هل من (شومان ) عراقي ؟

 

إثناء إقامتي في عمان في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي كان مثل هذا السؤال يرافقني ويلح عليّ كثيرا وأنا أتمتع بالخدمات الثقافية غير النفعية التي تقدمها (مؤسسة شومان) للثقافة والمثقفين بكل أناقة ، وأظن إنه ( ألح ) على غيري ممن كان على تماس مباشر مع تلك الخدمات ، وهناك نماذج أخرى شبيهه بما تقوم به (شومان ) في أكثر من بلد عربي وأجنبي ، بما يعيد صياغة السؤال و يضع بين قوسيه مسميات أخرى ، ولا أعرف لماذا يخلو بلدنا من هذا النموذج وهو المتخم بالاثرياء ورجال المال و الاعمال الذين أنعش مرورهم وتواجدهم في الدول المجاورة إقتصاديات تلك الدول .

كنت (أخطف رجلي) اسبوعيا الى مكتبة شومان في منطقة شميساني، لأقرأ الصحف والمجلات والنشريات التي يصعب على جيبي (المصفوط) تحمل أثمانها ، حيث يمكنك أن تجلس لساعات في قاعة الدوريات التي تحتل إحدى طوابق المكتبة ، تقرأ وتنسخ وتكتب وتقلب بهدوء يليق بالمكتبات المحترمة ، ومع إنتشار الانترنيت أفتتحت قاعة خاصة بمتصفحي الانترنيت، أخمن إنها الآن قد توسعت وإبتلعت القاعات المجاورة مع صعود نجم الصحافة الالكترونية ، ولم أكن من مرتادي طوابق المكتبة الاخرى المخصصة لمطالعة وإعارة الكتب والمعاجم بمستمسكات بسيطة ليس من بينها الجنسية وشهادة الجنسية والبطاقة التموينية وبطاقة السكن وتأييد المجلس البلدي .

وفي أمسيات الثلاثاء كان موعدي مع نادي السينما في منتدى شومان في جبل عمان مقابل مبنى السفارة العراقية وهو منتدى تقام فيه الندوات والامسيات والجلسات النقاشية فضلا عن عرض أفلام مختارة أيام الثلاثاء يشرف عليها الناقد السينمائي عدنان مدانات، وفي كل الايام هناك معارض فنية وورش عمل وعروض فنية وموسيقية في دارة الفنون التابعة لذات المؤسسة على كتف جبل اللويبدة ، وهي دارة تراثية تم تحويلها بذائقة جمالية رفيعة الى مكان لاحتضان نشاطات الفنانين والمثقفين عموما ، وحديقة مدّرجة للتجوال والتأمل ، وكنت أواظب على حضور سلسلة الأفلام التي تتحدث عن الفنون التشكيلية يقدم لها ويشرف عليها أحد النقاد التشكيليين ، فضلا عن الامسيات والمعارض والتجمعات والجوائز المخصصة للعلماء والمبدعين.

وكان السؤال يلح ويلح بعد كل أمسية أومعرض أو محاضرة أو فلم ، ولم أتمكن من إسكاته إلا بجرعة كبيرة من النسيان و التناسي ، لكنه عاد مؤخرا للالحاح مع الخبر الذي يضع أثرياء العراق بالمرتبة السابعة لدول الشرق الاوسط وفقا لتقرير الثروة العالمي الذي أعدته شركة ويلث أكس للاستشارات ( مقرها في سنغافورة) بثروة تصل الى 14 مليار دولار، وهي مرتبة أطعن بصحتها جملة وتفصيلا ، لانها تعتمد على الاستثمارات والايداعات المحلية ، ولم يخطر ببال الشركة بأننا حين نرغب بالاستثمارأو الايداع نيمم وجوهنا شطر الغرب أو الشرق ، ولا نستثمر أو نودع في بلدنا خوفا من النميمة والحسد ، ثم إن الشركة التي أعدت التقرير أهملت (المليونيرية) الذين تقل مليوناتهم عن 30 مليونا ، وهي الثغرة التي مكنت أثرياءنا من الافلات ، فهم يسجلون ثرواتهم في حسابات وأرقام وأماكن مختلفة تحسبا من القيل والقال و( بحوشة ) أولاد الحلال ، كما إني أطعن بتقرير (ويلث أكس) إستنادا الى ( أرقام ) ملفات الفساد المعلنة التي تتحدث عن مئات المليارات من الدولارات التي تبخرت وتدثرت بدفء البنوك البعيدة ..

ومع ذلك فإني سأتغاضى عن الثروات غير المسكوت عنها وأعيد طرح السؤال الذي يعذبني بالصيغة التي ترضي أرقام شركة ويلث أكس ولا تثير ريبة الأثرياء …

وأقول : هل بين أصحاب الاربعة عشر مليارا من يريد لأسمه وأمواله الرفعة والاحترام والذكر الطيب ..

هل من (شومان ) عراقي ؟

 

 

لا تعليقات

اترك رد