يوميات مخرج في مستشفى الرشاد للامراض النفسية – الحلقة الخامسة

 
الصدى - وميات مخرج

مسرحية الشيزوفرينيا
(( الحواسم … كانت شيزوفرينيا ))

كان النظام آنذاك يراهن على معركته ضد قوات التحالف الدولي بانها معركة الحسم الاخيرة وانه سيحتفل فيالانتصار الكبير على الاراضي الكويتية ( بعد غزوها واحتلالها ) وكان الاعلام بارعا في تصوير ملامح الانتصار والقوة والهيبة والصمود , كان يعتمد على العدد الكبير من المجندين ويتوكأ على المباديء والقيم والشعارات الفارغة , كان العراق على حافة الهاوية ويحتاج الى قشة تقصم ظهر البعير لان التذمر والغليان والرفض بات يلوح في الافق والمعركة ( معركة الحواسم ) لا محالة قادمة فكان الشعب يرتدي الزيّ العسكري وقوات الجيش تنتشر في كل مكان , وفي سابقة غير معهودة تمّ اطلاق سراح السجناء وفتح السجون وتبيّضها اغلب هؤلاء السجناء كانوا يحترفون الجريمة والقتل والسطو وكان حكمهم المؤبد لكن لماذا تمّ اطلاق سراحهم في هذا الوقت بالضبط … ؟! تسارعت الاحداث وانكسر الجيش العراقي ايما انكسار استسلم الكثير لقوات التحالف الدولي وبدون قتال وترك ارض المعركة الكثير ايضا ووصلوا الى بغداد مشيا على الاقدام هروبا من جحيم الحرب وانتشر الذعر بين المواطنين ودخلت هذه القوات العراق على انها جاءت محررة لا محتلة لتنكشف اللعبة فيما بعد .

وحدث هرج ومرج في البلاد وامام انظار هذه القوات لانها ابتدأت اولا في حلّ الجيش العراقي وكذلك قوات الامن الداخلي فاصبح البلد تحت رحمة اللصوص والمجرمين . هناك في شرق مدينة بغداد تقع مستشفى الرشاد للامراض النفسية هادئة مطمئنة بمرضاها وكوادرها الطبيبة والتمريضية والخدمية لانها كانت بعيدة عن الاحداث وبان المرضى فيها ليس لهم دخل في هذه المعركة وكانت تحيط بهذه المستشفى مدن شعبية تحكمها الاعراف والقيّم الاجتماعية والعشائرية اكثر من القانون . لم يتوقع ان تمتدّ اليها خفافيش الليل المنهمرة في الشوارع تنهب وتقتل وتحرق كل شيء وامام انظار قوات التحالف وربما بتحريض منها , كانت القوات الاميركية تحرس المستشفى في بداية الامر والوضع مستقر وهاديء جدا لكن فجأة سمحوا للصوص بالدخول الى المستشفى وسرقة كل شيء وامام كاميراتهم وهي تصور الحدث ويتضاحكون من المشاهد المؤلمة .

عندما دخلت المستشفى انهمرت الدموع من عيني فلقد سرق كل شيء … كل شيء … كل شيء … كل شيء …… والمثير والمؤلم ان يقوم البعض من منتسبي المستشفى بسرقة اثاث واجهزة كهربائية وطبية وادوية قبل ان يعمّ السلب والنهب فيها وامام انظار المرضى الراقدين والجميع يقول ( هذه حصتي من النفط ….انا لم احصل على اي شيء من النظام السابق ويجب ان اخذ حقي الان وبيدي ) …. تمّ سرقة خزانة المستشفى ومخازن المعيشة وخازن الاثاث ومخازن الادوية … سرق كل شيء حتى الابواب والشبابيك والبلاط …!!! كانت ايام عصيبة ومؤلمة على الجميع وخاصة المرضى في المستشفى فقررت مع مجموعة من زملائي في العمل ان نعمل مسرحية وفي هذا الوقت بالضبط وتصوير ما حدث هنا ونؤرخ لهذه المحنة والكارثة .

