منحوتات الفنان محمد غني حكمت – صروح مستمدة من حكايات شعبية

 

للفنان النحات محمد غني حكمت (1929 ـ 2011) المولود في الكاظمية أثر إنتاجي نحتي مميز, مليء بثراء الإنجذاب من عموم الناس، أعمال مبسطة، أسطورية.. برغم أفتقارها إلى العمق التعبيري المعاصر، إلا إنه يتوافق مع التلقي للأغلبية السائدة في الإنجذاب نحو أساطير ( ألف ليلة وليلة ) مثل شهريار وشهرزاد، وتمثال كهرمانة، تلك الأعمال، تتناسب مع إضافة رونق التمتع الإنجذابي في مدينة تشكل عاصمة، وأمل في أن تكون سياحية أبان تلك المرحلة، لاسيما قبل الحروب، وربما في الخطط البنائية والإنشائية لأمانة بغداد، في مراحل الأسترخاء والمودة والأمان. . لكن ياترى، هل تتناسب تلك الصروح الممتعة في الخيال الفنتازي والأسطوري مع آثار الدمار والأندثار، وقطع الطرق وضحايا شهداء الكرادة وغيرها من الأحداث؟ ألتي تستوجب التخليد النحتي من قبل الفنانين، وبدعم من جهات مختصة ، لأن ألفنان يده لاتصفق لوحدها،

 

مع إن تمثال ( كهرمانة ) تتناسب قصة علي بابا والأربعين حرامي ألتي وردت ضمن قصص ألف ليلة وليلة مع واقع ( الحرامية الكبار ) أو الحيتان الكبيرة، ألذين لايكترثون من صب الزيوت المغلية فوق رؤوسهم .

لقد كان تمثال كهرمانة وعلي بابا والأربعين حرامي… هذه الحكاية الأسطورية التي وردت ضمن قصص ألف ليلة وليلة، والتمثال يمثل الجزء الأخير منها: كهرمانة، المرأة الذكية التي إستطاعت أن تقضي على الأربعين حرامي الذين كانوا مختبئين في الجرار وذلك بسكب الزيت المغلي فوق رؤوسهم الواحد تلو الآخر. التمثال يقع في ساحة كهرمانة عند مفرق الكراة. أزيح الستار عنه عام 1971،
تلك التساؤلات لاتقلل من شأن جهود كبيرة للمنحوتات المهمة وخاصة عمل ألفنان – محمد غني حكمت – الجسد الذي يعلوه يد من خمسة أصابع لنحر وصد الأثر الرافديني الذي ينحو نحو السقوط ،

هذا العمل مختلف تماما عن محتوى أعماله السابقة، وكما ذكرت آنفا، تلك الأعمال أنجزت في وقت الأسترخاء والتمتع البصري، في حين جسد عمله الأخير، ( نصب إنقاذ العراق ) الذي يمثل الختم السومري الأسطواني المائل ، والذي تقوم بصده أصابع تعلو جسد يمثل ألفئة الواعية ألتي تهتم وتقدر قيمة التراث الحضاري ،

يقع التمثال على مقربة من ساحة الفارس العربي، وهو يمثل كذلك لما حصل من إندثار لمعالم الآثار من المتحف العراقي وأماكن أخرى في الممرات وليس في المتاحف، ولو بقي النحات – محمد غني – عائشا، أنتج أعمال مماثلة في الأهداف والمضامين ألتي تحاكي الأحداث الحالية، لذلك فإن الأحداث وطبيعة مايحصل في المجتمع تتناسب مضامين أعمالها الفنية والأدبية والثقافية ومنها الشعر والنحت والرسم، بدليل إن الأعمال ألتي جسدها في تلك المرحلة عن شهريار وشهرزاد، هي في زمن الدولة العباسية وفي مراحل استرخائها الذي يحتاج إلى التمتع بحكايات ألف ليلة وليلة وقصص مماثلة لها. وبالرغم من ذلك، فإن لديه أعمال تمثّل منحوتات ذات علامات لذاكرة الذين عانوا من النفي من بلدهم إبان سنوات الحظر والحروب المضطربة، كما تشكل ذكريات محببة لأولئك الذين بقوا هناك. ولكونه مارس فنه بروح تراثية، مستمداً استلهامه من الإرث العراقي المتعدد الأوجه، أصبحت منحوتاته بمثابة رموز للوطن بحد ذاته. وبالفعل يحتل العراق، وخاصة بغداد، مكانة هامة في ممارسة النحات – حكمت – الفنية، ونتيجة لذلك، أصبح -حكمت – نفسه من العلائم المشخصة للمدينة، ويتذكره الجمهور كأحد رموزها الفنية المرتبطة بتجديد التراث الخيال السحري .

