كراهية مع سبق الإصرار والترصّد

 

نظريّا ،لا شئ يحول اليوم دون أن يكون الإنسان اجتماعيا ويحسن التواصل مع غيره إن هو رغب في ذلك .فلم تعد معضلة ً أن يجد نفسه عاجزا عن التواصل مع الآخر لاختلاف في الجنس أوالدين أواللهجة أوالبلد..أوحتّى بسبب خجل يعتريه فيبني الجدران مع غيره .لم تعد تلك معضلة لأن بعض النظريات التي درست سبل التواصل بين البشر يسّرت الأمر.حدّدت الوسائط والقنوات وفسّرت العوائق وانتهت إلى منحنا سبلا كثيرة لنصل غيرنا مهما اختلفنا عنه .نظريات اختلفت مشاربها وأهدافها فبعضها انطلق من دراسة اللغة واللسانيات ، وبعضها من السلوك الاجتماعي وما ينطق به وبعضها كان فيزيولوجيا..لكنّها جميعا رسمت السبل ووضحت التواصل بنوعيه اللفظيوغيراللفظي.وأوجدت أعلاما أمثال ماسلو وجاكوبسون وجوزيف لافت وهارينغتون انغهام .

وتحوّلت إلى معرفة إنسانيّة تقارب العلم .وحتى الكيانات العاتية مثل البيت الأبيض تعترف بها عندما تستقدم خبيرا لفكّ شفرة خطاب الرؤساء وتحليل الكلمات والحركات والسكنات وما تنطق به .وتبني مواقفها وقد وضعت ذلك في الاعتبار.ذلك التفكيك لشفرة الخطاب،ولحركات الجسد وسكناته وإيماءاته ، هو قراءة للتواصل بين الأطراف ومستوى نجاحه أو إخفاقه وقد استقرّ معرفة تملك من الثوابت ومن الوجاهة مقدارا كبيرا .

وكما تصلح تلك النظريات لتفكيك شفرات الخطاب السياسي ، تصلح للتواصل الاجتماعي البسيط بين الأفراد العاديّين وفي مختلف مواقف الحياة اليومية .نظريات التواصل الاجتماعي مثلا ، تمنحك ألف وصفة وألف طريقة لتمدّ الجسور مع البشر . تعلّمك مثلا وأنت ذاهب لتدريس أبناء الفقراء ،أن لا تذهب بثيابك الباهظة ،بالغة الأناقة حتى لا تخلق جدارا بينك وبينهم وتعتدي على فقرهم .وتعلمك وأنت الحاصل على درجة دكتورا ،أن لا تتصلّب في ذلك الدور وتفرضه على أخيك وجارك وبائع الحيّ وعابر السبيل ، لأنّ حرف الدال المضاف لاسمك ،والذي تصرّ عليه ،قد يصنع لك هالة ، ويضعك داخل فقّاعة تسمّيها مهابة ،ولكنّه يهوي بعلاقتك الإنسانية بهم إلى ما دون الصفر عندما تنسى أنّك أيضا أخ وجار وصديق ومواطن …. تعلّمك نظريات التواصل أيضا ،أنّك عندما تنتمي إلى قومك ، وتُغير لهجتك لسبب ما ، أن تحذر فلا تصفعهم بلهجتك الجديدة، لأنّ معنى ذلك أنّك أعلنت خروجك عن الانتماء لهم، واللغة انتماء ….تعلمك أيضا أنك عندما تتعرف إلى الناس أو تلتقيهم ولو لمرّة أن تحرص على مناداتهم بأسمائهم فذلك يذيب الجليد .تعلّمك أن ثيابك لغة وعطرك لغة وإيماءة جسدك لغة ..وأنه حري ّ بك أن تنتبه لتلك اللغة انتباهك لما ينطق به لسانك .وحيثما كنت ، ومع أيّ كان ،أترك المختلف وابحث عن المنطقة المشتركة وستتواصل بيسر .
كل هذه الوصفات تجدي . ولكنّ الملاحظ أنّها بحكم منابتها الغربيّة وُضعت لشعوب تم تقليم أظافرها إلى حد ّ. شعوب استقرّت نسبيّا وعمّها السلام نسبيّا وتجاوزت تطاحنها ومعاركها الكبرى نسبيّا .لذلك كانت وصفات لا تنبش في تاريخك وإنّما تحمّلك مسؤولية التواصل ونجاحه أو إخفاقه منذ لحظة اللقاء ، فلا شئ يترك للصدفة . وبدءا من اللحظة التي تلتقي فيها غيرك يتحدد التواصل من عدمه والنجاح من عدمه حسب ما أوتيت من تلك الأدوات .
لكن كيف يجدي كلّ هذا في منطقتنا ،إن كنّا نتعامل مع كراهيّة معدّة سلفا مع سبق الإصرار والترصّد ، كراهية لا تمنحك فرصة لتستثمر أيّا من تلك النظريات لأنّ الحكم عليك غالبا يتم قبل اللقاء ذاته وأحيانا يحصل النبذ لمجرّد أن يعرف أحدنا أن الآخر من منطقة كذا أو لهجته كذا أو أنّه من هذه الطائفة أو ذلك الدين أوحتى من تلك القبيلة أوذلك “العرش”(1) . نبذ معد ّسلفا لا ينتظر منك أن تقدّم نفسك لأنّه حكم عليك وحاكمك قبل أن يلتقيك . حكم عليك بتاريخك الجمعي وبانتمائك قبل أن يعرف هويتك الفردية وحسناتها أومساوئها . كيف يمكنك في هذه المنطقة من العالم أن ترأب أيّ صدع مع من يــُشهر كراهيته لكـ ـ قبل أن يلتقيك ـ لمجرد خلفية أوانطباع يحمله عنك حسب هويّتك أوبلدك أوانتمائك المحليّ ؟
ففي غالبيّة البلدان العربيّة حيث أخفقت الأنظمة في خلق مواطنة جامعة وأخفقت الثقافة في خلق نسيج اجتماعي متلاحم يقبل الاختلاف ويعتبره حسنة ، يبدو التفكّك الاجتماعي على أشدّه . حتى في البلدان التي لا تشهد حروبا أو صراعات عنيفة مرئية .تفكك يتخذ سببا مناطقيا وجهويا حينا ،إيديولوجيا حينا آخر،طبقيا أحيانا أخرى وحتى التمايز في اللهجات وفي لون البشرة طاف على السطح .يحدث هذا في بلدان لم تكتو بنيران الحروب،هناك حيث الصراع الديني والطائفي على أشدّه .

