الإنتماء للآخر …. ج1


 

مازالت ذكراك عزيز بن عبد الملك منصور ابو المعالي الجيلي القاضي الملقب سيدله الشافعي الأشعري الأصول عل موائد الحديث يفوح أريجها لمن يرى فيك سندا لتبرير مواقفه السلبية اتجاه الآخرين ، قولك المأثور لم ولن يخلو من مجالس التراشق اللطيف والتحقير لسلوكات اجتماعية يراها البعض منبوذة لا لشيء إلا لأنها صدرت من إنسان يكن له كل البغض والضغينة : من عاشر قوما أربعين يوما صار منهم … إلى حدود الأمس القريب كنت أظنه حديثا شريفا لحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وكثيرون هم الآن من لا يزالون يظنون ذلك ، فتأكدوا أيها الإخوة الكرام انه ليس بحديث شريف إنما هو قول لمن أشرنا إليه في السطور الأولى: قال هذا الكلام وهو الأزجي في حق رجل من الحنابلة كان بينهم شنآن كبير حين سمعه ينادي عل حمار ضائع منه فقال حين لم يجده : يدخل الأزج ويأخذ بيد من يشاء ، فأجابه : من عاشر قوما أربعين يوما فهو منهم … هذه هي حكاية القول المأثور الذي نردده باستمرار ولا علاقة له بالواقع المعيش .
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أحب قوما فهو منهم .يعني من أحبهم فهو منهم ولو عاشرهم ليوم واحد وليس لأربعين يوما .
القول الأول فيه صفة المعاشرة والمصاحبة أما الحديث الشريف ففيه الحب، وشتان بين اللفظين … فالمعاشرة تعني المصاحبة ،الاحتكاك بسلوك الآخر والأخذ منه والتشبه به بغية الانصهار في الوسط الجديد وحين يتم التجانس بين الموروث والمنقول يتم الانصهار والاندماج ويسهل آنذاكالتعايش لكن لا يمكن الجزم بالقبول .. هوإذنسلوكيخضع لتقلبات الزمان والمكان وهو مرتبط اشد الارتباط بالسلوك الظاهري الخارجي الشيء الذي قد يجعله أسلوبا للخداع قصد العيش في الوسط الجديد…
حبيب الله صلى الله عليه وسلم قال من أحب قوما.. كلمة من ثلاثة أحرف : ألف ، حاء ،والباء … الألف أحاسيس منبعثة من الداخل و الحاء حنين، شعور الباطن أما الباء فهو هذا الباطن ولا يمكن أن يكون إلا القلب ، هكذا يمكن القول بان فعل أحب (الماضي) هو الإحساس بالحنين المنبعث من الباطن أي من القلب … فعل صغير لكنه قوي الدلالة وهنا يتجلى الفرق بين الفعلين: عاشر وأحب.فالأول سلوك خارجي غالبا ما يكون من أجل هدف معين لإرضاءالآخر بالفعل الخارجي كاللباس والأكل والكلام.. أما الثاني فهو إحساس باطني والباطنأقوى……إذن من عاشر قوما صار منهم ليست صحيحة لأنه خلال هذه المعاشرة قد ينصهر معهم وقد يخفق لكن إن أحبهم فأكيد صار منهم لان الارتباط هنا يصير وجدانياً، وفكرياً، ومعنوياً، وواقعياً سيتقرب منهم بإيمانه وسيحدو حدوهم بكل عفوية دونما الحاجة للتملق أو التشبه مما سيكسبه ذلك الشعور القوي الصادق الذي يربط الفرد بالمجتمع وهو ما يسمى بالانتماء ، فما هو إذن ؟
الإنتماء لغة هو الإنتساب إلى شيء ما، أمّا اصطلاحاً فهو الارتباط الحقيقي بالوحدة الكل وهو شعور ثابت لا يمكن ان يتغير تحت أي ظرف طارئ أو إكراه خارجي لأنه الوجدان ،ولأنه الاستمرارية والتاريخ والأصول …مكونات لا يمكن إحساسها من الوافدين على الأوطان دون تربتهم ،فالانتماء علاقة منطقية أكيدة ونتيجة حتمية بين الفرد وجذوره أو الصنف الذي يدخل في زمرة ما صدقه… والانتماء أنواع أهمها الانتماء للوطن، الانتماء للدين ،و الانتماء الفكري … لكن ما يهمنا هو الأول الانتماء للوطن . قد يبدو الأمر عاديا بالنسبة للمقيمين بصفة دائمة في أوطانهم لكن المشكلة الكبرى هي تلك التي يتواجد فيها المرء مرغما للعيش في أوطان غير تلك التي آوته لأول وهلة وفيها يعيش آباؤه وأجداده وفيها تاريخه بمحافله وماسيه وهنا أكيد اقصد مثلا العرب المقيمين بالديار الأوروبية والحاصلين على الجنسيات المختلفة بطرق شرعية نظرا لطول مدة إقامتهم أو لولادتهم هناك ؟وكذا الوافدين الجدد على أوطاننا ويعيشون معنا … وهذه الظاهرة بدأت تتكاثر أعدادها خاصة بالنسبة للمغرب من جانب الإخوة الأفارقة… فهل يا ترى يحسون بهذا الشعور ؟ شعور الانتماء ؟ أم تراهم يئنون في صمت ؟.
شخصيا ما أظن ذلك لان الإنسان ابن بيئته الأصل فيه متأصل ولا يمكنه اجتثاثه لان تركيبته الجينية ضمان لاستمرارية عرقه وإن غير المعيش والمكان ، لأن المكان ماهو إلا مجال قابل للتغير حسب تغير الأحوال الاجتماعية الاقتصادية وحتي المجالية كالتغيير بسبب الحروب (اللاجئين ) او السيول أو القحط والجفاف أو الهجرة الإرادية … أوجه متعددة لكن الهدف واحد هو البحث عن الاستقرار والعيش الرغيد…إذن من الطبيعي أن يتشبث المرء بمجموعة من تقاليده وأعرافه خاصة داخل مجاله الضيق البيت، سلوكه داخله أكيد لن يتغير إلا بتغير عقلية الأجيال المتعاقبة التي تتوق دائما للانسلاخ من الموروث الذي ترى فيه نوعا من التخلف خاصة وانها ترتكز على الحقوق المكتسبة الجديدة باعتبارها المجال الأرحب للتمرد على الوالدين ونمط عيشهما ، وتظهر جليا هاته الصورة في الدول الأوروبية وهو ما يدفع بهذه الفئات للتشبث بحقها في الانتماء للعالم الجديد والانتشاء بوطن اخر كتعويض عن مواطنتهم المفقودة .
لكن، أهي حقا مفقودة أم هو الحلم الصعب الادراك ؟
اكيد بأن المواطنة هي كافة المبادئ والحقوق والواجبات التي ينعم بها المواطن داخل الدولة التي يعيش فيها … وبنيلهم لها احقا سيعيشونها على ارض الواقع ؟ أم أن المعيش اليومي سيكشف لهم عن حقائق ربما كانوا يجهلونها ؟
اسئلة سنتطرق للإجابة عنها في الجزء المقبل بحول الله ……

لا تعليقات

اترك رد