– تخطيطات –
لدى الفنان – محمد غني حكمت – توجهات وإنجازات مكثفة في التخطيط، بأدوات متنوعة منها أقلام الفحم وحبر الروترنك والباستيل وأقلام الرصاص، طبيعة وهيئة أعماله التخطيطية خطوط حادة وجريئة وداكنة، تركز على معالم بنيتها التركيبية والمعاني التراثية والأسطورية، ولذلك لاتعد ( سكيجات ) لغرض التهيئة لمنتوجها النحتي فحسب، وإنما إلى عالم آخر يجسد أحلامه وأفكاره بفرع آخر وهو الرسم، الذي يتم تنفيذه بمسافات وطرق أقرب وقتا وأسهل تنفيذا من مراحل النحت المهاري والتقني, قد تخرج ألفنان – محمد غني – حكمت من معهد الفنون الجميلة في بغداد سنة 1953 وسافر بعد ذلك إلى روما لمتابعة تدريبه في أكاديمية الفنون الجميلة (أكاديميا دي بللي آرتي) التي تخرج منها في العام 1959. عندما كان مقيماً في إيطاليا، درس كذلك العمل بالمعادن في معهد دي زكا في فلورنسا وتخصص في صب البرونز. درّس في وقت لاحق النحت في معهد الفنون الجميلة في بغداد وفي كلية الهندسة المعمارية التابعة لجامعة بغداد ,لقد كان ألفنان – حكمت – خلال مسيرته الفنية مبدعاً غزير الإنتاج وعرض أعماله بكثرة، كما ساهم بتميز في تنمية الفن التشكيلي العراقي منذ أن أكمل وساهم في إنجاز نصب ساحة التحرير بعد وفاة رائد ألفن العراقي وأستاذه جواد سليم . أقام معارض فردية متعددة في روما وسان ريمو ولندن وبيروت وبغداد،

 

وشارك أيضاً في معظم المعارض الهامة في العراق. أنتسب إلى جمعية أصدقاء الفن والتحق فيما بعد بجماعة الزاوية التي كان يترأسها فائق حسن. والجدير بالذكر أن حكمت كان عضواً بارزاً في جماعة بغداد للفن الحديث التي أسسها صديقاه وأستاذاه جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد. يمكن القول أن جماعة بغداد للفن الحديث كانت بلا شك أهم جمعية فنية في العراق الحديث وكانت تتمحور حول فكرة أن التراث العراقي جدير بأن يحتل مكانة أولوية في ممارسة الفن الحديث. لقد تبنى حكمت هذه الأفكار في عمله الفني واستمد مواضيعه كما استلهم أساليبه من الفن الإسلامي في القرون الوسطى والأدب، وأيضاً من فنون التصوير في بلاد ما بين النهرين. أشتهر النحات كذلك بتماثيله الأصغر حجماً والمنحوتة من الخشب، والتي شكل أهل بغداد موضوعها الرئيس. يمثّل العديد من هذه التماثيل النساء بعباءاتهن التقليدية العراقية وهن يحملن أطفالهن، مما يشير إلى استكشافات الفنان -حكمت – للأمومة كموضوع فني. وله منحوتات أخرى هي عبارة عن نقوش بارزة تصور الحياة اليومية في العراق. نفّذت كل هذه المنحوتات بنمط إختزالي وتجريدي يذكر بالقبور وشواهد القبور البغدادية. تابع استكشافاته في هذه الأشكال المنحوتة في الخشب في الفترة الأخيرة من مسيرته الفنية الطويلة. يمكن تفسير افتتانه بالأشكال البشرية أيضاً على أنه إجلال للنزعة الإنسانية التي سادت في عصر النهضة الأوروبي.

