التمرد على الولي الفقيه .. الصدر والحكيم نحو تشيع وطني في العراق


 

يواجه شيعة العراق تحديات معقدة، فالاحتلال الامريكي الذي انهى حكم البعث الجائر، وضعهم في مواجهة عجزهم عن بلورة ملامح واضحة تعبر عن رؤيتهم للعراق الدولة والمستقبل والانسان، غاية ما يجمع الشيعة في تجربة الحكم المفاجئة هي المبالغة في ممارسة الطقوس الدينية والخوف (السلبي) من مواجهة اسئلة التعايش الصعبة.

في خضم ارتباك الشيعة وتخبطاتهم جهزت ايران، الجمهورية الاسلامية الشيعية الاكثر حضورا وتاثيرا في المنطقة، اكثر من سيناريو منتظم في استراتيجيا الثورة الاسلامية التي رفع لواءها قائد الثورة الايرانية ومفجرها الراحل آية الله الخميني.

استعملت ايران شيعة العراق لتحقيق اهدافها وتبديد مخاوفها، خصوصا ان العدو الرمزي للايديولوجيا الخمينية الثورية المتمثل بالولايات المتحدة الامريكية، حاضر في مدن الشيعة وقصباتهم وحليفهم الرئيس في حكم عراق ما بعد صدام.

نجحت ايران في افشال تحالف استراتيجي بين شيعة العراق والولايات المتحدة الامريكية وحلفائها، لكنها فشلت في مساعدتهم على تاسيس دولة تحفظ كرامتهم وتضمد جراحهم، بل عمدت لتصفية ازماتها الاقليمية والدولية على حسابهم، حتى باتوا حديقة خلفية لطهران تتفاوض نيابة عنهم، وتحدد مسارات امنهم واقتصادهم وسلمهم وحربهم.

ثورة الخميني لم تكن تطورا طبيعيا في الوعي الديني الشيعي، بل كانت تحولا وانعطافة غير مسبوقة، لم تستوعبها حوزاتهم الدينية، وفعالياتهم الاجتماعية، خصوصا في النجف فاتيكان الشيعة ومصدر الهامهم الديني والروحي، وكلف التعاطف مع الرؤية الخمينية الأسّر الدينية في العراق خيرة ابنائها، وفي مقدمتهم الشهداء من ال الحكيم وابناء مرجع الطائفة الامام محسن الحكيم، وال الصدر وعلى رأسهم الامام الشهيد محمد باقر الصدر.

لكن جدلية الحكم الديني في زمن غيبة المهدي الموعود، بقيت جدلية مختلف فيها في مدارس البحث الديني في الحوزات الشيعية، لاسيما في النجف التي لم يتزعم حوزتها مرجع يعتقد بولاية الخميني مطلقا.

اعتملت عوامل الفشل السياسي بمفردات الجدل الفقهي، في اروقة المجالس الشيعية العراقية،مع نمو تيار ولاية الفقيه بشكل غير مسبوق، واتساع نفوذ الجماعات الارهابية وانحسار الدور الامريكي، والعزلة الخانقة اقليميا لشيعة العراق العرب.

الشارع الشيعي مدعوما من مرجعية السيستاني العالمية للشيعة تحرك بخطوات اسرع بكثير من حركة القوى الشيعية، المقيدة بمحددات الولي الفقيه وجنرال الحرب قاسم سليماني، ما جعل المسافة بين الشيعة ونخبتهم السياسية تتسع يوما بعد يوم، خصوصا بعد قرار السيستاني رفض استقبال الساسة الشيعة في مكتبه بالنجف، كنوع من الاستنكار لفضائح الفساد المالي والاداري، والفشل في تقديم الخدمات الضرورية لفقراء الشيعة، فضلا عن سائر المواطنين العراقيين.

اعلن الصدر تعليق نشاط تياره داخل صفوف التحالف الوطني (الشيعي) وسارع بالانضمام للاحتجاجات الشعبية، التي اجتاحت المدن العراقية في الوسط والجنوب، وكان لخطوة الصدر هذه دور كبير في اتساع دائرة الاحتجاج وتصعيد سقف مطالبه، من الجوانب الخدمية ومحاسبة سراق المال العام، الى مطالب الاصلاح السياسي التي اضطر البرلمان للتصويت بالاجماع على اقرارها.

في الخفاء (المعلن) كانت الاحتجاجات ترفض هيمنة ايران والجنرال سليماني على الارادة السياسية في البلد، ورفع المتظاهرون في اول اقتحام للمنطقة الرئاسية ( الخضراء ) شعارا استفز ايران وحلفاءها ( ايران برا برا ) ما ادى لانقسام شيعي حاد، مَثّل الصدر الجماهير الغاضبة فيه ، ومثلت قوى التحالف الشيعي الاخرى وحلفاؤهم من الكورد والسنة الارادة الايرانية.

