قصتان قصيرتان


 

حضيرةُ

كانَ الطّقسُ حارّا ، إنّهُ اليومُ الأوّلُ في شهرِ جوان ، وكان العملة يسارعون في إتمام سقف بيت رجل مهاجر ، وديان من العرق المالح ، ورياحُ الشوقِ ، وواحات صبرٍ ، كوم رملٍ ، أكياسُ الجير والإسمنتِ ، صحون ملوّثة ببقايا طعام ، قشور غلال وفاكهة ، بقايا شاي ، ملابس رثة ، اقترب موعد العودة ، فجأة أتى رئيس حضيرةِ البناءِ ، لم يكن مقاولاً ، يستطيعُ أن يكون مقاولاً عدّة وعتادًا ولكنّهُ كان مسرورًا بفريق العملة الذين يشغلّهم عند أصحابه و أهله ،وهم كانوا مسرورين بالعمل المستمّر لأنّهم اشتغلوا سابقًا فرادى في أماكن متعددة لكنّ أيّام عملهم كانت متقطّعة ، وأمّا مع ونيس فالعمل متواصل ، فيسترزق ونيس معهم بعيدًا عن المفاجآت ويمتثلون لأوامرهِ، ارتقى درجاتِ السّلم بحنكة ، وقال : { أيّها العمّال اجتنبوا الغشّ ، لا تنقصوا عدد أكياس الأسمنتِ في الخليط ، ولا تنقصوا أعوادَ الحديد ، مفهوم ، نهض صوتُ ضعيف بائس مرتعش : { ولكن ، أنت أمرتنا بذلك الشهر الفارطِ } ، فردّ : { نعم ، نعم ، وهو كذلك ولكنّني أتممتُ بناءَ بيتي وبيت ابني وغرفة الكلب ، فلا حاجة إلى ذلك بعدَ الآن ، مفهوم } ، ذهب رئيس الحضيرة ليلاقي صاحب البيت ، جلس العمّ أبوبكر على آجرة والدّهشة أذهبتْ عقلهُ ، لم يصدّق ما سمعَ منذُ حين ، استغفر وتوجّه نحو كوم ملابس ، أخذ متاعهُ ، غسل يديه ووجههُ ، شربَ الماءَ ، وخلسة غادر البيت .

ذعر نساء

خرجت من بيتِ الأهل ، كانت مذعورة ، جفّ الورد ، وأرهقها فمها كان قد ألجم بلجام الصّمتِ ، وفي الرّبع الأخير من اللّيل ، ينفتحُ اللّجامُ ، تيبّسَ حلمُهَا ، ضجرت وناحتْ فناحت الخطّافات والحمامات ، وناحت الأرضُ لجناحها المكسورِ رغم أنّ أباها ممرّضًا ، كانت تنحدرُ من أعلى الهضبة الفاصلة بينَ بيتهم وبينَ مجرى العينِ ، والدّموع مسجد الرّوح وترجُمان الأشواق ، اخترقها البللُ ، كانت الدّموع تملأ وجهها المحمّر ، نسيت جمالها وأضرم الظّلمُ نار فؤادها ، ومن ألطاف الله أنّها لم تكن جندية ، ولا كانَ بيدها سلاحًا ، وإلاّ لحوّلت كلّ تلك الدّيار إلى ركام من الحجارة المفتّتة ، الغيض يفعلُ بصاحبه كلّما اشتدّ وطال الصّبرُ ، كانت مندفعة نحو نبع الماءِ ، تطوي الأرض طيًّا وتتلفّظ بكلمات مبهمة ، و تصرخُ بينَ الفينةِ والأخرى ، كانت مجروحة ، وجرحها ينزفُ منذ سنينَ ، خاطبت نفسها : { من سأكلّم ؟ من سأحدّث ؟ ليتني كنتُ في سيّارة مفخّخة بغزّة وانفجرتُ ، وانتهى الأمرُ }، لا مواكب الفلاّحين المارّين شدّ انتباهها ، ولا قطعان المواشي الرّاتعة ، ولا سربُ العصافير المجتمع على خيط الكهرباء .

لا تعليقات

اترك رد