السائرون بيننا


 

* القاهرة خريف 2007..
_ لم يكن يدرى أن نهايته يوماً ما ستكون على يد أحد قاطنى هذا المنزل الذى ذهب إليه بمحض إرادته، ذهب مدفوعاً بعواطفه لمن خفق لها قلبه، قاصداً تتويج قصة حبه القصيرة لها بعد أن فاضت جوانحه بأنقى وأصدق المشاعر.،
_ لم يمضى على تخرجه من كلية الشرطة سوى ثلاث سنوات تنقل خلالها ضمن أطقم الحراسة المختلفة والمُكلَفة بتأمين العديد من المنشآت الحكومية، ثم كان ضمن القوة التى كُلِفَت بتأمين جامعة القاهرة، وهناك رآها لأول مرة وحينها فقط شعر بأن شيئاً غريباً وجميلاً يعبث فى قلبه ويناجى روحه،
يتجدد ويتكرر هذا الشئ كلما تصافحت الأعيُن وتعانقت النظرات وتهادت الإبتسامات.،

_ بسهولة جمع عنها كل ما يلزمه من معلومات،
فعرف أنها ضمن طلاب الفرقة الثانية بكلية الآداب “قسم إجتماع”.. تنتمى إلى أسرة بسيطة وصغيرة، “أخيها” الوحيد فى الثانية عشرة من عمره، و”الأم” متفرغة لبيتها ولرعاية وخدمة من فيه، أما “الأب” فهو موظف على الدرجة الخامسة بشركة مياه الشرب.. راتبه لم يعاونه قط على الصمود معه حتى نهاية الشهر، مما دعاه للبحث عن عمل فى الفترة المسائية حتى يستطيع تلبية احتياجات أسرته الصغيرة، وكانت فرحته كبيرة وقتها عندما اتصل به صاحب “السوبر ماركت” ليخبره بأنه وفر له فرصة عمل فى الفترة المسائية، حسبما طلب منه منذ مايقرب من عام.،
_ موظف”كاشير” عمل لا بأس به ملائم لظروف عمله وعلى بعد خمسة دقائق من البيت سيراً على الأقدام، والأهم من كل ذلك هو الراتب الثانى الذى سيحل له مشاكله المالية.،
_ وهكذا صار وقته بأكمله مُسخراً للعمل، اللهم إلا بضعة سويعات يمضيها متهالكاً بين أسرته.،

_ أما هو فنمط حياته كضابط شرطة وقبلها كطالب فى كلية الشرطة لم يمنحاه الرفاهية التى ينعُم بها المدنيين من أبناء جيله، فضلاً عن أنه قد تربى على التواضع وإعمال العقل وتفعيل القيم الروحية والأخلاقية عند الإختيار أو اتخاذ القرار، لذا فقناعته بتلك الأسرة الصغيرة المكافحة لم تقِل عن قناعته بالإرتباط بإبنتهم الخلوقة التى تشع رقةً وحياءاً،
_ تآلفت القلوب، وتعانقت الأرواح، وتمت الخِطبة واتفقوا جميعاً على إرجاء الزواج لما بعد تخرجها،
وقد كان، وبعد الزواج.. ما هى إلا بضعة أشهر حتى قفز الجميع فرحاً بنبأ حملها، ثم بضعة أشهر أخرى تمضى، وبنهايتها جاء من ملأ الدنيا بهجة وحركة،

_ أشهر قليلة أخرى وكانت مصر والمنطقة العربية بعدها على موعد مع أحداثٍ جسام، الخوف والقلق سمة الجميع،
_ زادت عليه الأعباء المهنية وتضاعفت المهام الأمنية.. ولكنه كان دائما لها،
_ تطورت الأحداث وزادت التحديات فى أعقاب إقصاء جماعة الإخوان المتأسلمين عن الحكم بعدما خرج المصريين لاسترداد بلادهم الأثيرة من بين أنياب وبراثن “الماسون المتأسلم ” واشتعلت الأحداث باعتصامى “رابعة والنهضة”_المسلحين_
_ وأُختير هو ضمن القوات المُكلَفة بفض اعتصام “رابعة” بعد البسالة والإحترافية التى أبداها خلال مشاركته فى فض اعتصام “النهضة”

