جنين الخوف ..


 

بعد أن تجاوز الجنين شهره الخامس، وتأكد بأن تلك المرأة التي تحمل به لم يعد من الممكن لها في أن تلفظه من رحمها؛ لأنها سوف ترتكب جريمة إنسانية. باتَ يشعر بشيء من الضيق والاختناق. كلما مر يوماً على بقائه حيّاً كبر شعوره بالخوف وتراء له هاجس مواجهة الحياة. فهو لا يربطه بتلك المرأة التي يجهل حتى شكلها مجرد حبل سري يوصل إليه الغذاء والهواء.

حين أصبح في شهره الثامن زاد توتره، وأصبح شديد العصبية وأحيانا يمارس لؤمه على تلك المرأة؛ إذ أنه ينتظر الليل كي ينتصف ويبدأ برفسها ومعاندة نومها. فقط لو أرسلت له عبر الحبل السري رسالة قصيرة تقول فيها: لن أدعك تواجه الحياة وسوف أبقيك آمناًفي احشائي، لعاش في سلام وما أزعجها لحظة. ما أن يتخيل لحظة لفظه خارج هذا العالم الآمن إلى حياة مليئة بالشر والحروب يدفعه الجنون لارتكاب الحماقات مع هذه المرأة. من أين أتاه هذا الشعور بالخوف، وهو لا يعرف عن الحياة أي شيء؟ كيف له أن يخاف من شيء مجهول؟ وكيف أيقن بأن العالم الخارجي الذي سوف يواجهه مملوء بالشر؟ لعلها الملائكة قد أخبرته بما يحدث خلف شبابيك بيته في احشاء تلك المرأة. أو ربما حدس الجنين بما يصله عبر الحبل السري؛ لعل تلك المرأة التي تحمل به، هي تحمل ذات الهاجس وذات الوجع وأوصلته له ولم تدرك أنها قد ارتكبت هذاالخطأ.

كلما بدأ العد التنازلي والوصول إلى موعد ولادته ونهاية صلته بهذا العالم الذي يعيشه؛ تعاوده نوبات الألم والهيستريا، لم يكن قادرًا على تقبل فكرة مواجهة العالم الخارجي. في كل لحظة تصله إشارات بأن ما يجري في ذاك العالم من أهوال وكوارث، تلك الرسائل كانت تصله مع المؤونة الغذائية عبر نفق الحبل السري، المرأة المسكينة لم تكن تنتبه إلى تلك القصاصات الصغيرة التي تقع منها وهي ترسل له الهواء والغذاء. ولم تكن تدري بأنها قد حطمت مشاعر هذا الجنين قبل أن يُولد.

مؤخراً وفي منتصف الشهر الثامن من الحمل، اتضحت الأمور. وأصبح من اليسير فك طلاسم تلك الهواجس، وشعور هذا الجنين بالخوف . المرأة التي تحمل بهذا الجنين هي واحدة من ضحاي االحرب، واحدة ممن حملت الوجع أثناء حملها به. مشت به في طرق مظلمة، عانت الخوف من الموت أثناء نزوحها عن وطنها. كان كلما جلست لوحدها تبكي وتئن يسمع هسيس بكائها، ويشعر بخوفها؛ فأدرك بأن العالم الذي تسكن فيه تلك المرأة، هو عالم موحش ومخيف ولم تعد لديه أي رغبة في أن يكون هو الآخر واحد من ضحاياه، لم تكن لديه القوة الكافية لمواجهته. فضّل البقاء في احشاء المرأة على أن يخرج للعالم الداكن. أراد أن يبقى مرتبطاً بالحبل السري وتلك المشيمة ولا يرتبط بعالم قبل أن يراه شعر أنه لا يستحق أن يخرج للقائه . لم يعد هاجس الخوف مقتصراً على الأحياء الذين يمشون فوق الأرض، بل امتد إلى الأجنّة التي في الأرحام. وحدهم الأموات هم الذين حالفهم الحظ ونجو من ألم الحرب ووجع الحياة. أيام قليلة ويولد هذا الجنين، وقت المواجهة صار قاب قوسين وأدنى، كيف يتعامل هذا الجنين مع لحظة ولادته وانفصاله عن مشيمة تلك المرأة؟ هنا في احشاء المرأة الغذاء والهواء كانت تعطيه له المرأة بلا عناء، لكن هل ستقدر تلك المرأة على أن تأمن له الغذاء بعد أن تلفظه من رحمها؟ هل ستقدر على منحه الشعور بالأمان الذي كان يشعربه في عالمه الصغير؟ لم عليه أن يولد لاجئاً من أول لحظة يخرج بها رأسه ؟ لم عليه أن يعاني النزوح والتشرد والجوع وهو لا ذنب له بكلما يحدث؟

ثمة أجنّة ممن يسكنون أرحام نساء مترفات، بعيدات عن الموت وآلام الحروب يمتلئون رغبة للخروج إلى الحياة، لأنهم يدركون بأن ما ينتظرهم من رغد ونعيم أكبر مما هم عليه وهم في احشاء أمهاتهم. وثمة أجنة ممن يرتجفون في أرحام نساء لاجئات ومشردات يخافون فكرة الخروج من احشاء أمهاتهم لأنهم يعلمون بأن ما سوف يلاقونه أشد ظلاماً من ظلمة الأحشاء. الحرب جعلت الحياة لثلة من البشر جنة. أولئك الذين يعيشون على دماء الآخرين، وموت الآخرين، وكذلك الحرب جعلت الحياة للسواد الأعظم لعنة كبيرة يخافون من أن يكونوا على قيدها وفي سجلاتها. فهل يشعر الساسة والمرتزقة وسماسرة الدماء بهواجس الخوف التي يعيشها هذا الجنين؟

لا تعليقات

اترك رد