرن العشرين، حيث تتشابه النهايات.

وعلى الرغم من الشكل البراق للأهداف والغايات والمبادئ التى كانت سببا فى إطلاق كوامن العمل الجماعى فى نفوس المؤسسين على اختلافهم، والدافعة الى البحث عن واقع جديد، ينطلق من رغبات النخبة، ومحاولات انتخاب مسارات للتواصل مع الأغلبية الصامتة، والسعى إلا إن المحقق منها لا يكاد يرى.

حيث يقول سمير غريب فى كتابه السيريالية فى مصر: كانت لدى جورج حنين(مؤسس جماعة الفن والحرية) الرغبة لأن يظهر لفنانى بلده كيف إن الفنون التشكيلية قادرة على المشاركة، مثل الكتابة، فى معرفة الإنسان، بينما يقول حنين: “إن الرسام والنحات والكاتب ليسوا فى خدمة مفهوم بعيد لا نهائي وغير مهم، إن وعيهم الواضح يستقبل إلهاما يسمعونه من محيط الوجود، حيث العالم المرهف الحيوى، إن الأبنية التى بناها العقل انطلاقا من معطياته الأولى لا تغير أصل ولا توجه العمل الفنى”

المقال السابقالجزء الأول (نص مفتوح) – ١٦
المقال التالىفي الشرق اﻷوسخ
فنان تشكيلى مصري ، يكتب عن الفن، منذ منتصف الثمانينات، في الصحف والمجلات المصرية والعربية والأجنبية، مؤسس صفحة جاليري بجريدة روز اليوسف اليومية. وساهم في العمل العام من خلال، عمله كمدير فنى لقطاع الفنون التشكيلية. والمشرف العام المركز الثقافي بمتحف احمد شوقي (كرمة بن هانئ). المشرف العام علي ادارة ال....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. تحية تقدير للفنان خيرية المنصور علي هذا المجهود الممنهج المقدر لفتح نوافذ علي واقع جديد

اترك رد