حزن وبياض


 
(لوحة للفنانة فتح النعمان)

حزنك اليوم شديد البياض، صاخب بصمت، من نحن حتّى نتجرّأ على أن نكون له منارة” قلت أخاطب نفسي. لم أنم الليلة كما كلّ ليلة، فالحزن ليس سهلاً، الفقد ليس سهلاً، حتّى السّنديان قد لا يحتمل، مهما كانت جذوره ضاربة في الأرض، لذا ستلمحين الحزن في العيون، فالحزن ملازم لفرحي حتّى لو كان “زبد البحر على شاطئ أزرق”.
أيّتها البعيدة السّاكنة القلب: كلّ شيء معك له نكهة خاصّة، فأنت المنارة الوحيدة التي تبدّد حزن أفقي، تجعلني أعيش لحظات جمال آخر، أشعر بدفء الرّوح والجسد، أحلّق في مجرّات أخرى فوق سحابات لؤلؤيّة، أعود لموطن القمر، أتفيّأ معك ظلّ ياسمينة قمريّة. صباحي معك يرتدي غلالات البحر في الصّباحات النّديّة، يركض على الشّواطئ المهجورة، يداعب حوريّات البحر ويقلقها من نومها، معك يكون لكلّ شيء طعم آخر.. ألست أنت هديّة الغريب؟ ألست أنت امرأة لو وجدت أخرى مثلها لاختلّ نظام الكون؟ فأنت أسطورة أنثى.
لذا أحبّك، عانقيني بقوّة ودعي الحزن يتسلّل إلى الخارج، فلا يمكنه البقاء مع وجودك فأنت “هديّة من الشّمس”، و”عندما تتناجى الذّوات مع بعضها لا يعود لهدير الليل أيّ مدى”، بدون دفء صدرك ونار حبّك لا معنى للحياة، فأنت السّمكة التي ترافق الحوت ولا تفارقه، وبدونها يضلّ في البحار.
تعالي قبلة مجنونة “تعلق على الشّفاه وتتقطّر حبًّا”، كم هو حلو أن نموت حبًّا ونجدّد الحياة برشفات القبل، الموت حبًّا والعيش حبًّا والجنون حبًّا، “فالجنون هذا فصول وكواكب وله أحيانًا خروج عن المجرّة”، فهل يجب أن أتجاوز الألم كالعادة وأخلق منه حياة وفرحًا؟
إذاً.. تأبّطي ذراعي لنكون متلاصقين سويًّا، سنمرّ بجوار شجرة الياسمين التي كنت أنتظرك عندها، سأقبّلك هناك..
تهمسين برقّة: “لا تطل القبل.. سيقتلونني”.”

* من كتاب أطياف متمردة للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات/ الأردن

شارك
المقال السابقالكرادة المأساة شهادات ومشاهدات
المقال التالىلمسة وفاء في سدني لفقيد الصحافة

كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين – رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد