يا مغرّب .. خرّب


 

نزِهت الأرض “بكسر الزاي” اذا تزينت بالخضرة.

وفلان نزيه اذا كان بعيداً عن اللؤم، والنزاهة البعد عن الشر وعن الأقذار.

وبما ان المال “وسخ الدنيا” كما يقول العراقيون. وهو الشر بعينه إذ بحفنة دولارات يُذبح العراقي من الوريد الى الوريد، اذن فالمال هو الشر وهو القذر!.

وفي كتب تفسير الاحلام، إن من رأى نفسه وسط القذارة والنجاسات فمعنى ذلك انه سينال مالاً. وهذا دعم للدليل اللغوي.

وقد قرأتُ في كتاب ديني قديم، انه حين ضُربت الدنانير قال ابليس الشرير: “بهذا سأسقط بني آدم”، واظن انه قد فعلها وهذا دعم آخر للتفسير اللغوي، وعليه تكون النزاهة هي عدم تلطخ الأيدي بحقوق “أموال” الآخرين.

وأموال الدولة هي أموال العراقيين جميعا، وكل فساد حصل في دوائر الدولة وراءه مال حرام.

بهذا المدخل حملت “تطوعاً” هموم مفوضية النزاهة أعان الله تعالى أعضاءها على حمل هذه المسؤولية الثقيلة والتصدي لهذه المهمة الشاقة.

فبمن سيبدأون، وكيف سيعملون؟!.

ينزهون مَنْ، ويطهرون مَنْ، ومَنْ سيغسلون؟!.بعدما ماتت ضمائر ،واختفت مخافة الله وحساب شديد العقاب ، وغابت السلطة الرادعة الزاجرة .

الجميع يعلمون ان القوانين وحدها لا تكفي إن لم تكن مدعومة بسلطة تنفيذية قوية ومصحوبة بضمير حي كرادع ورقيب إذ بموته تموت كل الفضائل وتضيع كل القيم وتنتفي الحاجة للعلاقات الانسانية، وتصبح الحياة بلا معنى.

قد يتصور البعض إن تفشي الفساد في دوائر الدولة وأجهزتها المتشعبة بهذه الفضاعة جاء نتيجة للإنفلات الأمني وغياب الرقابة بعد التغييرات الديمقراطية الجديدة، صحيح ان هذه العوامل ساعدت كثيراً على تفشي حالة كهذه ولكنها في الحقيقة إمتداد لقاعدة الفساد الكبرى التي اشادت عليها سلطة القهر المقبورة كيانها حين تكالب اعضاء حكومة القرية وكلٌ من موقعه في نهب خيرات العراق وبأساليب لا تشبه بعضها ساهمت بشكل متعمد في اشاعة الخراب الشامل، فأختص “عدي” بالمؤسسة الثقافية، صحافةً، وإعلاماً، ورياضة وشباب، اذاعة وتلفزيون ربطت باللجنة الاولمبية حيث حشد فيها المئات من الموظفات وعن طريق هذه المؤسسة المشبوهة تتم التعيينات والصفقات بالطرق الابتزازية التي شاعت اخبارها بين القاصي والداني حتى وصلت الحال الى الفنانين الذين لا يسمح لهم بتسجيل اغنية الا بعد دفع رشوة تضطرهم الى بيع الثلاجة او المجمدة او اي سلعة منزلية وخاصة خلال سني الحصار !. يمتد الاخطبوط بعد ذلك الى التعليم العالي فتُمنَح شهادة الدكتوراه بأمر من “الاستاذ” او من “ديوان الرئاسة” الى خريج ابتدائية، او خريج دورة الدفاع المدني، كما حصل مع عبد حمود وابن لطيف نصيف وغيرهما المئات، ثم يمتد الى القضاء فيحكم بتبرئة أعتى المجرمين ، وربما بدّلَ المجرم بمريض من مستشفى المجانين فيُعدَم بدلاً عنه!. ويتشعب اخطبوط فسادهم فيطال التجار ليعدم عدداً منهم كي تخلو الساحة لسماسرة “الاستاذ” فيسيطرون على الصادرات والواردات وحسب رغبات ومشتهيات الاسياد. و”لقصي” سماسرته، و”للأميرات” مشاريعهن، و”لعبد حمود شبكته” و “حسين كامل” اربعين منشأة تصنيع غير خاضعة للرقابة برغم عقودها الخارجية والداخلية ومليارات الدولارات و”علي كيمياوي” ومباذله وإسرافه، والقائمة تطول وتطول، وما أدرجناه قطرة من محيط، وعلى مدى اربعة عقود سود تجذّر هذا “الفيروس” الفتاك وصار حالة طبيعية بمرور الزمن ليتفاقم في ظرف ملائم موبوء غابت فيه السلطة، وتفرعنت المسوخ!.

كما ساعد وضع الحكومة المؤقتة ولا ابالية المسؤولين كونها فترة قصيرة و”يامغرّب خرّب” على تفشي حالة الفساد بحيث اصبحت تحتاج الى “وزارة للنزاهة”. يضاف الى هذا وذاك تدهور الوضع الامني وتكالب الارهاب الداخلي والخارجي وانتشار عصابات الخطف والتسليب والاستحواذ على ممتلكات الدولة .

ثم ان التغيير لم يأتِ نتيجة ثورة دستورية بحيث تقتلع الفساد من جذوره بل جاء بصيغة احتلال، أتى على الرؤوس وأبقى الوزارات والدوائر تتخبط بين اوامر الوزراء المؤقتين وبين ما يريده المحتلون، وما درج عليه مدراء السلطة المقبورة وهم اعلم بخفايا الصفقات والامور الاخرى.

ترى في ظل هذه الظروف وهذا التخبط كيف سيتسنى لمفوضية النزاهة معالجة الامور؟!.

يضاف لهذه المعضلة عدم توفر الحماية والاسناد بسلطة رادعة لما يقرره اعضاء هذه المفوضية وهم كمن يعالج قنبلةً موقوتة!.

فأي خراب شامل سيعالجون، ومع من يتعاونون، بمن يبدأون، بالبرلمانيين وصصفقاتهم المشبوهة ، بالوزارات والتخصيصات،بالعقود الوهمية وغسيل الاموال ، بالمنح الدولية والاعانات، بالتعيينات والايفادات، بالمنهوبات والمهربات، بتخصيصات الاعمار والمؤتمنين على الاعمار، بالشهادات المزورة . لسنا يائسين، ولا قانطين، بل مذكرون راجون ان تتكثف كل الجهود لإنجاح هذه التجربة كي نعدها إنجازاً فريداً أعاد الحق الى نصابه وبث في الضمير صحوته.

لا تعليقات

اترك رد