استفتاء كوردستان .. مغزى الاندفاع والدوافع غير المعلنة وراء اجراءه


 

انقسم افراد المجتمع الكوردستاني وفئاته بين مؤيدون ومعارضون لاجراء الاستفتاء الذي دعا اليه السيد مسعود البارزاني رئيس الحزب الديموقراطي الكوردستاني قبل حوالي شهرين خلال اجتماعه بممثلي الاحزاب الكوردستانية باستثناء حزب التغيير والجماعة الاسلامية، حيث اعلن عن عزمه اجراءالاستفتاء العام في اقليم كوردستان للوقوف على رأي الشعب بشأن استقلال الاقليم عن العراق. وقد حدد يوم 25\9\2017 موعدا لاجراءه. وكان لكل من جبهتي المؤيدون والمعارضون حججها ومبرراتها، واشتد الامر بهما الى تبادل الاتهامات الشديدة الى حد التخوين والعمالة للاجنبي.

من حقنا آن نتسأل: ماذا يروم السيد البارزاني من دعوته لاجراء الاستفتاء في مثل هذا الظرف؟ وما هي الدوافع غير المعلنة وراء اندفاعه واصراره الشديدين على ذلك رغم العقبات والمخاطر المتوقعة؟ وهل هو حقاّ جاد في ما يدعيه في تحقيق رغبة شعبه في الاستقلال من خلال الاستفتاء؟ ام انه يحاول ايهام الشعب الكوردي بذلك بهدف اضفاء الشرعية على ولايته المنتهية اصلاّ وللتغطية على اخفاقاته في ادارة الاقليم في ظل تفاقم الازمات السياسية والاقتصادية العاصفة بالاقليم والي غير ذلك من الدوافغ غير المعلنة.

الاجابة على تلك التساؤلات تتطلب ان نعيد بذاكرتنا الى الماضي كي نقف على مدى صدق نوايا السيد البارزاني وحزبه في توجهاته المعلنة. فمنذ ان سيطر الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة مسعود البارزاني والاتحاد الوطني الكوردستاني بزعامة جلال الطالباني على زمام الامور، اتفقا على تقاسم السلطة في اقليم كوردستان بعد ان توصلا الى تسوية الخلافات والصراعات التى كانت قائمة بينهما والتي تخللتها جولات عديدة من الاقتتال بين قوات الطرفين، والتي تسببت في وقوع الاف من الضحايا وتشريد المئات من العوائل. فلم يكن الاتهام بالخروج عن المبادئ الوطنية او اهمال مصالح الشعب هو السبب في تلك الصراعات الدموية، بل السبب الرئيسى وراء كل ذلك كان النزاع على واردات الكمارك للمعبر الحدودي الرئيسي مع تركيا الواقع ضمن دائرة نفوذ الديمقراطي الكوردستاني، اذ لم تكن آبار النفط قد اكتشفت كما هو الحال الان. وكان الهم الوحيد لقادة الحزبين هو تقوية سلطتهم عن طريق السيطرة على مصادر الاموال. ولاجل تحقيق هذا الهدف تسببوا في جلب اكبر الكوارث والمآسي على الشعب الكوردي الذي عانى الامرين من الممارسات العنصرية للنظام العراقي السابق بما فيها حملات الابادة الجماعية واستخدام الاسلحة الكيمياوية.

بعد سقوط نظام صدام عاود الحزبان تقاسم النفوذ والمال وبالاخص حصة الاقليم البالعة 17% من الموازنة الاتحادية. ولكن بدلا من تخصيصها لخدمة الصالح العام في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية واعمار

البلد الذي خربته الحروب الطويلة، كانت تنفق و تبذر وفق اهواء ورغبات زعيم الحزب ومقتضيات المصالح الحزبية وفي تآسيس شركات كبيرة تحت سيطرة الحزب ونهب مايمكن نهبها الى خارج البلاد لايداعها في البنوك الاجنبية او في شراء العقارات واسهم الشركات.