ففي المنطقة وفي العراق تحديدا وفي مرحلة ما من تاريخه كان القتل على الهويّة فاعلا .والفرد هناك قد يحمل مقتله في اسمه .وقد يلجأ إلى تغييره صونا لحياته .اسم يحمل من ثقل التاريخ وأوزاره ما لا تحتمله حياة فرد واحد جاء هذا العالم ليحيا بعض الوقت ويمضي. فإذا هو عالق في التاريخ وخطاياه يحمل عبأه على عاتقيه وقد يلقى حتفه بسببه .تاريخ لم يحضره ولم يواكبه ولم يصنع شيئا منه .لكنه يحمل تبعاته .

أما البلدان التي نجت من الحرب ومن الاقتتال الطائفي فقد أوجدت لنفسها صراعاتها الاجتماعية الأخرى .العنصرية والتمييز بين البشر في كل المنطقة .تطالعنا في لبنان وفي الكويت و عموم الخليج وفي كل بلد آخر مهما اختلفت الدواعي… وحتى في تونس إذا تجاوزنا خطاب التباهي والتعامي سنعترف أنّ التمييز الجهويّ على أشده وقد انقسمت إلى تونس الساحل وتونس الداخل ولم تنجح أصوات المواطنين الأحرار المؤمنين بالوطن الجامع في خلق لحمة كافية ولذلك تطلّ الفتنة برأسها بين الحين والأخر. مع فتنة أخرى أقلّ حضورا تتخذ شكلا آخر غريبا وصادما ارتبط بالتمييز حسب لون البشرة خاصة في الجنوب التونسي…تمييز هوى بأكذوبة التعايش السلمي أوهو على الأقل حدّ من بريقها .

والمحصّلة إذن أن التعارف بين البشر في هذه المنطقة غالبا قائم على الحكم الجاهز سلفا والمعرفة هي التي تعقبه على خلاف المنطقي والمفترض الذي يقتضي أن تتم المعرفة أوّلا ثم ّالحكم ثانيا .

كيف تخرج المنطقة من كل هذا ؟
كيف يمكن علاج التصدّع الإنسانيّ ،عندما تكون الكراهية فيه بلا منطق ، ولا سبب، فقط ، كثير من الحقد والاستعلاء ، والعقد النفسية وركام التاريخ المريض .؟
وهل تخفق حتى النظريات التي وضعت للبشر جميعا في جعلنا بشرا ؟

* (1)العرش:مصطلح في اللهجة التونسية يمثل وحدة اجتماعية قائمة على رابطة الدم .يشبه مفهوم القبيلة

1 تعليقك

  1. نص وضع إصبعه علي مواطن التفكك في ما يسمى مجازا الوطن العربي..بشر و بشرهم يحتكرون السوق اللغوى و التعليمى و السلطوي و المكانى و الجهوي و يحاربون الداخلين إليه..أحيانا لا نكتفى بمعارضتهم بل صمتا و جبنا نعبد لهم الطريق و بسابقية الإضمار و الت…..دام قلمك

اترك رد