اقترب الحكيم خطوات جيدة من اعلان تحالف مع الصدر مرجعيته النجف، وهويته وطنية تضم قوى وشخصيات سنية وكوردية وعلمانية تمثل كل مكونات التنوع العراقي، لكنه تراجع مستجيبا لضغوط ايرانية مقابل رئاسة التحالف الذي بقي اكثر من عامين دون رئاسة.

استطاعت ايران ضبط الشارع مستفيدة من معركة العراقيين المقدسة مع ارهاب داعش، الذي يحتل اكثر من ثلث الاراض العراقية، وتم عزل الصدر واعلن المرجع السيستاني ايقاف توجيهاته السياسية التي كان يطلقها في كل جمعة من خلال ممثله في كربلاء، لكن الانقسام الشيعي بقي نارا تحت الرماد يتفجر حمما بين فينة واخرى.

كان اعلان تحرير مدينة الموصل اخر معاقل داعش في العراق، بمثابة اعلان عن خطوات مؤجلة اهمها اعلان الحكيم انشقاقه عن المجلس الاعلى، الابن الشرعي للثورة الايرانية في العراق، الحكيم الذي خسر ثقة النجف بسبب تردده في الانسلاخ من الارادة الايرانية، يعيد انتاج نفسه بعد ان انهى دورته في رئاسة التحالف الوطني، اعلن الحكيم في ٢٤ من تموز ٢٠١٧ عن تاسيس (تيار الحكمة الوطني) وكأنه يعلن عدم قدرة كتلة تاسست بامر الخميني في مطلع ثمانينيات القرن المنصرم، عدم قدرتها على تحقيق تطلعات العراقيين، حتى بعد ان نزع الحكيم عنها ثوب (الثورة الاسلامية) في وقت سابق.

تيار الحكمة يرمز لمرجعية الامام محسن الحكيم وحوزته العريقة في النجف، وكأن الحكيم الحفيد يعيد لأسرة ال الحكيم هويتها النجفية العراقية، التي ضاعت في هوامش ولاية الخميني وثورته، بعد عجز عن استردادها عمه وابوه.

سبقت اسرة ال الصدر خطوة الحكيم الشاب بعقدين من الزمن، فقد اعلن الامام الشهيد محمد صادق الصدر في عام ١٩٩٧ عن مرجعية مستقلة عن ولاية الخميني التي اعدم بسببها مفكر الاسرة ومرجعها الامام محمد باقر الصدر.

انشقاق الحكيم عن المجلس الاعلى يعني استقلاله عن التبعية الرسمية لولاية الخامنئي، ومن يقرأ بيان الحكيم التاسيسي لتياره الجديد يلحظ بوضوح ان اقحام اسم الخامنئي وايران وتقديم الشكر لهم، يؤشر على قلق لم يخفه بيان الهيأة القيادية للمجلس الاعلى، الذي اعلن في فقرته الثالثة ما نصه ( كما تجدد الهيئة القيادية والمكتب السياسي اعتزازها وتقديرها لدور الجمهورية الاسلامية وقيادتها المباركة المتمثلة بآية الله العظمى الامام الخامنئي دام ظله) اذ ما علاقة تاسيس تيار سياسي ( وطني ) واجتماع هيأة قيادية لمجلس سياسي (عراقييِّن) في اقحام اسم خامنئي ودولته في الموضوع؟!

بينما يسعى الحكيم بحرج واضطراب للعودة لجذره النجفي، يسبقه الصدر بخطوة اكثر وضوحا وفاعلية في التعبير عن استقلاله عن وصاية الولي الفقه، اخرها زيارته الرياض ولقائه ولي عهد المملكة العربية السعودية، في إوج الصراع السعودي الايراني، ليعلن عبر المتحدث الرسمي عنه الشيخ صلاح العبيدي من جدة عن مرحلة جديدة من العلاقات العراقية السعودية، فيما أكد وزير الدولة للعلاقات الخارجية السعودية ثامر السبهان في تغريدة له على تويتر ان المملكة تميز بين التشيع الاصيل والتشيع الخميني، في اشارة للشيعة العراقيين.

الصدر والحكيم يجاهدان بطرق مختلفة واليات متباينة، لتحقيق هدف واحد، هو استعادة الارادة السياسية لشيعة العراق، ويتطلعان لفعل سياسي يحظى باحترام دول المنطقة، ويحقق الحد الادنى من الوفاق السياسي والاستقرار الامني، دون استعداء ايران او ضرب مصالحها؛ لكن ايران لها راي آخر واليات اخرى اتصور ستتحرك بالضد منهما قريبا.

لا تعليقات

اترك رد