_ أما هى ووالديها فلم يخطر ببالهم أبداً أن أخاها الذى صار شاباً يافعاً قد تم تجنيده وانضمامه لتلك الجماعة، بعد أن تلقفته كوادرهم الطلابية بكلية دار العلوم بمجرد التحاقه بها، وتمت السيطرة على عقل الشاب الذى عاش وحيداً منغلقاً على نفسهِ، وزيفاً وتدليساً أشعروه بأهميته وملأوا عليه فراغ حياته،
_ فقط كل ما لاحظته الأسرة تغيراً طفيفاً فى سلوكه وفى أسلوب معاملته لهم ومعهم بلا استثناء،
فلم يتوقع أكثرهم تشاؤماً أنه ينسلخ عنهم إلى مجتمعه الجديد، ولم يخطر ببالهم أنه كان من المشاركين فى هذين الإعتصامين على فترات.،

_ وعاد الوطن مرة أخرى إلى أصحابه، ولم يعد الشاب المُغرر به إلى أهله رغم وجوده بينهما جسداً فقط.. بلا روح أو قلب، وتنامت بداخله مشاعر الحقد والرغبة فى الإنتقام من زوج شقيقته، فهو فى نظره مجرم وقاتل،
_ وظل الشاب المسلوب العقل والإرادة فى صفوف ذلك التنظيم اللعين، بل تطور به الأمر إلى المشاركة فى عدة عمليات إجرامية إرهابية ضد رجال الشرطة، إلى أن جاء الأمر له ولأفراد الخلية التى يتبعها بتنفيذ إحدى العمليات ضد سيارة شرطة تقل قوة أمنية مكونة من ضابط وأمين شرطة وثلاثة مجندين،
_ ربما لم يكن يعلم أسماء الثلاث مجندين أو أمين الشرطة، ولكنه يعلم جيداً من هو الضابط ويعلم موعد مروره من المكان الذى ستنفذ فيه مهمتهم الخسيسة،
_ وكيف لا يعلم وهو يسجل فى ذاكرته كل حرف وكل كلمة تخرج من فم شقيقته أثناء حديثها مع والدتها أو خلال مهاتفة زوجها وهى جالسة وسط أهلها،
_ ولم تكن تعلم هى أنها تقدم لمن يخططون لقتل زوجها كل المعلومات اللازمة لذلك وأكثر.،
_ دقائق من الغدر والخسة كفيلة بإنهاء الأمر،
واستشهد كل من فى السيارة.. أُريقت دماء زوج شقيقته على يديه ولم يهتز له جفن، ترملت شقيقته الشابة وتيتم طفلها بقرارٍ من “الأخ والخال” ،

_ هرب ومن معه بعيداً أو هكذا ظنوا،
ولكن وفى الموعد.. كان القصاص منهم على يد أبطال أخرون.،
_ وارتقى الشهداء إلى عليين.. وهوى المجرمون فى الجحيم،
_ ذهب الأبطال وبقيت سيرتهم العطرة، وذهب المجرمون وبقيت الِعظة والعِبرة،
_ فانتبه لهؤلاء السائرون خفيةً وتُقيةً بيننا ، فقد يكون “أحدهم” زميلك فى العمل، أو من يجلس بجوارك فى”عربة المترو”، أو صاحب المطعم على ناصية شارعك، أو جاراً لك أو حتى قريبك، وربما شاركك أيضاً فى نفس البيت وأنت تجهل حقيقته، فقط هو من يعلم ويتحين الفرصة للإنقضاض أو التدمير،
_ ولكنه لا يعلم أن الله يدافع دوماً عن الذين آمنوا،
_ وأنه لا يفلح أبداً كيد الظالمين،
_ وأن هناك رجال مرابطون.. صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. فمنهم من قضى راضياً، ومنهم من ينتظر متمنياً، _ ولم يعلم أنه ومن ينتمى إليهم من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.. رُفِعَت الأقلام و طُوِيَت الصُحف.

لا تعليقات

اترك رد