هل هي أزمة الأقصى أم أزمة سيادة ؟


 

لقد اندلعت في الفترة الأخيرة مواجهات وصدامات في القدس بين الفلسطينيين وقوات الأمن الاسرائيلية اثرالااجراءات التصعيدية , التي اتخذتها السلطات الاسرائيلية في المسجد الأقصى , رافضين الامتثال لتلك الاجراءات المتمثلة في وضع بوابات الكترونية وممرات التفتيش وكاميرات مراقبة , وذلك ابان هجوم لثلاثة شبان أسفر عن مقتل شرطيين اسرائليين . وفي ظل هذا التوتر وتصاعد الأزمة التي تسببت في كثير من سفك الدماء وربما اشعال المنطقة واندلاع حرب دينية , قد حذر منها العديد من الأطراف الدولية والاقليمية لاسيما منها الجامعة العربية . فهل تعد هذه الأزمة فعلا أزمة بوابات الكترونية أم أزمة اختبار سيادة ؟

لاشك أن المعركة قديمة وعميقة وليست البوابات الا واجهة لمعركة سيادة الأقصى , والسؤال الذي يطرح دائما لمن الأقصى اليوم ؟ أكيد لأكثر من مليار مسلم , لكن السيادة على المسجد لمن تعود ؟ فهذه المسألة محل جدل وخلاف طويل ودائما مصدر أزمة . الثابت أن اسرائيل تعتبر شأن الحرم القدسي من شؤونها باعتبارها صاحبة السيادة ويعد شأنا داخليا ! , الا أن الرسالة وصلت لها قوية وواضحة من طرف المقدسيين والفلسطينيين , بأنه لا عبث بالمسجد الأقصى ولا تستطيع اسرائيل أن تتعامل معه على أساس بناية أومجرد عقار قابل للمصادرة , بل أن الأمر يتعلق بالسيادة على الحرم القدسي , والأهم هو عدم المساس بالأوضاع التاريخية والقانونية للأماكن المقدسة وضرورة الالتزام بها . فالحرم القدسي يضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة , وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين لدى المسلمين , ويقع في القدس الشرقية التي احتلتها اسرائيل عام 1967 وضمتها في خطوة لم يعترف بها دوليا . وبالتالي فان أي اجراءات اسرائيلية في الحرم القدسي ومحيطه تثير دائما وحتما غضب الفلسطينين والشعوب الاسلامية عموما , باعتبار أن كافة القوانين والمعاهدات الدولية تعتبر القدس العربية مدينة محتلة , وتحظى باعتراف أكثر من 137 دولة من دول العالم ,بأنها عاصمة الدولة الفلسطينية , ناهيك أن المسجد الأقصى يعد خطا أحمر وأن المساس به أمر لا يمكن السكوت عنه بأي حال , ولا يحق لحكومة اسرائيل وضع يدها عليه ولابد عودة السيادة عليه لدائرالأوقاف الاسلامية كما كانت والتي تمثل الأردن . “فالوضع القائم ” هو ما كان عليه منذ العهد العثماني وحتى الاحتلال عام 1967 وتوج باتفاقية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس سنة 2014 بمنح الأردن الوصاية على المقدسات , في حين أن الوضع القائم حاليا بالنسبة لاسرائيل هو استمرار كافة اجراءاتها المستحدثة ومع استمرار اقتحام الشرطة والمستوطنين والقيود على المصلين التي بدأت منذ عام 2000 .

لهذا وفي ظل كل هذه المعطيات وما يجري في المسجد الأقصى هذه الأيام , يثير قلق ومخاوف الفلسطينيين خاصة والعرب عامة , معبرين عن خشيتهم من تفعيل فكرة التقسيم المكاني وأن ذلك يندرج في اطار تغيير الوضع القائم في المسجد والعبث بالسيادة وبالوصاية الأردنية . فهل استغلت الحكومة الاسرائلية عملية الأقصى لانفاذ خططها القاضية بتغيير جذري في ” الوضع القائم ” للمسجد ؟؟ وهل تعد أزمة الأقصى في الحقيقة معركة اختبار لمحاولة فرض السيادة الاسرائيلية الفعلية على المسجد الأقصى بمباركة ترامب ؟؟؟وهل ذلك يندرج في جس نبض الشعب الفلسطيني والشارع العربي الاسلامي في ضوء استمرار الانقسام الفلسطيني وتفاقمه وانشغال العرب بمشكلاتهم الداخلية وضعف قرارهم الرسمي ؟

لاشك أنه يبدو, خلال السنوات الأخيرة , هناك وجود أغلبية في صفوف المجتمع الاسرائيلي تؤيد تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف الذي يسمونه “جبل الهيكل” وأن 59 % منهم , حسب استطلاعات الرأي , تؤيد فرض اسرائيل فيه تقسيما زمانيا ومكانيا بين المسلمين واليهود , كما فرضته في الحرم الابراهيمي في الخليل . ومن ثم ازدادت أخيرا عدد اليهود الذين يدخلون يوميا الحرم في الساعات المخصصة لدخول السياح , بفرض الصلاة فيه , وربما يندرج ذلك لتثبيت شيئا فشيئا السيادة الاسرائيلية عليه وفرض أمر واقع جديد . الا أنه وقع افشال هذا الأمر بفضل صمود الفلسطينيين واصرارهم على الدفاع عن أرضهم ومقدساتهم , كما أثبتوا للعالم أن صاحب السيادة الحقيقي للحرم ليس اسرائيل ولا الأردن ولا الأوقاف , وانما هم الفلسطينيون المقدسيون وقدموا الدم في سبيل ذلك . لكن هل فشلت فعلا اسرائيل وحكومة نيتناهو في الأقصى أم نجحت في احراج الدول العربية وربما ب”افتعال ” أزمة الأقصى وجس نبضهم للمضي قدما في تحقيق أهدافها وهدم المسجد الأقصى وفي غفلة منهم بحثا عن هيكل ” سليمان ” وبناء صرحا بديلا عنه ؟؟؟

لا غرو في ذلك أن نيتناهو استغل تردي الوضع العربي الحالي ودعم ترامب له في تنفيذ مخططاته , وتثبيت لناخبيه أنه يعزز السيادة الاسرائيلية في الحرم القدسي , لكنه “زرع ريحا وحصد عاصفة ” وأن بهذا القرار السياسي تناسى أن القوة لها حدود , وأن اسرائيل ليست سيد البيت , وبالتالي الغطرسة ونشوة القوة يمكن أن تجر الى حرب دينية وراءها العالم الاسلامي بأسره, ألا يعلم أن الأقصى في نفس درجة قداسة الحرم المكي ومسجد المدينة المنورة لدى المسلمين , وبالتالي من الخطر المساس به , فالقدس في الاسلام هي مسرى النبئ عليه الصلاة والسلام ولقاؤه بكل الأنبياء للصلاة معا , مما يشكل لها أهمية شديدة وخاصة جدا لدى المسلمين , هي تجمع كل المؤمنين ولها أهمية روحانية وخطورة للمسلمين وأيضا لمسيحي الشرق . فهل فهم نيتناهو أن حلمه صعب المنال لأنه برميل البارود قابل للانفجار في وجه الجميع ؟؟؟ .

لا تعليقات

اترك رد