كنت اعيش حالة من الغضب والالم والياس والتذمر مما حدث هنا , فاغلب اصدقائي من المرضى قد هربوا والبعض الاخر فُقدَ اثناء عملية السطو والاعتداء على المستشفى وكوادرها , فكتبت مسرحية ( الشيزوفرينا ) واخترت المرضى والمريضات للمباشرة بالتدريب عليها , كانت تتكون من فصلين الاول صور حالة المرضى قبل دخول قوات التحالف وسقوط مدينة بغداد والثاني يصور حالة الفوضى والدمار ودخول اللصوص الى المستشفى . الشيزوفرينا كانت تصور الواقع العراقي بالضبط وان ماحدث في المستشفى قد حدث في اغلب المدن العراقية انها الشيزوفرينا …! مقتل المريضة ( هــ …. ) وكنت اعرفها عن قرب واستأنس بحكاياتها وطيبتها وهدوئها واستقرارها مقتلها ألهب الحماس عندي وكانت هي محور العمل المسرحي . تمّ اختيار مجموعة من المرضى الموجودين في المستشفى وتمّ عرض النصّ المسرحي على بعض الاطباء الاختصاصيين في الطب النفسي ةتمّ منح الادوار لكل مريض وحسب قابلياته واستعداد النفسي والجسمي والمعنوي . كانت بطلة المسرحية ( المريضة …. ) قد أدخلها الاهل الى المستشفى بسبب مرضها ( الشذوذ الجنسي ) جميلة جدا ومستقرة وهادئة ومحتحسّنة حالتها العقلية وذكية جدا لهذا منحتها هذا الدور لمقدرتها على الاستمرار على اداء الدور خلال الفصلين وقالبيتها على الحفظ والاستماع الى توجيهاتي وباكانها تطوير الشخصية .

وكان دور الطبيب من حصة ( المريض …. ) ودور زوج بطلة المسرحية من حصة ( المريض …. ) وكان شاعرا وقد رفض في بداية الامر العمل معي في المسرحية ولكن بعد جهد جهيد قمت باقناعه ووافق على العمل معنا . وكانت ادوار اللصوص من حصة بعض المرضى وكانت ادوار الباحثة والمريضات من حصة بعض المريضات . كانت مسرحية ( الشيزوفرينا ) صعبة جدا وفيها شخصيات مركبة تحتاج الى جهد كبير وحوارات طويلة تحتاج الى حفظ واداء حركات كثيرة ومختلفة وصعبة على المرضى وكان عددهم ( 15 ) مريض ومريضة وهذا يدعو الى ان أمثّل هذه الادوار امام المرضى واتابعهم فيما بعد واعطاء الملاحظات لكل واحد مهنم . دور بطلة المسرحية كان من أصعب الادوار بحيث استمر تدريبها لوحدها اكثر من ثلاثة اسابيع بعد ان اقوم كل يوم باداء الدور امامهم ومن ثمّ تعيد هي اداء الدور امامي وامام باقي المرضى واتبع تصحيح الاداء والحوار ومستوى الصوت والنغمة فيه , كثيرا ما قررت ان تترك المسرحية وهي تبكي لكونها لم تتمكن ان تؤدي مثلما كنت اريد ( فعلا كنت دكتاتوريا ) في هذه المسرحية وكنت صارما في توجيهاتي لكنهم كانوا يتقبلونها بمرح وسعادة , اصراري على ان تكون هذه المريضة هي بطلة المسرحية جعلني أكثّف العمل معها وشيئا فشيئا اصبحت تجيد القليل من الشخصية واصبحت عندها ثقة في نفسها .

باقي الادوار كانت سهلة عليّ وعلى ابطالها لكونها كنت قليلة والحوارات فيها قصيرة لكن …..! . في اثناء التدريبات اكتشفت سرّا فضيعا هدّد بالغاء المسرحية نهائيا وتعرضي لنكسة قاسية , فلقد أسرّ لي بعض المرضى الممثلين بوجود علاقة غرامية بين احدهم ومريضة اخرى مشتركة معنا في المسرحية فبعد ان تاكد الامر قررت بصمت انهاء التريبات وعودة المرضى الى ردهاتهم الى اجل غير مسمّى . وبعد المشاورة مع بعض الاطباء الاختصاصيين في المستشفى قررت ان استبعد بعض المرضى من المسرحية والاستعانة بغيرهم والعمل من جديد وتدريب المرضى الجدد على ادوارهم ومنحهم الثقة والاستمرار بنشاط اكثر كي نقدّم هذا العمل لئلا ان يتكرر نفس الامر مع بعضهم . لم يكن هناك مكان معين للتدريبات كما في مسرحية ( الغريب ) وكنا نتواجد ونتدرب في اي مكان يكون فارغا , لكن الامر الذي أقلقني كثيرا هو بطلة المسرحية , فلقد أحسست بتعلّقها بي ومحاولة الاقتراب مني ودخول مجالي الشخصي فكنت أتحاشى الاقتراب اكثر او فسح المجال لها للحديث على انفراد معي كنت اقول للجميع ولها خاصة بانكم مرضى مبدعين وعليكم ان تتحلوا بالشجاعة وتتخطوا عتبة المرض والعودة الى المجتمع , وكنت اقول لهم بان هناك مساحة بينهم وبيني لا اسمح بالدخول اليها او مجرد حتى التفكير . مما جعلها ( بطلة المسرحية …) تقرر عدم الاستمرار في العمل والرجوع الى الردهة .

لا تعليقات

اترك رد