ظاهرة المتوعكين نفسياً

 

هناك فئة من البشر مبادئهم تتبع رغباتهم ، ينظرون الى الاشياء بعيون تتخذ لون المشهد ،أحياناً ، واللون الرمادي أحياناً اخرى ، لديهم شيزوفرينا عالية في تقييم المواقف ، لا يمكن ان تفهم ما يريدون ، يتنقلون من أقصى اليمين الى أقصى اليسار ، فهم كالماء يتخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه .
هؤلاء هم الخطر الحقيقي على المجتمعات ، بالتأكيد هؤلاء هم مرضى نفسيون ، يحسبهم البعض أصحاء لكنهم في الحقيقة هم يعانون من عقدة انفصام الشخصية.
فهناك معادلة سيكلوجية تتأرجج فيها الشخصية الانسانية بين آلاتزان والاتساق ، فاغلب البشر متزنين اجتماعيا والقليل منهم متسقين مع ذواتهم، والحق. يقال ان الاتساق عملية صعبة للغاية .
لكن المتوعكون لا ينتمون للـمتزنين ولا للمتسقين ، فهم فئة خاصة تمارس هواية التلون وخلط الأوراق ظهرت في المجتمع العراقي بقوة بعد 2003 وتتواجد في التجمعات السياسية وذلك لأسباب سنتعرض لها .
تحاول هذه الفئة ان تسلخ جلدها حسب الرغبة، فمن الاسلامي الى العلماني الى الليبرالي ومن الليبرالي الى الملحد ، ومع كل لون تراه يبرر أفعاله لكي يصفق له البعض .
هذه الظاهرة تبدد الثقة بالآخر وتجعلك تنكفأ كي تحافظ على قيمة واخلاقياتك التي اخترها لنفسك.
فهناك أشخاص اذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم ، لكنهم في الحقيقة يدورون في الفراغ العبثي.
وانا أتابع ما يكتب البعض سواء في مجموعات الواتس اب او على صفحات الفيسبوك وتويتر تنتابني نوبات من التقيؤ والغثيان وعدم الرغبة في الاستمرار.
موجة جديدة تجتاح المجتمع العراقي وهي ضياع البوصلة وعدم القدرة على التميز بين الغث والسمين ، فعلى سبيل المثال مرت فيل ايام احداث نشط فيها المتوعكون واشبعوا تنظيرات فارغة منها:
العلاقة مع اسرائيل كدولة وليس اليهود كشعب ، راح البعض من المتوعكين يدافع عنها ويبرر لها بذريعة ان بعض الفلسطينين هم من الارهابيين الذين قاموا بعمليات ارهابية في العراق ، لذا لابد من إقامة علاقة بين العراق واسرائيل كردة فعل على اعمال الارهابيين الفلسطينين ، متناسين في الوقت ذاته ان اسرائيل كحكومة لديها أجندة عدوانية ضد المنطقة وهي ذاتها التي ضربت المفاعل النووي العراقي الذي هو ملك العراق وليس للمقبور صدام ، والآن هي ذاتها التي تدعم بعض (شركاء الوطن) على الانفصال.
مثال اخر هو زيارة السيد مقتدى الصدر التي يحاول البعض ان يقرأها على انها نصرا سعوديا على ايران ، وكأن مهمة العراق ان يكون مع هذا الطرف او ذاك ، فالعراق لا يمكن ان يكون عربيا إلا اذا تحالف مع السعودية ولا يكون شيعيا إلا ان يكون مع ايران ، لم استمع لتحليل منطقي متوازن مجرد ، البعض راح ينظر في القومية والعروبة وهو ذاته الذي كان يدافع عن ايران في يوم ما بل عمل معها وقبل دعواتها وحصر في مؤتمراتها ، والبعض الاخر راح يعتبرها خيانة لدماء الشهداء، ولابد للعراق ان يبقى في عداوة مستمرة مع السعودية، وهو بنفس الوقت يطالب بعودة العراق الى حضانته العربية هذه الشيزوفرينا هي وعكة نفسية تضرب عقول البعض . سبب هذه الوعكة غياب العقلانية وجهل المجتمع الذي يرقص مع المطبلين ويعنق مع الناعقين.
مثال ثالث هو تأييد القرقوزات الاعلامية التي تفسد الذائقة الاجتماعية من خلال برامج السب والشتم ، الذي لا تنتمي الى ثقافة النقد السياسي بل الى التهريج كما يحصل في برنامج التاسعة والبشير شو ، وهي بالرغم من ذلك تحضى بنسب مشاهدة عالية ، وهذه هي الاخرى ردة فعل على الأداء المخزي للسياسيين . وجراء ذلك تنشط ظاهرة الوعكة النفسية ويتحول الشارع شيئا فشيئا الى ثقافة التفاهة والسطحية.
يعتقد هؤلاء المتوعكون الموهومون بأنهم منفتحون ومتسامحون وربما اتهموا البعض بالتشدد والتطرف .
والامر ليس كذلك بل هم مرضى ولكن لا يعلمون، فهناك ثوابت أخلاقية ومعايير إنسانية ومبادئ في العمل السياسي والاجتماعي لا تخضع للرغبات والنزعات وردود الأفعال ،بل لحسابات المصالح الوطنية والقيم الانسانية . وان التلون ظاهرة منبوذة في كل المجتمعات البشرية
لكن علينا ان نسلم ان ظاهرة المتوعكون نفسيا ً ولدت نتيجة النكوص السياسي الذي يمر به العراق وعدم وجود قيم وقواعد وتقاليد في العمل السياسي وأصبحت السياسة مهنة من لا مهنة له.

لا تعليقات

اترك رد