لقد ساعد -محمد غني حكمت – في أعمال عامة كبرى بدأها أعضاء بارزون في ساحة الفن، وفي مقدمتها كان “نصب الحرية” لجواد سليم كما ذكرت آنفا، الذي ساعد حكمت على إنجازه وأشرف على صب البرونز لتشكيله في فلورنسا. عمد إضافة إلى ذلك إلى إتمام المشروع إثر وفاة جواد سليم المفاجئة عام 1961. مشروع آخر كان “قوس النصر”. أنهى حكمت التركيب الهائل عندما توفي النحات خالد الرحال سنة 1987.، علما بأنه لاتزال خطط تفكيكه موضوع جدال ساخن حتى الآن.

في 2003، وقبل إجتياح العراق بفترة قصيرة، غادر محمد غني حكمت إلى عمان، الأردن، حيث تابع عمله. في عمان، غالباً ما إستضاف الفنان موسيقيين وكتاب وفنانين بارزين. ومع أن العاصمة الأردنية وفرت له ملاذا، كما للعديد من الشخصيات الثقافية العراقية، ظل حكمت يشعر دائماً بالتعلق بمسقط رأسه وكان يتحدث عن بغداد مشبهاً إياها بإمرأة جميلة. عاد إلى بغداد بعد الاجتياح مباشرة ليجد بلده وقد تغير للغاية. ومن النماذج الدالة على التدمير الثقافي المتعمد في بغداد كان تشويه نصب حكمت المحبب “شهرزاد وشهريار”، حيث قطع المعتدون يد الملك اليسرى. شعر النحات بالأسى على تدمير النصب العامة الأخرى التي بذل جهوداً كبيرة لإتمامها، وهي منحوتات لا يمكن استبدالها. كان عليه أن يتقبل أيضاً اختفاء ما يقارب المئة والخمسين منحوتة من أعماله والتي تمثل مسيرته بأكملها على إثر نهب المتحف العراقي للفن الحديث.

لحرصه التام بدوره كمدافع عن الثقافة العراقية الماضية والحاضرة، بدأ النحات – حكمت – حملة لإسترجاع الأعمال المنهوبة، وأسس لذلك “جماعة إنقاذ الفن العراقي” التي كانت تهدف إلى إعادة شراء الأعمال التي تظهر في السوق السوداء. إستطاع من خلال هذه الجهود أن يسترجع ما لا يقل عن 100 عمل فني بما فيهم تمثال “الأمومة” لجواد سليم في العام 2003. أصبح حكمت بذلك قوة تعبوية بين طلابه وزملائه من أجل الحفاظ على الإرث الثقافي العراقي

أشهر أعمال محمد غني حكمت الفنية .
. تمثال شهريار وشهرزاد
. نصب كهرمانة في ساحة كهرمانة في وسط بغداد
. جدارية مدينة الطب
. تمثال الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي
. نصب الحرية : والذي يعبر عن كفاح العراقيين ضد الاحتلال البريطاني ووصولا للعهد الملكي ثم النظام الجمهوري ، بدأ النحات الشهير جواد سليم حتى وافته المنية ليكمله النحات محمد غني حكمت.

. محمد غني حكمت أول عربي مسلم يعمل في نحت أبواب الكنائس في العالم حيث أنجز احدى بوابات منظمة اليونيسيف في باريس ، وثلاث بوابات خشبية لكنيسة تيستا دي ليبرا في مدينة روما .
. جدارية الثورة العربية الكبرى في عمان
خمسة أبوب قديمة لمسجد قديم وتماثيل كبيرة ونوافير في البحرين .

لا تعليقات

اترك رد