جحور وأفاعي


 

تنفست الصعداء وهي تراقب زوجها من نافذة غرفة الجلوس المطلة على الشارع في الدور الثاني .. وهي تراه يصعد لسيارة الأجرة مغادرا لمدينة أخرى في رحلة عمل تمتد لإسبوع من الزمان … ابتسمت في سرها .. ستكون حرة من كل شيء .. لاقيود ولا التزامات ولا أعباء تثقل عليها …

كانت سيدة جميلة تجاوزت الخمسين بأعوام قليلة .. تزوجت زواجا تقليديا.. وكانت تراه ناجحا من وجهة نظرها .. كانت تتسم بقوة الشخصية .. لذا وجد الزوج نفسه على الهامش منذ السنوات الأولى للزواج .. في عائلة مكونة منه والزوجة و طفلين .. ولد وبنت .. مادعاه للإستسلام لقرارات زوجته .. كانت هي ترى في ذلك تقديرا لها وإيمانا برأيها السديد ..

لذا كانت تعتبر نفسها أكثر الزوجات سعادة في محيط عائلتها وصديقاتها .. زوج محب ومتفهم وأبناء ناجحون في الحياة .. الشاب يعمل في الخارج .. رفض البقاء هنا داخل البلاد حين أتيحت له فرصة المغادرة للخارج بمؤسسة أطباء بلا حدود .. والإبنة تعيش وزوجها في مدينة أخرى .. حدثت نفسها قائلة سأتصل بها للإطمئنان عليها بعد حادث الإجهاض الأخير الذي تعرضت له.. لم يكن الأب راضيا عن زواجها .. لكنها هي من أصرت عليه أما الإبنة فقد كانت أصغر من أن تعترض على قرار والدتها .. لاتدري ماالذي أتى بكل هذا الحديث لذهنها الأن .. الأهم أن تطمئن عليها ..

خلال الإتصال لاحظت ارتباكا في صوت ابنتها وإستعجالا منها لإنهاء المكالمة .. أخبرتها على السريع أنها بخير ولاداعي لإنشغال البال عليها .. هي بخير وزوجها أيضا ..

أقفلت الهاتف و اتجهت للمطبخ لإحضار فنجان من القهوة ستتناوله على السربع لتغادر وصديقتها لقضاء النهار في الخارج ..
تجولت وصديقتها في الأسواق وهي بكامل أناقتها وابتسامتها التي لاتفارق وجهها تلك التي تخبر بها الجميع أنها سعيدة وبخير .. لفت نظرها أحد الأشخاص أمامها .. ياإلهي حدثت نفسها قائلة لو لم يكن زوجي مسافرا لقلت أنه هو .. ذات السن و الطول و اللون .. وكان منحني الكتفين قليلا ..كهيئة زوجها تماما .. حينها قفزت صورته لذهنها وهو يغادر صباحا .. مافاجأها في الصورة أنها رأته للمرة الأولى وهو منتصب القامة .. لا إنحناء في الكتف ولا نظرة وداع للخلف .. و كأن قدميه تسابق الوقت وتراقص الأحجار هروبا للأمام صعقتها الصورة حين استقرت بذهنها .. أيعقل ذلك .. ؟ لابد من أنها مخطئة .. ولا صحة لما خطر ببالها .. ربما بدأت الوحدة تؤثر عليها قبل إنتهاء اليوم الأول ..

عادت لبيتها ومازالت صور زوجها تدور بذهنها وتكاد أن تقسم بأنه كان سعيدا وجدا لمغادرة البيت ..