يدرك الحزب الديمقراطي الكوردستاني قبل غيره من الاحزاب المشاركة في السلطة مآسي وويلات الشعب و حجم الدمار والخراب الذي الحقت بالبلد بسبب الصراعات الحزبية وتفضيل المصالح الفئوية والشخصية للزعامات الحزبية، التي كانت جل اهتمامها الاستيلاء على اكبر المساحات من الاراضي والعقارات ونهب المليارات من الدولارات من وارادت البلد واحتكار مجالات التجارة والاعمال والتي تدر الارباح الخيالية السريعة، كاستيراد الادوية والسكاير والمشروبات الكحولية. فيما كان ابناء بلدهم لايزالون يعانون من عدم توفير الخدمات الاساسية وبالاخص شحة الماء والكهرباء وسوء الخدمات الصحية والتربوية رغم مرور اكثر من ربع قرن على تفردهم بالسلطة.

آن التجارب الماضية لزعماء الاحزاب المتنفذة في اقليم كوردستان اثبتت ليس فشلهم في تمثيل طموحات شعبهم فحسب، بل اثبتت بانهم ليسوا اهلا لادارة البلاد على نحو يعكس تحقيق اماني الشعب الكوردي وتوفر لهم العيش الرغيد. واثبتت وقائع الاحداث والمجريات السياسية والازمات التي تعصف بالاقليم عدم وجود دلائل على الاقدام على مثل هذه الخطوة الحساسة بهدف تحقيق حلم الاستقلال. ناهيك عن عدم ملائمة الظروف المحلية والاقليمية والدولية والتي تؤكدها التصريحات الصادرة سواءا من انقرة وطهران و بغداد او من واشنطن وعواصم الدول الاوروبية.

بناأ على ماتقدم يمكننا الرد على التساؤلات السابقة حول اهداف ودوافع السيد البارزاني واندفاعه الشديد واصراره على المضي قدما في تنفيذ اعلانه المفاجئ باجراء الاستفتاء العام رغم ادراكه بعدم توفر عوامل النجاح لمشروعه واخفاقه في جمع التأييد الدولي له.

ويمكننا تلخيص اهم تلك الدوافع والاهداف السياسية بمايلي:

:: التغطية على الاخفاق الكبير في ادارة حكم الاقليم وفشله في تقديم النموذج الوطني للحكم، ليس في احداث التنمية والتطور فحسب، بل حتى في توفير الخدمات الضرورية للمواطنين وتحسين احوالهم المعيشية، ضمان حرياتهم الاساسية، ايجاد فرص العمل لهم وغير ذلك. ناهيك عن الرفض المستمر للتداول الديمقراطي للسلطة وقمع اصوات الاحتجاج الجماهيري المتصاعد ضد اجراءات خفض الرواتب وتأخير صرفها والفساد المستشري في كل المرافق والمؤسسات والنهب المنظم للمال العام.

:: تأجيج الخلافات بين الاجنحة المتصارعة داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني، خاصة بعد ابرامه الاتفاق مع حزب التغيير المعارض لاستمرار البارزاني في السلطة. فالاتحاد الوطني يحكم سيطرتة على المحافظات الثلاث: السليمانية، حلبجة وكركوك. ومع اطلاق البارزاني الدعوة الى الاستفتاء، برز وجود جناحين داخل صفوف الاتحاد، جناح رافض للاستفتاء في غياب الاجماع السياسي واستمرار تعطيل البرلمان، وجناح مؤيد له لاتفاقة مع توجهات البارزاني بغض النظر عن سياساته ودوافعه نتيجة توافق مصالحهم الشخصية معه.

:: التأثير في سيكولوجية جماهير الشعب الكوردي بهدف صرف انتباههم عن عدم شرعية استمرار البارزاني رئيسا للاقليم لانتهاء ولايته القانونية وذلك بايهامهم بقرب تحقيق حلم الاستقلال والخلاص باستغلال المشاعر الوطنية والعزف على وتر العواطف القومية، والترويج لفكرة تأسيس الدولة اولاً قبل التفكير بنهج الديمقراطية وليس العكس. فهذا نابع عن ادراك السيد البارزاني بان بقائه غير قانوني ومخالف للديمقراطية، على الرغم من محاولاته اضفاء الشرعية على رئاسته عن طريق الالتفاف على القانون وتعطيله للبرلمان بسبب موقف رئيس البرلمان ورفضه الرضوخ لضغوطات السيد البارزاني و حزبه بهدف تمديد ولايته.

:: الظهور بمظهر البطل القومي المنادي بالاستقلال بغية كسب الشعبية والحصول على تأييد الاكثرية في مواجهة المعارضين لبقائه في السلطة ومن ثم تمهيد الطريق لاحتكار السلطة وتوريثها لابناءه من بعده على غرار الانظمة الملكية او القبلية.

