بروز العشيرة وإشكالية تلاشي الحياة المدنية

 

يمثلون مجتمعات متمايزة ومختلفة فيما بينها ومنغلقة على الذات ، هكذا وصف حنا بطاطو المؤرخ الشهير من أصل فلسطيني العراقيين منذ مطلع القرن العشرين وحتى فترات متأخرة منه . ويمضي المؤرخ المتخصص في تأريخ المشرق العربي الحديث وخصوصا العراق في وصفه قائلا ؛ ” كانت هناك هوة واسعة تفصل مدن العراقيين عن مناطقهم العشائرية ، وكانت حياة الحضريين من سكان المدن تخضع للقوانين ، في حين ان حياة أبناء العشائر كانت تخضع للعادات والتقاليد المصبوغة بصبغة دينية “.

تلك الصورة التي رسمها بطاطو لم تحافظ على ديمومتها لتنتج نمطا مستقرا من المجتمعات الحضرية والريفية غير المتداخلة ، واخذت تتبدل بمرور الزمن لكن في سياق التغيرات الطبيعية للمجتمعات في بادىء الامر بفعل هجرة سكان الريف الى اجزاء من المدن نتيجة العوامل الاقتصادية والبحث عن فرص عمل جديدة . وحتى ذلك الحين ظلت الطبقات الاجتماعية محافظة الى حد كبير على كيانها ونمط عيشها ، غير ان التقلبات السياسية والاقتصادية الحادة التي اعقبت تلك الفترة اثرت بشكل كبير على طبقية المجتمع وأحدثت خللا واضحا في تركيبتها، لتصبح فيما بعد مشكلة تضاف الى المشاكل السياسية والأمنية التي ما زال العراق يعاني من تبعاتها.
أولى ملامح تفكك طبقات المجتمع وذوبان الحدود الفاصلة بينها رسمتها الفترة التي اعقبت غزو الكويت في تسعينيات القرن الماضي . حيث بدا النظام الحاكم آنذاك في اضعف حالاته وبدأت تضعف قبضته الأمنية بفعل التذمر الشعبي من سياساته ما اضطره الى الاستعانة بالتنظيمات العشائرية ودعمها للسيطرة على أفرادها لتحل تدريجيا محل المجتمع المدني ، الذي بدأ يفقد دوره وريادته التي كانت تشكل علامة فارقة ضمن محيطه العربي .

ازداد المشهد وضوحا بعد العام ٢٠٠٣ ، حيث انتصرت المظاهر العشائرية على مظاهر الحياة المدنية ، وعادت الحياة الى ممارسات عشائرية كانت قد اندثرت في مراحل زمنية سابقة وجرى التداول بها على نطاق واسع . ويصف احد الباحثين تلك التغيرات في المجتمع قائلا ؛ ” الحياة المدنية في العراق شهدت نكوصا واضحا يستدل عليه من عمران المدن التي صارت تتشبه بالريف من حيث بناء دواوين فارهة وأحياء المناسبات العشائرية فيها ، بل وحتى وصل الأمر الى أطلاق بعض اسماء العشائر على بعض الاحياء السكنية والشوارع ” ، ويضيف الباحث ؛ ” ان دولة مدنية لا يمكنها أن تنشئ في ظل نمو العصبيات القبلية وشيوع مفاهيم الجماعة وتلاشي مفاهيم الفردية وقيم المواطنة ” .

تعاظم النفوذ العشائري نتيجة لذلك ، وارتبط بطريقة واُخرى بمناحي الحياة المختلفة ، وخصوصا في جوانبها السياسية ، حيث اصبح السياسيون يلتجأون الى عشائرهم خلال مواسم الانتخابات . وأصبح زعماء العشائر يحشدون الدعم اللازم لفوزهم ، وكلما كانت العشيرة كبيرة بعدد أفرادها ، كلما ازدادت فرص الفوز للسياسيين . لكن هذا الفوز ليس مجانيا ، اذ يترتب على الفائز استحقاقات لعشيرته وزعمائها . فلابد لتلك العشيرة ان تنال حصتها من التعيينات في دوائر الدولة ومؤسساتها الأمنية ، وتوزع تلك التعيينات من قبل زعيم العشيرة على الأفراد الذين يختارهم ولا تكون الكفاءة او الوطنية معيارًا في هذه الحالة ، بل الولاء للعشيرة وسياسييها هو الأساس . السياسي الفائز مطالب أيضا باستحقاقات اقتصادية تتمثل بمنح زعماء العشائر صفقات تجارية تدر عليهم ارباحا لضمان استمرار دعمهم له . وتفرز هذه الحالة نوعا من العلاقة التكافلية بين العشيرة والنظام السياسي قائمة على الولاء والمصالح المتبادلة ويستمد فيها كل طرف ديمومته من الاخر .

دور العشيرة في المجتمع لا يخلو من جوانب إيجابية بالنسبة للبعض ، فضعف سلطة القانون اللازم توفرها لقيام اي مجتمع مدني سيولد الفوضى بالنتيجة ، وستنتشر حالات القتل والسرقة ، والفرد الذي لا ينتمي الى عشيرة مهابة الجانب تنتصر له وتاخذ حقه بالقوة سيكون حينها فريسة سهلة للمتصيدين وسط زحام تلك الفوضى . وهنا بدأت العشيرة تلعب دورا مهما في حل النزاعات الاجتماعية، من خلال احكام تستند الى أعراف عشائرية معترف بها من قبل جميع العشائر . وجعل تلك الأحكام واجبة التنفيذ استلزم تمتع العشيرة بقوة وسطوة ونفوذ تثير خشية بقية العشائر .

ولجأت العشائر في سبيل ذلك الى امتلاك ترسانة من الأسلحة لإثبات قوتها ، لكن وجود السلاح المنفلت سرعان ما تحول الى ظاهرة ، وتكررت النزاعات العشائرية وتفاقمت الى حد عجزت فيه السلطات الأمنية عن وضع حد لها . وبدأ يمثل سلاح العشائر مشكلة أمنية تسبب في بعض الأحيان تهديدا ليس للأفراد فحسب بل كذلك للدولة ومؤسساتها .

لا تعليقات

اترك رد