عيد صديقتي بلسم المندائية

 

احتفل أخوتنا الصابئة في الأسبوع الماضي بعيدهم المبارك عيد السنة المندائية الجديدة (دهوا ربا) الذي يبدأ من 17/7 ولغاية 20/ ,وهو عيد يتغير تاريخه كل عام مثلما يتغير تاريخ عيد الفطر للمسلمين وحسب السنة الهجرية , أتصلت بصديقتي بلسم صديقة الطفولة والصبا لأقدم التهاني والأمنيات بمناسبة عيد راس السنة المندائية , التي افترقت عنها في تسعينيات القرن الماضي وهجرتها إلى هولندا مع عائلتها كلها , فرحت كثيرا باتصالي وقالت (رجاوي يعني متنسين عيدنا ،والله فرحتيني) ,والحديث ذو شجون تذكرنا أيامنا الحلوة ،أيام الطفولة والصبا والمدرسة ، أيام الزمن الجميل أيام الطيبة والمحبة ,

وطقوس أعيادهم التي نشاركهم بها واكلات والدتها الطيبة خصوصا البرياني ،وكيف كنا نفرح بالعيد ،فعيدهم عيدنا ،وعيدنا عيدهم ,لا فرق بين مسلم وصابئي ومسيحي ويزيدي وشبكي وأي مكون آخر ،فالعراق باقة ورد منوعة بألوانه واطيافة كافة ،ولا يحلى البلد إلا بهم , وتذكرنا يوم زفافها وهي تغتسل بمياه دجلة الخالد , وقالت بلسم بصوت متحشرج وكلمات يعتصرها الألم اشتاق لبلدي ولبغداد ولبيتنا الذي بعناه وهجرناه منذ تسعينيات القرن الماضي ، قلت لها كلما أمر من أمام بيتكم تخنقني العبرة وأتذكر كيف أكلنا وشربنا ولهونا ودرسنا في هذا البيت العتيق الذين رحلوا عنه في ليلة وضحاها وتركوا أثاره في قلوبنا ,وسألتها كيف كان العيد في الغربة ,

وهل هناك مندي (مكان مقدس للعبادة وأداء الطقوس الدينية) ,أجابتني بلسم بعد برهة صمت وأحسست بمشاعر الألم تعتصر قلبها الطيب وقالت :وهل لنا عيد في الغربة ونحن بعيدون عن بلدنا الحبيب”صدكيني من احجي على الغربة كلبي يوجعني،أمنية حياتي ارجع وأشوفكم واكعد وياكم وارجع أيام زمان ونأكل ونشرب بنفس الماعون ونام بنفس الفراش “, لم يكن هناك مندي خاص بنا ,واستطعنا أن نبني مندي تم تشيده في مدينة نيوخين سنة 2014 على نهر لكدايك نيوخين بوجود الشيخين حامد غريب ورافد ريشما عبد الله مرتبتهم الدينية (ترميذا) بتبرعات كل طائفة الصابئة المندائية في هولندا وبعض الدول الأخرى, وأضافت بلسم لم يتبقى في العراق من طائفتنا سوى عدد قليل جدا , بعد أحداث نيسان 2003 هاجر عدد كبير إلى مختلف الدول ،هناك يقارب عشرة آلاف شخص في السويد ثم استراليا وهولندا وألمانيا وأمريكا وكندا والأردن وسوريا .

فشعرت بأسى ووجع حقيقي لهذا القول المفجع ، ورحت أتخيل المشهد أن الصابئة جميعاً تركوا منازلهم ، واغتسلوا الاغتسال الأخير برافدين العراق ومضوا يبحثون في ارض الله الواسعة عن وطن بديل، وطن ليس فيه كاتم الصوت ولا خطف، ولا تفجير، ولا تفرقة وتمييز طائفي وديني ،يبحثون عن وطن آمن دون خوف ورهبة.

كيف يكون البلد دونهم ,فالأسواق والعرسان من كل الطوائف والأديان في بغداد والمحافظات بحاجة لإبداعات كبار الصاغة وأسطواتها (مال الله , وزهرون بن ملا خضر , وعنيس الفياض ,وناصر ومنصور حاتم , والأخوين أنشاد وضليع عبد الجبار منشد , وعبد الرزاق رويد وأخوته… وآخرون) , وتفتقر الجلسات الشعرية والاماسي الثقافية لأشعار وكلمات لميعة عباس عمارة بصوتها الشجي وهي تتغنى بحب العراق , وكيف يكون الفن والسينما والمسرح لإبداعات الفنانين في مختلف المجالات والعلوم من الصابئة المندائيين. واشتاقت لهم الاهوار ,والناصرية والعمارة والبصرة ,والقرنة وقلعة صالح وسوق الشيوخ .

انتهت المكالمة وعلى وجنتانا دموع جرحت قلوبنا قبل وجناتنا ,وأمل بحلم جميل لغد أفضل يجمع شمل العراقيين جميعا ودون استثناء أي طائفة أو دين للعيش بأمان وسلام.

لا تعليقات

اترك رد