نظرت حولها بريبة .. شعرت كأن هناك أفاع تطل برؤوسها من جحور في ذهنها وتتكاثر بسرعة غريبة .. سألتها اليوم صديقتها عن أحوال إبنتها مع زوجها .. كأن هناك مايدور في الخفاء مالم تعلم عنه شيئا .. لمحت صديقتها لخلافات بين الزوجين .. لم تخبرها إبنتها شيئا وكلما سألتها عن حالها تهربت وادعت السعادة ..هزت رأسها مغمضة العينين .. كأنها تبعد الأفعى عن طريقها وبقوة .. مدت يدها لجهاز التحكم التابع للتلفاز .. ستتابع فيلما ما بدل الصراع مع هذه الأفاعي .. هذا فيلم جميل تدور أحداثه بأحد المشافي ..تذكرت ابنها الطبيب .. ياإلهي أفعى جديدة تفر من جحرها لتلهو في رأسها .. لقد كانت على حق حين رفضت إختياره .. أيعقل أن يرتبط طبيب بفتاة لم تكمل تعليمها.. ؟ أي تكن أسبابها لذلك .. فلا يهم وهو ذو الشهادة العلمية القيمة ..

عادت من جديد تؤكد لنفسها أنها على حق .. كأنها تحتاج هذا التأكيد .. لم تسمح لوالده أن يؤازره .. مادفع الإبن للمغادرة بعيدا .. انتهى الفيلم وهي بحالة مزرية .. كأنها صائد ثعابين أنهكه الصراع معها .. ستحاول أن تنام .. يجب أن تفعل .. قرأت قليلا في كتاب لزوجها وجدته بجانب السرير ماساعدها على النوم سريعا .. في الصباح سارعت بالخروج لعملها .. مبعدة بذلك فكرة الإجازة التي كانت تنوي الحصول عليها .. كانت تتحاشى التفكير بأي شيء يمت للعائلة بصلة .. بعد العمل التقت وصديقتها من جديد على دعوة للغداء في الخارج .. تخلله الكثير من الأحاديث التي دارت حول ابنتها .. لتكتشف فجأة معاناتها التي كانت غافلة أو متغافلة عنها .. فتنهي بذلك يوما متعبا من أيامها .. غفت منهكة وهي تتابع فيلما معادا على التلفاز .. لتصحو على جرس الهاتف .. إنه ابنها يتحدث ليطمئن عليها و يعلمها بسفره لمكان أخر .. أيضا كان يتهرب خلال الحديث من أية أسئلة خاصة أو جانبية .. أقفل الهاتف واعدا بالإتصال بأقرب وقت .. تبا للأفاعي لاتغادر تفكيرها .. مازال يلومها .. ابنها مازال يلومها على تعاسة قلبه .. ماالذي تستطيع فعله الأن ؟

تناولت قهوتها وغادرت لعملها بعجلة وهي تتخوف من أن تلحق بها تلك الأفاعي ..عادت أخر النهار منهكة و أفاعيها معها .. تقاتلها
ياإلهي ماذا فعلت بعائلتها ..؟
أيعقل أن زوجها لم يكن سعيدا معها طوال هذه السنين …؟

هو من ابتعد وسلمها زمام الأمور .. عند هذه النقطة .. تذكرت كيف كانت تسكته عند كل نقاش عائلي فارضة رأيها كصواب لامفر منه .. لم تأخذ يوما تذمره وتبرم الأولاد بما تفرضه عليهم بعين الإعتبار أبدا ..
اليوم تذكرت فقط .. كيف كان زوجها يرشقها بنظرة هي مزيج من العطف والشفقة والألم …
أحبوها لدرجة أنهم تحملوا كل قراراتها البائسة طوال تلك السنين .. ولم تدرك هي ذلك أبدا ..
كيف يمكن للحقائق أن تغيب رغم كل النور هكذا .. ؟
ستصلح كل ذلك قدر الإمكان بعد عودة زوجها .. حدثت نفسها ..
قررت أن تستقبل زوجها بنفسها في محطة الحافلات .. نعم ستفعل وستخبره كل ما حدث .. قد وصلت متأخرة جدا .. لكنها وصلت ..
وفي لحظة اللقاء .. لحظة وصول الزوج .. كانت كل الأفاعي قد عادت لجحورها … و أنكر ذهنها كل ماحدث في الأيام الفائتة ..

لا تعليقات

اترك رد