عن القدس ثانية

 

صحيح بأنّ العرب مندفعون، ويمكن التأثير عليهم بسهولة، خاصّة وأنّ استشراف ردود فعلهم ليس بالأمر الصعب. لذا فالكمائن كثيرة، ومن اليسر القيام ببادرة وحدث، ثمّ ترصّد الحشود عند آخر الطرق أو في المنعطف القريب، وقد أصبحنا شفافيّون حدّ الوجع.

للقدس أهمية فائقة، قدسية يمكن المراهنة عليها لتأجيج مشاعر المسلمين، بما في ذلك التنديد والتنكيل والقفز في المكان في محاولة لتهدئة كتل الأعصاب المنجرفة، رغبة بصفع المعتدي والانتصار عليه. لكن، كيف يكون ذلك؟

علينا أن ندرك بأنّ القدس جزءٌ من الوطن، والمواطنة لا تقلّ أهمية عن القدسيّة. فلسطين كلّها وطن كذلك، عدا عن كونها معرجًا للنبي محمّد عليه السلام ومهدًا لسيّدنا المسيح. القدس في قيمتها الوطنية همّ فلسطينيّ يدركه جيّدًا أبناؤها، هم دون غيرهم. والمسجد الأقصى كما يعرف الداني والقاصي وكما لا يعرفون أيضًا، آيل للانهيار نتيجة للحفريات العملاقة التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي ليل نهار، فماذا سيفعل العالم الإسلامي حيال ذلك؟ مجدّدًا القفز في المكان، ومحاولة اجترار الذات وضرب أقرب جدار!

في سياق قدسيّة مدينة القدس، فهي تعدّ همًّا ومسؤولية لما يزيد على المليار مسلم حول العالم، لكن ليس من المتوقّع قيام حرب إقليمية أو كونية لنجدتها، فالدول الإسلامية تئنّ تحت وقع الفقر والاستبداد، وكلّ منشغل بحماية حدوده الخارجية ومشاكله الداخلية.

حين ترقب المقدسيّين، تشعر بأنّهم فئة تختلف عن باقي البشر، وهم يواجهون آلة عسكرية ترهب المتفرّجين من خلف الجدار الفضّي لشاشات التلفزة، ومشاعر الكآبة والسأم تملأ قلوبهم ووعيهم. يشعرون بالعجب من قدرة المقدسيين على الوقوف أمام فرق الجيش الإسرائليّ المسلّح دون خوفٍ أو جزع. والأنكى من ذلك سخرية البعض من مواقفهم هذه.

ما يحدث في هذه البقعة من الأرض المقدّسة سينعكس ذات يوم على كامل دول المنطقة، لأنّ أحد أهداف هذا الكيان تتمثّل بطرد الفلسطينيين إلى الدول العربية (لينضموا إلى مواكب القبائل التي ينتمون إليها حسب الرؤية الإسرائيلية)، عندها وإذا حقّقت إسرائيل هذا الهدف، سيصبح الوطن العربي كلّه عبئًا على الوجود العبري، الراغب بوسم المنطقة كلّها بصيغته الخاصّة، لتصبح مجرّد أسواقًا لصناعاته، ومكبًا نوويًا لمخلّفات مفاعلاته، ليبقى العرب مواطنون من درجات لاحقة ما بعد الثالثة والرابعة، فهل أنتم مستعدون لذلك؟

وحتّى إشعار آخر، سيواصل المقدسيون الدفاع عن مدينتهم بحكم المواطنة والقدسية أيضًا، لأنّ الوطن غالٍ، اسألوا الشعوب العربية التي عانت وتعاني من التشرّد والشتات والاحتلال والحروب الأهلية. ما معنى الوطن في مخيّمات الذلّ المتواجدة في دول أوروبا الشرقية؟ ومعاني التكتّل البشري في مراكز اللجوء العربية المؤقّتة؟ ومعنى أن تفقد ابتسامة طفلك صباحًا؟ ورعشة زوجتك في ساعات الليل، مرتوية بسكينة الحياة وحميمية الحياة الزوجية؟

ما يبدو سهلا هو في الحقيقة ممتنعًا في مرحلة مقبلة ليست بعيدة، إذا خسرنا الحدّ الأدنى من القدرة على الصمود والإبقاء على التواجد الكريم في محيط المتوسط. المقدسيون بالمناسبة قادرون على الحفاظ على الحدّ الأدنى المطلوب.

للتذكير، اضطرّ الألمان إثر خسارتهم للحرب العالمية الثانية استبدال حقائب ملأى بالعملية المحلية “المارك” مقابل دولار أميركي واحد بعد أن أصيبت البلاد بكارثة اقتصادية وتضخّم عملة هائل. والآن، بعد مرور نحو سبعون عامًا، بات الاقتصاد الألماني قوّة عظمى، تستقبل وفود اللاجئين بمئات الآلاف لملء الوظائف الشاغرة، أتحدّث عن ألمانيا ذاتها التي تقود المنظومة الأوروبية حاليًا، وقد ذاقت ذلّ الخسارة والاندحار التاريخي.

لا أدري كيف سيكون عليه العالم العربي بعد سبعين عامًا، لست متفائلا، لكنّي أدرك بأنّ الشعوب قادرة على قلب الموازين وإحداث المعجزات.

المقال السابقلأن اللبناني لا يركع ابداً !
المقال التالىعيد صديقتي بلسم المندائية
خيري حمدان صدر للكاتب خيري حمدان العديد من الأعمال الأدبية باللغتين العربية والبلغارية. باللغة البلغارية روايات: • أرواح لا تنام – 2005 • أوروبي في الوقت الضائع- 2007. • مذكّرات موسومة بالعار- تحت الطبع. شعر: ▪ ديوان - مريمين - 2000 ▪ مجموعة - عيون العاصفة - 1995 ▪ حياة واحدة لا تكفي 2016.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد