محمد الجاسم يتغطى بالكلمات


 

تراتيل محمد الجاسم السومرية المتجذرة بالأرض والعابقةُ برائحة الاهوار ونسائم الجنوب تدخلك الى عالم مليء بالحزن والحب، انه عالم الريح التي تحن الى النخيل في موسم الصيف ، عالمٌ الجدران التي يتسلق فوقها الشعر كاللبلاب حينما يغرس الجمال ويصنع الفرح.
من الحرية الى السجن الى الحرية متنقلا في دهاليز الصحافة والإذاعة بين منتديات الثقافة ونوادي الكلمة ، بين الشعر والنثر بين القصيدة والمقال وتستمر رحلته وهو يداعب الحروف ويصوغ الكلمات ويطوعها كما يريد .

محمد الجاسم في مجموعته الشعرية الثانية ( أغطية الملمات ) يضع بصمته الشخصية وهو يتنقل بين القصائد كطائر النورس الذي يحلق فوق شواطئه المزدحمة بالقصب والبردي ، يأبى ان يفارقها لانه يعشقها حد الثمالة يستنشق عبير الأسماك الغافية في بطون الاهوار لينسج حلمه .

المفردة في قصائد محمد الجاسم تتراقص على إيقاع موسيقى شعره الغارق في جزالته وبلاغته اللغوية ، كروحه الحالمة التي يطوف بها في منافيه حاملا همه وحبه معاً باحثا ً عن الفرح في أزقة المدن البعيدة وشوارعها الموحشة رغم اكتظاضها كالقطارات التائهة في سهوب المنافي
لا أبٌ ينثال عليَّ بعيدية
لا أمٌّ تبلل محاجرها بغسول ( نعاوة ) أليفة ..
حتى الخارطة التي تكورت على مقاييس النداء ،
دهمتها طفولة البائسين في المدن الخلفية.

محمد الجاسم كبقية ابناء جيله الذي سكن الشتات القسري بعيدا عن الوطن يحمل تساؤلات وجودية كبيرة ممتزجة بالعتب احيانا على زمن أضاع ابناءه وعلى وطن لا يبادله العشق .

فهو يجمع قصائده في تابوت الشعر الذي يخبؤها وهو يقطع رحلة اللا محطة، ملتحفاً بالمسافات لعله يحضى بالفرشاة الحلم .
الزمن في رؤية محمد الجاسم جَحوداً ناكراً للجميل ، ذو وجه منكفأ بالحزن، نهم لا يشبع من الموت ولا يمل مشاهد القتل ، هذا الزمن القاسي الذي يطاردنا اينما نحل ونرتحل ، يُبعد عنا من نُحب ويُقرب من نكره ، غير آبهٍ بنا ، لم يُبقي لنا منه سوى الذكريات ، دائم الدوران لا يسكُن حتى نَسكُنْ بقصديةٍ واضحة .

عجبتُ لسعي الدهرِ بيني وبينها ****** ولما انقضى ما بيننا سَكن َ الدهرُ
فشاعرنا الجاسم يُسائل زمنه بمرارة شديدة فيقول:
ما لهذا الزمنِ
هَلِعاً يحبو إلينا
دون رِجلٍ …. أو يدٍ …. أو سوسنِ
ما لهذا الزمنِ
أسودُ الوجهِ قميٌ
غائر في الحَزَنِ
لم يعد يرسم للكُنْهِ بريقا ً
لم يعد يندى بنثِّ المُزُنِ
ما لهذا الزمنِ
يعشق الهول ويشدو الانسحاقا
ما لهذا الزمنِ
يرتوي من عطش الموتى ويخشى الإنبثاقا
ما لهذا الزمنِ
يبوح الجاسم بحبه للناصرية مدينته الأحب وعشقه السرمدي ، الذي قبل شوارعها بعيونه وقلبه.
الناصرية مدينة الحب والجمال مدينة الشعر والفن والرقة، المدينة التي يتهادى الفرات في عروقها ، ويغتسل الوطن في أهوارها مدينة النقائض .
الناصرية التاريخ الذي يسكن على جدرانها في أور منذ ان ابصر النبي ابراهيم النور فيها وهي تصارع الوجود وتسابق الأيام من اجل مكانتها ورقيها ، هذه المدينة التي أتعبت المدن وأعجزت شقيقاتها بجمال ابنائها بتضحياتهم ، بإبداعهم و بشغفهم اللامتناهي للحياة .
انها خمر العراق المعتق وسحر الجنوب المدلل.
يتغنى بها الجاسم المدمن على حبها مترنماً بحروفها
مدينتي
يا سحر سومر العتيق
يا منسكاً تهافت النساكُ
في محرابه وقبلوا الطريق
يا رقُمَ الغبار والتلويح
يا مفتح الندوة والتاريخ
يا عنفوانا نازلته الريح

ثم يقول بألم وحسرة عندما يرى حالها وقد اصطبغت بلون الدم ورائحة الرماد
حمراء قد أنهكها التسبيح
ينام في اجفانك الحريق
وتندبين كل يومٍ عَصرَكِ السحيقء
مدينتي
مدينة النقائض العجاب
مدينة المهجر والفرار والسراب
كما شكا السياب الغريب حاله كمنتزعٍ عن وطنه وراح يسرِّح نظره فوق أمواج الخليج وقد أعول به العراق فصرخت أعماقه تعلن ولادة حب قد حمله لسنين طوال ، حب ولد على شاطئ الخليج ، هذه الشكوى ورثها الجاسم شكوى الغريب حينما احتشد السؤال في رأسه .
لم ينسى محمد الجاسم وطنه الذي فارقه على مضض ،رغم كل الصعاب فراح يحادثه بلوعة وألم حينما التقى به ذات مرة في غفوة ليل مهجري نائي
مرة ً ….
زارني طيفُ العراق … وأنحنى في عتبة الدار
يُحابي المغفرة
….. تنحني الان َ يا وطني على عتبة الدارِ ماذا تريد ؟؟؟
غريمك ميت …. وما عاد يقوى … على الاستلاب
كبا مرة ً … كبوة ً واستراب
لم تتوقف رحلة شاعرنا محمد الجاسم وما زالت مستمرة فهو في مخاض دائم ، وهو يمتطي صهوة قلمه الذي يصهل بالكلمات صهيل الأصالة والإبداع ، لا يعرف المحال فما زال في القلب شوق وشغف رغم كل الظروف

لا تعليقات

اترك رد