:: التهرب من الاتهامات التي من المحتمل ان توجه اليه بعد تحرير الموصل، بخصوص مسؤوليته في احداث سقوط الموصل وشنگال (سنجار) بأيدي عناصر داعش. ولكي يظهر بان الاتهامات الموجهة اليه مردها دعوته للاستفتاء على استقلال كوردستان وتقسيم العراق وبان مصدر تلك الاتهامات هو اعداء الاستقلال والمتآمرين معهم.

:: التنصل من مسئولية الفشل في ادارة الحكم حيث تفشي الفساد ونهب المال العام، عدم الشفافية في عقود النفط ووارداته كما نوهنا عنها سابقا، الاخفاق في معالجة الازمات وتراجع مستوى الخدمات الاساسية للمواطنين. اضافة الى تعطيل البرلمان المنتخب من الشعب وعدم السماح لرئيسه بدخول العاصمة اربيل وعرقلة المصادقة على مسودة دستور الاقليم. وكذلك كمحاولة للافلات من الضغوظ الكبيرة من قبل المعارضة السياسية ونشطاء منظمات المجتمع المدني والاحتجاجات الجماهيرية.

:: استخدام الاستفتاء كورقة ضغط ضد السلطات العراقية لتقديم تنازلات في المسائل العالقة بين بغداد واربيل، لاسيما ملف النفط الذي يتحكم به عائلة البارزاني من حيث ابرام العقود السرية السرية مع الشركات العالمية، سواءا في مجال اكتشاف النفط او تصديره دون الاتفاق مع بغداد او حتى الرجوع الى البرلمان او اشراك ممثلي الاحزاب السياسية الاخرى في كوردستان.

:: الخرو ج من دائرة الحصار الذي تفرضه ايران عن طريق الاحزاب الشيعية وميليشيات الحشد الشعبي المدعومة منها، حيث ان دعوة البارزاني لاجراء الاستفتاء جاءت في وقت كانت هزيمة داعش وسقوط الموصل وشيكة و تنتشر قوات الحشد الشعبي في المناطق المتاخمة لاقليم كوردستان ومن المتوقع آن تشكل تلك القوات مصدر تهديد كبير لسلطات الاقليم.

ماورد اعلاه كانت جملة من الدوافع والاهداف السياسية التي اراها في ما يهدف السيد البارزاني تحقيقها من دعوته لاجراءالاستفتاء العام في اقليم كوردستان. ولربما هناك دوافع اخرى اقل اهمية مما ذكرت، ولكن بكل تأكيد تمهيد الطريق نحو الاستقلال ليس هو الهدف من تلك المبادرة. ولو كان السيد البارزاني يعتزم تحقيق اماني شعبه في الاستقلال والحرية، لكان اولى به الالتفات الى معاناة شعبه اليومية وتوفير القدر الكافي من الديمقراطية والحرية وايلاء الاهتمام التام بمعالجة التدهور الكبير في مستوى الخدمات الضرورية، وحل الخلافات السياسية وتفعيل البرلمان المعطل. تلك هي الامور الملحة التي تطالب بها جماهير الشعب في كوردستان. وهي الاساس القوي والضمان الامثل لكسب التأييد الشعبي وتعبئة الشارع الكوردستاني للمساهمة في انجاح العملية، ليبين للعالم بانه هو صاحب الرأي الحقيقي وليست جهة سياسية معينة.

وكان الاجدر بالسيد البارزاني ايلاء الموضوع اهمية بالغة خدمة لحق تقرير مصير شعب كوردستان، لا كمجرد لعبة سياسية للوصول الى اهداف شخصية وحزبية بحتة كما يبدو، كما ويجدر به العمل على تهيئة الاجواء السياسية محليا واقليميا ودوليا باجراء الحوارات وعقد المؤتمرات والدخول في المباحثات الرسمية مع الاطراف المعنية. كذلك التحلي بالحكمة وعدم الاندفاع والتسرع في تحديد الموعد دون دراسة العوامل والظروف الموضوعية. والاهم من كل ذلك التحرك باتجاه كسب التأييد الدولى لاسيما تأييد الامم المتحدة واللاعبين الكبار على الساحة السياسية الدولية.

لا تعليقات

اترك رد